رسالة إلى البسطاء من أهل بلادي؛
“ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض” صدق الله العظيم
علاء خيراوي
■ إلى من خُدعوا بشعارات الوطنية، وإلى من استُغلت عاطفتهم الدينية، إلى البسطاء من أهل بلادي؛ قبل ان تصدقوا أن الضغط الأمريكي على البرهان والكيزان استهدافٌ للسودان، اسألوا أنفسكم سؤالًا بسيطًا؛ ماذا بقي لكم بعد كل ما فعله بكم الإسلاميون؟ لأكثر من سبعةٍ وثلاثين عامًا حُكم السودان باسم الدين، ثم باسم الوطنية، ثم باسم الكرامة؛ تبدّلت الشعارات، وبقي القتل والفساد والإفقار، وبقي الشعب وحده يدفع الثمن. فعرف السودان الحروب وبيوت الأشباح والفصل للصالح العام والفساد وانفصال الجنوب ودماء دارفور، ثم أسقطتم البشير بثورة ديسمبر، فجاء البرهان وانقلب على الانتقال في ٢٥ أكتوبر، ثم انتهى الطريق إلى حرب جعلت الملايين نازحين وجائعين وأفقر من بقي داخل البلاد. ليصبح السوداني الذي كان عزيزًا في وطنه، لاجئًا على أبواب الآخرين، يذوق في بعض دول النزوح الإهانة والتنكيل والتضييق. ولم يتوقف الفساد ولو ليوم، بل تمدد معه اقتصاد الحرب والسلاح والجريمة والكراهية والانقسام.
■ واللعبة نفسها ظلت تتكرر؛ فمنذ البداية، قالوا “المشروع الحضاري”، وعندما حاربوا قالوا “الجهاد”، وعندما ثار الناس قالوا “المؤامرة”، وعندما وقع انقلاب ٢٥ أكتوبر قيل “تصحيح المسار”، وعندما اندلعت الحرب صار اسمها “معركة الكرامة”، واليوم حين يشتد الضغط الخارجي أصبح الشعار “السيادة الوطنية”. الأسماء تتغير، لكن الحيلة واحدة؛ كلما اقتربت المحاسبة وضعوا الدين والوطن بينهم وبين الشعب.لقد جرّبوا معكم الحيلة نفسها بأسماء مختلفة؛ مرة الدين، ومرة الوطن، ومرة الجيش، ومرة الكرامة، واليوم السيادة. فلا تصدقوني أنا؛ انظروا فقط إلى حياتكم واسألوا؛ بعد كل تلك الشعارات، ماذا تملكون اليوم؟ بيتًا آمنًا؟ راتبًا له قيمة؟ مستشفى يعالجكم؟ مدرسة لأولادكم؟ مدخرات لم يأكلها انهيار الجنيه؟ طريقًا تسافرون فيه بلا خوف؟ قانونًا يحميكم؟ من حكمكم باسم الدين يجب أن تحاسبوه بما فعل بحياتكم، ومن يحارب باسم الوطن يجب أن تحاسبوه بما أبقى لكم من الوطن.
■ وهنا تأتي الآية الكريمة بمعناها الكبير؛ “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض”. قال الله “الناس”؛ ولم يقل المسلمين وحدهم ولا أبناء الوطن الواحد. فدفع الظلم لا يصبح خيانة لأن من يقوم به جاء من خارج الحدود، كما أن الظالم لا يصبح وطنيًا لمجرد أنه يرفع علم السودان أو يتحدث باسم الدين. والتاريخ يشرح هذا المعنى حتى لمن لا يريد الدخول في السياسة. في البوسنة، حين كان المسلمون يُقتلون ويُطهرون عرقيًا، لم يسأل أهل سربرنيتسا عن دين الطيارين الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين حين تدخل الناتو وضغط على قوات صرب البوسنة؛ كانوا يريدون أن يتوقف القتل. وعندما فُتحت معسكرات النازية، لم يسأل الجائع خلف الأسلاك إن كان الجندي الذي حرره أمريكيًا أو بريطانيًا أو سوفيتيًا. وفي تيمور الشرقية تدخلت قوة دولية لحماية المدنيين بعد القتل والتهجير، وفي حصار برلين حملت الطائرات الغربية الطعام والوقود إلى المدنيين، بينما تذكرنا رواندا بما يحدث حين يقف العالم متفرجًا حتى تقع الكارثة. المعنى بسيط؛ الضحية لا تخون وطنها حين تقبل يدًا توقف قاتلها، والخارج لا يصبح شرًا لمجرد أنه خارج، كما أن الداخل لا يصبح خيرًا لمجرد أنه ابن البلد.
■ وغدًا، الجمعة ٢٥ سبتمبر، يدعونكم لمسيرات تأييد للبرهان ورفضًا للموقف الأمريكي؛ وهذه الصورة تذكّرنا مباشرة بما كان يفعله نظام البشير كلما اشتد عليه الضغط بسبب أفعاله؛ يحشد الناس حول شخصه، ويحوّل المساءلة إلى معركة وطنية، ويطلب من الجماهير أن تحمل عنه عبء ما صنعته يداه. ففي ٢٠٠٩، بعد مذكرة توقيف المحكمة الجنائية، خرج البشير أمام حشود مؤيدة، وتواصلت مظاهرات التأييد في الأيام التالية. واليوم تتكرر اللغة نفسها تقريبًا؛ دعوات لحشود باسم السيادة والكرامة لدعم رجل يتعرض للضغط السياسي. لذلك لا تجعلوا أنفسكم مرة أخرى وقودًا لمعركة شخص يريد أن يحول نتائج قراراته إلى قضية شعب. لا تسمحوا لمن أفقركم وشرّدكم وبدد دولتكم أن يستخدمكم مطية رخيصة للدفاع عن فساده وأخطائه؛ السودان أكبر من البرهان، وأقدس من الكيزان، وأبقى من كل جنرال. وإن خرجتم غدًا، فلا تجعلوا أصواتكم درعًا يحتمي به البرهان والكيزان؛ اهتفوا ضد الحرب، وضد من أشعلها واستثمر فيها، وضد كل من يريد أن يعيد السودان إلى قبضة الإسلاميين والعسكر. اهتفوا بأعلى أصواتكم؛ ضد من جرّوا البلاد إلى الحرب، وضد من جعلوا من الجيش مطية للسلطة، ومن الدين ستارًا للخداع، ومن الشعب وقودًا لمعاركهم. قولوا لهم بوضوح؛ لن نحميكم بأصواتنا بعد اليوم، ولن نكون جمهورًا لفسادكم وجرائمكم، ولن نسمح لكم أن تسرقوا السودان مرة أخرى باسم الوطن والدين والكرامة.
