رسالة الصداقة: من أخبار الكاكوم والدلال .. بقلم: د. خالد محمد فرح
11 يونيو, 2020
د. خالد محمد فرح, منبر الرأي
46 زيارة
التقى الطالب الأمين البدوي الأمين كاكوم ، بزميله الطالب إبراهيم محمد محمود الدلال لأول مرة ، بمدرسة خور طقت الثانوية التي تقع على بعد نحو تسعة كيلومترات شرق مدينة الأبيض ، قصبة بلاد كردفان بغربي السودان الأوسط. وكان ذلك عندما قُبلا معاً بتلك المدرسة العريقة ، في أواخر السنوات السبعين من القرن الماضي. جاء إليها الأول من بلدة ” أم دم حاج أحمد ” بشرق كردفان ، بينما قدم إليها الآخر من بلدة ” أم بادر ” التي تقع في الركن الشمالي الغربي من تلك الولاية. وكلتاهما بلدتان مشهورتان عامرتان ، وذواتا صيت طائر ، سواء كان ذلك داخل الولاية ، وحتى خارجها على نطاق السودان الواسع إلى حد ما. ذلك بأن الناس قد كانوا ما يزالون يستمعون من خلال المذياع في برنامج ” في ربوع السودان ” – على سبيل المثال – إلى بدو الكبابيش وهم يرتجزون في غناء ” التوية ” قائلين:
السجادة الأهلها عجمْ
أم ريداً لا قدم لا تمْ ..
………………….
ودوني لى حكيم أم دمْ .. الخ ..
ذكر لي الوالد عليه رحمة الله ورضوانه اسم ذلك الحكيم المعني ، ولكنني أنسيته لطول العهد.
والأشهر منها قطعاً ، ذكر البلدة الأخرى ” أم بادر ” الذي خلدته الأغنية الشعبية التي اصطفاها الفنان الشامل الأستاذ عثمان حميدة تور الجر أثناء جولة فنية له في ربوع كردفان ربما في مطلع ستينيات القرن الماضي ، وأهداها للمطربة الصداحة ” مهلة العبادية ” ، فأدتها بصوتها الشجي:
الليلة والليلة
دار أم بادر يا حليلا
بريد زولي ..
التقيا إذن في ربوع تلك المدرسة المرموقة الجامعة ، وهما ما يزالان في ميعة الصبا وشرخ الشباب الباكر ، حزاورةً أيفاعاً ، ما طر لأحدهما شاربٌ بعد ، فما لبثا أن تعانقت روحاهما ، وأتلفت كيمياوهما ائتلافاً عجيباً ، فصارا في سرعة فائقة ، ” ربيعين ” كما يؤثران أن يقولا ، بترقيق الراء على مذهب لهجة أهل تلك البوادي ، أي أنها قد أضحيا إلفين يضمهما ربعٌ واحد ، فهما يقومان ويقعان معاً كركبتي البعير.
قدم ذانك الفَتَيان إلى المدرسة الثانوية ، وكلٌ مهما مشبع حتى الثمالة سلفاً ، بحصيلة وافرة جداً من الأداب والأشعار والقصص والأخبار ، من كلا التراثين العربي االفصيح ، والشعبي العامي السوداني ، فتوجها كلاهما نحو الاستزادة من تلك العلوم والمعارف والفنون ، سواء من خلال مناهجها التعليمية النظامية الراتبة ، أو من خلال النشاط الثقافي الموازي أو اللاصفي ، فازدادت حصيلتاهما وازهرتا ازدهاراً كبيراً خلال تلك المرحلة التي شهدت خصوصاً ، تفتق ملكة إبراهيم الدلال في قرض الشعر الفصيح من والعامي ، في الوقت الذي تفتحت فيه ملكة صنوه الأمين كاكوم في السرد الفني ، والنقد الأدبي ، والخطابة ، والمناظرة ، وإلقاء المحاضرات.
