رسالة للسيد رئيس الوزراء (1): لا تفرط في المعرفة التراكمية للدولة .. بقلم: د. خالد لورد

بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف:

 

كما يعلم الكثيرون فإن المعرفة نوعين صريح وضمني. فأما المعرفة الصريحة فهى تمثل المتاح من المعرفة، كأن تشتري جهازا جديدا معه دليل ارشادي يشرح لك خطوات استخدام وتشغيل هذا الجهاز الجديد.

أما المعرفة الضمنية، فهي المعرفة الراسخة في عقلنا الباطن، الكامنة في اللاوعي لدينا، وهي التي نستخدمها في إنجاز أعمالنا الحياتية والمهنية اليومية، وهي تعتبر المعرفة الأهم.

كل الدول المتقدمه والمؤسسات الناجحة، تعرفت في وقت مبكر على أهمية
المعرفة الضمنية، و حرصت على تطويرها وتنميتها، وتوفير وسائل حديثة
لحفظها واسترجاعها عند الضرورة، كما تعمل المؤسسات على تسخيرها لمنسوبيها، خاصة القيادات والمتميزين منهم، وتجتهد في تحويل هذه المعرفة الضمنية إلى معرفة صريحة وتتيحها لبقية منسوبيها للاستفادة منها في إنجاز المهام الموكلة إليهم، وتطوير العمل بما يعود بالنفع على المؤسسة والعاملين فيها ككل.

وهكذا نجد أن المؤسسات، بل حتى الدول، لا تتأثر كثيرا بنقل مسؤول من موقع لآخر أو حتي بالاستقالة، أو بذهاب وزير أو مقدم اخر،او حتى برحيل حكومة بكاملها أو مجئ أخرى جديدة مكانها وذلك لأن المعرفه الصريحة والضمنية متوفره ومحفوظة وقابلة للاسترجاع في اي وقت.

عملية التحول الديمقراطي التي يمر بها السودان والتي تسنمتم قيادة مرحلتها الانتقالية، تشهد مناداة بعض الأصوات، وإن خفضت وتراجعت الان، بضرورة عزل وإقصاء مكونات الحكومات السابقة وكل من شارك فيها منذ مجئ الانقاذ! ونحسب أنهم يفعلون ذلك من منطلق حبهم للوطن الكبير ومن منطلق مخاوفهم من أن يعيد التاريخ أحداثه ويصبحوا ذات يوم ليجدوا أنفسهم مرة أخرى في محطة الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م.

ولكنهم، حين ينادون بذلك، لا يعلمون كم سيخسر السودان بهكذا إجراء اذا وجدت دعواتهم آذان صاغية. وليس أحداث الانتفاضة منا ببعيد. مع العلم بأن هناك اتفاق عام من كل القوى السياسية، بما فيها تلك التي كانت جزء من حكومات الإنقاذ المختلفة طوال ثلاثة عقود، بتقديم كل من يثبت فساده للقانون ليأخذ مجراه، مهما كان موقعه او حزبه. وكما أن التاريخ لن ينتهي بسقوط الإنقاذ، فكذلك فإنه لم يبدأ بالحكومة الانتقالية . فالإنقاذ وما قبلها، والحكومة الانتقالية الحالية وما يليها، لا تمثل سوى أجزاء ومراحل صغيرة من مكونات وعمر السودان المديد في مراحله المختلفة. لذا وجب الحفاظ على المعارف الصريحة والضمنية للوطن تماما مثل حرصنا على لآثار المادية لحضارات السودان المختلفة إن لم يكن أكثر منها. باعتبار أن الإرث المعرفي سابق للإرث المادي، وهو صانع له. فكيف يستقيم الحرص على المهم أكثر من الأهم.

نذكرك بصفتك رئيسا للوزراء لحكومة انتقالية مناط بها التأسيس لعملية تحول ديمقراطي، بأن البرنامج الثلاثي لحكومتك الانتقالية يجب ان يلبي الراهن ويخاطب المستقبل، بكل تحدياتهما. واقعا ذلك يجب ان يقوم هذا البرنامج بدءا على وضع خطة استراتيجية للدولة في هذه المرحلة المهمة من تاريخ الامة، وهذه بدورها يجب أن تستند على توفر المعلومات والمعارف الأساسية المطلوبة لذلك، وهذا أمر لا يقوم فقط على المعارف الصريحة التي يمكن تكون بعضها، لضعف وسائل الحفظ والاسترجاع للمعلومات بشكل عام، متوفر في أضابير الدولة، ولكنها تستند بشكل أساسي على المعارف الضمنية التي تعتلج صدور وعقول جل المسؤولين والموظفين المخلصين من أبناء الوطن في مؤسسات الدولة المختلفة، المدنية منها والنظامية على مر العقود والأزمان، والذين لا أشك لحظة في وطنيتهم وفي استعدادهم لمواصلة العطاء لأجل السودان وإنسانه.

لا شك أن هذه المعارف الصريحة والضمنية هي ملك للدولة وللشعب السوداني، ونحسب أنك ومن يليك من الوعي بمكان بما يلهمكم الاستفادة منها وتسخيرها لمصلحة الوطن والمواطن.

تمنياتي بالتوفيق والسداد وأنت تحمل رأية المسؤولية بصفتك رئيسا لوزراء السودانيين ككل، كما قلت وتفضلت بذلك، وبسودان آمن ومستقر ومتطور يسع الجميع

khldlord@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً