رسالة إلى الإعلاميين العرب .. بقلم: على عسكورى
4 يناير, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
84 زيارة
aliaskouri@gmail.com
3 January 2019
تنويه هام
(التعميم في عنوان المقال مقصود به فئة من الإعلاميين موجودين في بعض القنوات الفضائية وبعض الصحف وبعض مواقع التواصل الاجتماعي، الذين أدمنوا احتقار الشعب السوداني والتقليل من شأنه، وكان الرد عليهم ضرورياً. أما الآخرين الذين ظلوا على الدوام يدعمون الشعب السوداني من مختلف مواقعهم في القنوات الفضائية او الصحف، فنعرفهم، ولهم أعتذر مقدما، إن أصابهم بعض الرشاش، نقدر مواقفهم مع شعبنا، ولهم العتبى).
ظل الشعب السوداني ولعقود طويلة يتعرض لتجاهل من الإعلام العربي، بعضه متعمد وبعضه ناتج عن جهل بحقائق السودان. الثابت أن اغلب هؤلاء لا يعرفون السودان وربما لم يزوروه مطلقاً، أو إن حدث وزاروه، زاروا الخرطوم فقط واعتقدوا أنها السودان بينما الخرطوم ليست سوى (مايكرو سوم) لقارة من الشعوب اسمها السودان.
عندما يتحدث غالب هؤلاء عن الربيع العربي يتجاهلون عن قصد حقيقة أن السودان عرف الثورات وأغلب الشعوب العربية لم تزل تحت الاستعمار أو بالكاد خرجت من نيره بعامين او عامين. هذه الحقيقة يتم إخفاؤها عن قصد ولا يشار إليها مطلقاً. “حبايبنا” في مصر المحروسة، ” أبنا النيل” كلهم يعلمون تلك الحقيقة، لكنهم يتجاهلونها عن عمد! فبينما كان الشعب المصري يرزح تحت دكتاتورية عبد الناصر أسقط السودانيون نظام الفريق عبود، كأول شعب في إفريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية يسقط حكماً ديكتاتورياً بثورة سلمية. وبينما كان “أبناء النيل” يرزحون تحت حكم مبارك، أسقط السودانيون نظام الطاغية جعفر نميرى بثورة سلمية ثانية.
وقتها لم يتساءل الشعب السوداني عن لماذا تأخرت الشعوب العربية عن اللحاق به (لأننا عارفين البئر وغطاها)! ترى لماذا يطرحون هذا السؤال الاستفزازي الآن! أليس لوصفنا وتعييرنا بأننا في ذيل الشعوب! خلافاً لذلك، فالثابت أن ما فعله الشعب السوداني منذ عقود تعلمته الشعوب العربية بعد نصف قرن ونيف، والآن يريدون أن يبيعوا لنا بضاعتنا! أما بعض الإمارات التي أصبحت لها محطات تلفزيونية فلم تكن قد وجدت على خارطة الشعوب والأمم ابتداء، رغم ذلك يريد إعلامها تقديم محاضرة للشعب السوداني عن الثورة والثورات! ألا يقتضي العقل أن تنتظر هذه الإمارة لتكمل نموها الى مرحلة الدولة أو حتى تبلغ الحلم ثم بعد ذلك تطلق علينا إعلامها الكاذب ليحاضرنا عما فعلنا وما علينا فعله!
وبينما كان من تسلقنا الآن قنواتهم بألسنة حداد يطاردون معيزهم ونوقهم في الفيافي والفلوات، كان السودانيون قد تخرجوا من هارفارد وكمبردج والسوربون وغيرها، ثم عندما نادى منادى الواجب اندفعوا بكل علمهم وخبرتهم ليخرجوا – بعض من حسبوا أنهم أشقاء وإخوة – من ظلامات الجهل والتخلف الى النور باذلين ما عندهم بإخلاص شديد. وللأسف عندما اشتد ساعدهم وتعلموا نظم القصيد، استداروا عليهم في نكران جميل يحسدون عليه، رغم أن كثيرين منهم تتلمذوا على أياديهم:
أعلمه الرماية كل يومٍ
فلما اشتد ساعده رماني
وعلمته نظم القوافي
فلما قال قافية هجاني
ولولا أن بعضهم استمرأ ازدراء السودانيين واحتقارهم والتقليل والتصغير مما يفعلون كل حين لما ذكرناهم بذلك! ولدينا مزيد!
العقلية السائدة عند أغلب الإعلاميين العرب خاصة من يحررون التحليلات لتلك القنوات هي أن السودانيين من ” العجم” الذين “لا تنفع كثرتهم ولا يضر ذهابهم”، ويمنع الاقتداء بهم، ويجب أن يظلوا في مؤخرة الركب ولا تجوز لهم الولاية الكبرى! هذه مفاهيم تحتشد بها كتبهم الصفراء التي تؤسس للتعالي العرقي المتفشي في مجتمعاتهم، والعام الماضي قتل أحدهم أحد السودانيين لذات السبب!