والحالُ كذلك ، فقد توجه كلا الصديقين بصورة طبيعية وتلقائية ، إلى الانخراط في المساق الأدبي ، فصارا من ” الكرشجية ” كما كانوا يعرفون بهذا الاسم عصرئذ في مدرسة خورطقت ، وربما في غيرها من المدارس الأخرى النظيرة لها في السودان عموماً أيضا. هذا ، وقد كنا نحن أيضاً من الكرشجية والحمد لله. والكرشجية هو نبذٌ كان ينعت به منتسبو المساق العلمي من أبناء تلك المدرسة ، زملاءهم المنتسبين إلى المساق الأدبي. ولم يكن يخلُ ذلك النبذ من شئ من التنقص والسخرية المستبطنة التي مؤداها العام ، هو أن الطلاب العلميين ، هم من يتعلمون المواد العلمية و العملية المفيدة ، التي تؤهلهم إلى أن يصبحوا أطباء ومهندسين وصيادلة ، وسوى ذلك من المهن المرموقة ، بينما أن الطلاب الأدبيين ، يدرسون مجرد كلام وتنظير والسلام ، وأن مستقبلهم المهني غامض أو بائس على أحسن تقدير. وكلمة ” كرشجية ” كما يقال ، مشتقة اشتقاقاً محرفا من كلمة culture بمعنى ثقافة في اللغة الإنجليزية ، ثم أضيفت إليها اللاحقة ” جي ” التركية الأصل ، التي تفيد الحرفة أو المهنة.
وبالفعل كان الكاكوم والدلال ، ذوي نزعة سيوطية واضحة. بمعنى أنهما كانا ينفران نفاراً بيناً من مواد الرياضيات والكيمياء والفيزياء وما إليها من طلسمات ، مثلما أن الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي 1445 – 1505م ، الذي كان على سعة علمه ، وتبحره ، وقدرته المدهشة على التأليف في كل فن من الفنون تقريبا ، قد صرح في معرض سيرته الذاتية الموسومة ب ” حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ” ، بأن أعسر شئ عليه من صنوف العلم ، كان هو علم الحساب. وهو قوله: ” وأما علمُ الحساب ، فهو أعسرُ شئ علي وأبعده عن ذهني. وإذا نظرتُ في مسألة تتعلق به ، فكأنما أحاول جبلاً أحمله. ” أ. هـ
وكذلك كان حال صاحبينا الكاكوم والدلال مع مادة الرياضيات. وقد حدثني الأمين كاكوم بنفسه أن نتيجته في مادة الرياضيات في امتحان الشهادة الثانوية الوطنية كانت واحداً فقط من مائة ، أو ” عكاز واحد ” كما وصفه لي ضاحكا. أما صاحبه الدلال ، فأخبرني عنه الأمين في ذات السياق ، أنه كان قد سلم ورقة امتحان الرياضيات كما هي ، بيضاء من غير سوء ، فكان حظه صفرا كبيراً بالطبع. ولكن الاثنين برزا في باقي المواد الأخرى ، وخصوصاً مواد: اللغة العربية ، والتربية الإسلامية ، واللغة الإنجليزية ، والأدب الإنجليزي ، والتاريخ جميعاً تبريزاً باهراً ، مكنهما من أن يقبلا معا وبكل سهولة ويسر ، بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ، من ضمن نحو ما يزيد قليلاً على المائتي طالب فقط ، تم اصطفاؤهم من بين عشرات الآلاف من الطلاب والطالبات على مستوى السودان قاطبةً آنئذ.
كنت أتقدم الأخوين الكاكوم والدلال بفصلين في خور طقت الثانوية ، فلحقا بي في كلية الآداب بجامعة الخرطوم ، فألفياني بها في السنة الثالثة. ولما كنت على معرفة وثيقة بالأمين كاكوم بحكم أنه من أبناء قريتي نفسها ، وقد ظللت أعرفه معرفة تامة ، واحتفظ له بصداقة وود خاص منذ الطفولة إذ كنا جيراناً أيضاً ، فقد تهيأت لكلينا الفرصة لرعاية تلك الصلة وتوثيقها ، بعد أن بلغنا سن الرشد ، وأدركنا مرحلة النضوج الفكري والثقافي والمعرفي إلى حد ما ، بما يتيحه مناخ مثالي كمناخ جامعة الخرطوم في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي. ثم إن الأمين كاكوم قدعرفني على نحو أوثق بصفيه إبراهيم الدلال ، الذي كنت أعرفه معرفة سطحية في الواقع من خلال السنة الوحيدة التي تعاصرنا فيها معاً في رحاب مدرسة خور طقت الثانوية ، قبل أن أغادرها لدراسة الجامعة بالخرطوم.
لقد كان الأمين كاكوم وإبراهيم الدلال محظوظين حقاً ، إذ أنهما وجدا كلية الآداب حينئذ ، وخصوصاً قسم اللغة العرببة الذي انتسبا إليه ، مزداناً بكوكبة وضاءة من كبار الأساتذة مثل: العلامة عبد الله الطيب إثر عودته للتو من فترة انتداب بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس بالمملكة المغربية ، إلى جانب الأساتذة: البروفيسور عون الشريف قاسم ، والبروفيسور صلاح الدين المليك ، والدكتور الحبر يوسف نور الدائم ، والأستاذ محمد الواثق ، والدكتورة زكية عوض ساتي ، والدكتور عبد الله محمد أحمد ، والدكتور الحسين النور يوسف وغيرهم. فنهلا من علوم أولئك الجهابذة الأفذاذ ومعارفهم ما شاء الله لهما أن ينهلا. وكان الأمين بالذات ، أثيراً جداً لدى العلامة عبد الله الطيب ، الذي كان يدنيه منه ويقربه إليه ، حتى لأوشك أن يصير عنده بمنزلة أبي يوسف القاضي ، من الإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه. استأذنت مرة زائراً العلامة عبد الله الطيب في مكتبه للتحية والسلام ، فوجدت معه الأمين البدوي ، وهو يقرأ عليه فصولاً من كتاب ” الفروق ” لشهاب الدين القرافي المالكي المتوفى في عام 684 هـ ، من نسخة قديمة ، ذات ورق أصفر حائل اللون.
وكان الكاكوم والدلال ربما اختلفا علاوة على أساتذتهما بقسم اللغة العربية ، إلى أمثال المرحوم الشاعر الدكتور محمد عبد الحي أستاذ الأدب الإنجليزي ، بمكتبه بقسم اللغة الإنجليزية ، فما يزالان في أنس وتجاذب لأطراف الحديث معه. ومرة شخص الكاكوم إلى مدينة ود مدني بطلب من الدكتور محمد عبد الحي ، الذي كان قد جعل يميل إلى التصوف شيئاً ما في أواخر سني عمره الغض ، فجلب إليه منها نسخة من كتاب ” الجلجلوتية ” في الأوقاف والقرانات من بعض معارف الكاكوم من الفقرا من مهاجرة غرب إفريقيا المقيمين هناك. ويقيني هو أن الدكتور محمد عبد الحي ابن الخرطوم 2 ، وخريج جامعة أوكسفورد الأرستقراطية ، لم يسمع بكتاب الجلجلوتية ذاك ، إلا من فم الأمين كاكوم المسلط نفسه. وكذلك كانت صلتهما قوية بالدكتور عبد الله علي إبراهيم بمعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية ، الذي كان يراجع معهما أخبار بادية الكبابيش ، وتراثها الشعبي ، وخصائص لهجتها العامية.
وتجاوزت صلات الأمين كاكوم الأساتذة السودانيين ، فعقد علاقات حميمة مع بعض الأساتذة الأجانب الذين كانوا يفدون على جامعة الخرطوم من حين لآخر ، ومنهم باحث أستاذ ياباني تخصص في الشؤون السودانية ، ند عني اسمه.