وللتذكير بالتاريخ فقط، على هؤلاء ان يتذكروا أن الشعب الوحيد الذى فشل أسلافهم وهم في أوج عنفوان بناء إمبراطوريتهم الإسلامية العربية في عهد الخليفة الثاني عمر رضى الله عنه، هو الشعب السوداني. فبينما استطاعت الجيوش العربية الغازية إخضاع كامل شمال إفريقيا لسلطتها، تكسرت نصالها في شمال السودان وأجبرت على توقيع اتفاق سلام وعادت أدراجها. تلك حقيقة تاريخية يستوجب عليهم استحضارها على الدوام عند حديثهم عن السودان كيلا يتوهوا ويضلوا ويجهلوا علينا فنجهل بدورنا عليهم!
وفى حقيقة الأمر ليس للشعوب العربية ما تقدمه للشعب السوداني، إنما العكس تماما، يجب عليها أن تتعلم من الشعب السوداني، فالشعب السوداني – ولا فخر- يسبقها في التجربة السياسية بأكثر من نصف قرن! لقد تخطى الشعب السوداني منذ عقود الصراع مع الدكتاتوريات العسكرية وصرعها مرتين، والآن يصارع دكتاتورية مركّبة (عسكرية/ دينية) وسيصرعها لا محالة. هذه آخر محاولة لعملاء الاستعمار واذيال الماسونية وداعميهم من أصحاب القنوات الفضائية الطنّانة للسيطرة على الشعب السوداني، وها هي تجربتهم تتهاوى أمام أعينهم! فالشعوب العربية لا تزال في league مختلف ومتدنى، ولم تبلغ درجة الصراع المركب الذي يخوضه الشعب السوداني بعد!
ولعلى في نهاية هذا المقال ولفائدتهم أقدم بعض المعلومات الأساسية عن القارة التي اسمها السودان حتى يعلموا الفرق.
يتكون السودان حالياً من 25 ولاية، منها ولاية شمال كردفان التي (لوحدها) تعادل مساحتها (185 الف كلم مربع) مساحة سوريا، اما الولاية الشمالية فمساحتها (349 الف كلم مربع) تعادل تقريباً ضعفي مساحة تونس (164 الف كلم مربع)، نفس الأمر ينطبق على مساحة شمال دارفور التي تعادل مساحة تونس مرتين. أما مساحة ولايتي الشمالية ونهر النيل (471 الف كلم مربع) فتزيد على مساحة العراق، والولايتين شمال الخرطوم. أما مساحة الولاية الشمالية وشمال كردفان وشمال دارفور مجتمعة (830 الف كلم مربع) فتزيد على مساحة سوريا والعراق وتونس مجتمعة. هذه ثلاث ولايات فقط من جملة 25 ولاية، لذلك اعرف (يا اخا العرب) عن ماذا تتحدث!
الحقيقة الهامة الأخيرة التي يجب أن يتذكروها هي أن تاريخ التطور السياسي في السودان يختلف جملة وتفصيلاً عن تاريخ الشعوب العربية. للتدليل على ما نقول نذكرهم أن الشعب السوداني عاش شعبا مستقلاً تحت دولته الوطنية لأكثر من ثلاثة قرون من القرن الساس عشر وحتى القرن التاسع عشر حينما كانت جميع الشعوب العربية ترزح تحت نير الاستعمار التركي. حقيقة أخرى عليهم أن يتذكروها، وهى أن الشعب السوداني هو الشعب الوحيد الذى نازل وتحدى الاستعمار التركي المتخلف ودحره وطرده ذليلاً يجر اذيال الخيبة، بينما احتاجت جميع الشعوب العربية لدعم ومشاركة البريطانيين او الفرنسيين في القتال لتحريرها من نيره. تلك حقائق تاريخية يجب أن يلم بها كل من يريد أن يتحدث عن الشعب السوداني!
لكل ذلك، على هؤلاء أن يعلموا عن أي شعب يتحدثون! وإن عادوا عدنا!
وبناء على الحقائق التاريخية التي اوردنا جزءً منها في هذا المقال فالادعاء الأجوف والسؤال الساذج بأن الشعب السوداني متأخر عن الربيع العربي يجب أن تعدل صياغته ليصبح: كيف حاولت وتحاول الشعوب العربية اللحاق بالسودانيين، لأنها الى اليوم ما تزال تحاول تحقيق ما حققه الشعب السوداني عام 1964.
//////////////////////
////////////////