وشأنهما شأن أي ثنائي فني معروف ومشهور ، يكون من الملاحظ عليهما في أحيان كثيرة ، أن يكون أحدهما في سمته وهيئته وحركته ونبرة صوته ، أكثر جرأة ، وأظهر حضوراً واندفاعاً وتأتياً و ” حركات وشيطنة ” ، وربما أقوى صوتاً نوعاً ما. تجد ذلك في الثنائي مرغني المامون وأحمد حسن جمعة ، وكذلك في ثنائي العاصمة إبراهيم أبو دية والسني الضوي على التوالي. فكذلك يظهر الأمين بمظهر الرجل المتوثب والجرئ والمبادر أو ” الكُلفاح ” كما يُسمى مثل ذلك الرجل في كردفان ، وهو نفسه ما يُعرف بالرجل ” القومابي ” في بلاد النيل الأوسط بالسودان ، بينما يغلب على سمت إبراهيم الدلال ، شئ من الركانة والرزانة والحياء والتأني.
لم يكتف الصديقان بما كان يُلقى عليهم من الدروس من داخل القاعات بالكلية ، ولا مما كانا يتسقطانه من المعارف والأخبار والمعلومات – وهي غزيرة ومتنوعة وثرية للغاية – من خلال سائر مناشط وفعاليات الحركة السياسية والثقافية والاجتماعية الموارة والصاخبة التي ظلت تُعرف بها جامعة الخرطوم حتى إلى عهد قريب ، بل واصلا ما كانا قد عُرفا به أصلاً منذ صباهما الباكر من انفتاح على المجتمع السوداني العريض ، ورموزه المعرفية والثقافية ، وتراثه الشعبي والفني. أما الدلال ، فقد قادته تربيته ونشأته إلى سلوك نهج التصوف ، فسلك الطريقة التجانية على يد الشيخ يوسف إبراهيم بقوي رحمه الله بود مدني ، فصار من بعد ، من أوثق الباحثين المعاصرين معرفة بتاريخ هذه الطريقة ورموزها داخل السودان وخارجه. وللدلال منظومة شعرية طويلة ضمنها جميع مشايخ الطريقة التجانية تقريبا ، وخصوصاً في داخل السودان. وكان قد أطلعني على بعض أبياتها قبل سنوات ، فترجوته أن يعمد إلى جمعها في الحاسوب حتى لا تضيع ، والعمل على طباعتها ونشرها ، بوصفها أثراً أدبياً وتاريخياً نفيسا. ومنها قوله:
أكابرُ الطريق في السودان من خدموا طريقة التيجاني
الطاهرُ الحيمادي ابنُ التلب بجاههم نُجارُ من الســـــلب
صار بها في رفعة الأقمار مبشر الفوتي في سنار … الخ
وهذه المنظومة تحتاج بالطبع ، لشروح وحواشي حتى تعظم الاستفادة من المعلومات الغزيرة والمفيدة التي وردت فيها.
وكان الشيخ إبراهيم ربما غادر مساكن الطلاب بالبركس عصر هذا الخميس أو ذاك ، متوجهاً إلى مسجد الشيخ العلامة مجذوب مدثر الحجاز بحي أب روف بأم درمان ، لكي يشهد ذكر الجمعة هناك.
وأما الأمين كاكوم ، فإنه علاوة على ما اتصف به من صلة واشجة ، ووفاء لطريقة آبائه ، ألا وهي الطريقة المكاشفية القادرية ، صعدواً إلى الشيخ عبد الباقي النيل راجل أم قنطور ، فقد نمى لديه أيضاً ، كلفاً واهتماماً ظاهراً بالفلكلور ، والأدب الشعبي ، والأثنوغرافيا ، والمعارف الشعبية عموماً ، فضلاً عن ميل للتواصل الحميم مع المشتغلين بمثل هذه الأشياء من غمار الناس نساء ورجالا. ومن عجب أنه كان يلقى من جميع هؤلاء ، قبولاً منقطع النظير ، بمن فيهم صنوف الرمتالة ، والفتاك ، والمتهتكتين ، ومقاطيع الطاري. فهم يهشون له ، ويجيبونه إلى مسائله ومطلوباته في ود وأريحية. ذلك بأنه يحسن الحديث إليهم بلغتهم ، ويدخل عليهم بالمداخل الصحيحة لشخصياتهم ، فهو مثل الأستاذ الراحل الطيب محمد الطيب في هذه الناحية.
قال لي مرةً ، إنه ما حسد شخصاً على سيرة ذاتية C.V ، وقالها لي هكذا بالإنجليزية ، إلا على السيرة الذاتية لرجل من أصفيائه يسمى ” قيدم ” ، كل عناصر سيرته الذاتية تتلخص في أنه: ” نجامي من سيالة ود البولاد !! “. وكان يرى أن تلك السيرة الذاتية للشيخ قيدم ، أحفل من سيرة البروفيسور محجوب عبيد طه ، وأعمر من سيرة الدكتور فاروق الباز ! . ذلك ، والنجامي بجيم مشددة مفتوحة تليها ميم مكسورة ، هو المُنجم أو العراف الذي ينظر في النجوم ، ويخط على الرمل ، فيدعي التنبؤ بما سوف يحدث في المستقبل. وقد زعم لي الأمين ذات مرة أيضا ، أن صديقا له آخر عرافا من قرية ” الدفينة ” بريفي ود عشانا ، قد تنبأ له بوقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2011 م ، قبل حدوثها ببضعة أعوام ، فالله أعلم أي ذلك كان.
كان الأمين كاكوم على تواصل منذ سنوات طلبه بالجامعة ، وإلى ما بعد تخرجه فيها ، بشخصيات مثل: الفنان محمود عبد الكريم ” فردة ثنائي أولاد الموردة ” ، وكان قد أسن آنئذ ، وبالمطرب بادي محمد الطيب ، وبالباحثين من أمثال ” علي الدكشنري ” ، والأستاذ ” عوض بابكر ” ، فيتباحث معهم حول تاريخ ما يسمى بغناء الحقيبة في السودان 1920 – 1940م ، وبهذه المناسبة ،ما أزال أنا أعاود إلى الآن بين الفينة والأخرى ، مشاهدة حلقة شهيرة بثتها إحدى القنوات التلفزيونية السودانية قبل بضعة أعوام ، مسجلة على ” يوتيوب ” ، شارك فيها الأمين كاكوم ، وأدى فيها المطرب جمال النحاس أداء أخاذاً ، إحدى أروع أغنيات الحقيبة ، ألا وهي أغنية ” يا سليم الذوق الجمالك صار .. زينة الأيام متعة الأبصار ” ، والتي هي من كلمات الشاعر عبيد عبد الرحمن ، وربما من ألحان كرومة. وقد كان الطرب والاستحسان باديين على محيا أخينا الأستاذ الأمين طوةال تلك الجلسة الفنية العامرة.
تخرج ” توأما برقو ” إذن في كلية الآداب قبيل نهاية الثمانينيات من القرن الماضي ، وكان حقهما لو لا قليل ، أن يكونا الآن أستاذين كبيرين للأدب العربي في أي من الجامعات ، لو أنهما سلكا السبيل المناسب إلى ذلك. ولكن إرادة الله سبحانه وتعالى قبل كل شئ ، شاءت أمراً آخر ، وكلٌ ميسر لما خُلق له.
وكما نفر الرجلان عن الرياضيات والعلوم البحتة منذ المرحلة الثانوية ، فقد نفرا أيضاً عن مقارفة الوظيفة الديوانية العامة ، فلم تستهوهما ، ولم يحاولا الاقتراب منها البتة ، ولا مجرد محاولة. انخرط الصديقان عوضاً عن ذلك في التجارة والأعمال الحرة ، فشرقا معها وغربا ، فهما طوراً في ليبيا وتارة في مصر ، وآناً في حمرة الشيخ ، أو في جريبان أو اللعيت جار النبي ، وآنا آخر في الروصيرص أو الدمازين. بيد أنه يبدو أنهما لم يجنيا منها فائدة تذكر.
وفي غضون ذلك ، تعرف الرجلان على أصناف شتى من البشر ، كان من أبقاهم ذكراً في نفسيهما ، لجهة ما اتسموا به من صدق المودة ، والظرف والطرافة والحس الفكاهي والعفوية ، طائفة من الأعراب الأقحاح ، والريفيين الخلص ، الذين تقاطعت دروبهم معهم بضواحي غرب أم درمان الخلوي البعيد الذي هو عالم قائم بذاته ، ولا علاقة له بأم درمان خليل فرح ، ولا بمدينة علي المك التي هي من تراب. فضاء غفل محض ، تحس فيه أنك في حيث لا حيث وعند لا عند. فلا تدري هلى أنت في شمال كردفان ، أم في نهر النيل ، أم في الولاية الشمالية ، أو بولاية الخرطوم. أعني أماكن مثل: سوق المويلح ، والشيخ أبو زيد ، وسوق قندهار ، والقليعة ، وسوق ليبيا. قال إبراهيم الدلال في قصيدة له:
وموطني هامشُ ام درمان مُنفرداً
فخل عنه ولا تسأل عن السبــــب
وحدثني الأمين يوماً ، أن الصدفة قد جمعته ذات نهار قائظ في ظل راكوبة في تلك الفجاج ، بواحد من جوقة الفنان الكبير النعام آدم ، زاعماً أنه هو نفسه الذي يرفع عقيرته مزغرداً كالنساء ، عندما يستبد به الطرب حينما يشدو النعام بمثل رائعة الشاعر خضر محمود سيد أحمد: ” مقسوم لي مقدر .. الحب والغرام مكتوب مسطر .. ياخي “. ففرح الأمين بذلك اللقاء مع عضو فرقة النعام ، أكثر من فرحه لو أنه قابل راغب علامة بدلاً عنه.
ومرة اتصلتُ على الدلال هاتفياً من خارج السودان ، فرد علي ، وكان يبدو أنه لا يسمعني جيداً ، وأحسست بأن المكان الذي كان موجوداً به ، فيه ضوضاء وضجة غير عادية ، فسألته: أين أنت يا رجل ؟ فرد علي: أنا في ال Hey Market أي ” سوق القش ” بنواحي سوق ليبيا ، فضحكنا وواصلنا حديثنا. والمعروف هو أن الهيماركت ، موضع مشهور في العاصمة البريطانية لندن ، وله ذكر في رواية الطيب صالح ذائعة الصيت ” موسم الهجرة إلى الشمال ” ، وإنما آثر الشيخ الدلال الإشارة إلى سوق القش الأمدرماني بترجمة اسمه إلى الإنجليزية تفكهاً منه ، ولبيان المفارقة المضحكة ، رغم التطابق الحرفي في مدلول الاسمين ، ولكن:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى
يزيد سُليم والأغر ابن حــاتـــم
اشتغل الرجلان في بحر التسعينيات من القرن الماضي ، وشطراً صالحاً من هذين العقدين الأولين من الألفية الجديدة ، متعاونيْن مع الهيئة الوطنية للإذاعة والتلفزيون ، في مجالات التدقيق اللغوي ، وإعداد بعض البرامج الثقافية ، وبرامج المنوعات والبحوث وغيرها ، وقد أهلهما لذلك كونهما خريجين في مجال الآداب من جامعة مرموقة ، فضلاً عن كونهما أديبين مبدعين ، ذوي معرفة واسعة ، وعلم مكين بكلا التراثين العربي الفصيح ، والسوداني الشعبي الدارج. ولكن كل ذلك لم يشفع لهما – فيما يبدو – مع صديقهما الأثير البدوي القح الملقب ب ” ود عنقر ” ، الذي ظن بحكم مخالطته لهما ، وتبسطهما معه في الحديث ، وذهابهما مذهبه في كل شئ تقريباً ، أنهما يعملان خفيرين يتعسسان ليلاً أمام بوابة التلفزيون ، يحمل كل منهما هراوة غليظة ، وينوط سكيناً بذراعه .فسألهما بكل براءة: بتشتغلوا هناك بالليل ما كدي ؟؟!!.
حيا الله صيقي العزيزين الأديبين الكبيرين ، الأستاذين الأمين كاكوم وإبراهيم الدلال ، وأبقاهما في عافية وصحة وسعادة
//////////////////////////////////