في خواتيم العام 2016 ومطلع هذا العام 2017 والربع الأخير منه، أصدر دار رفيقي للطباعة والنشر، ومقره في مدينة جوبا، عدداً من الإصدارات لكُتَّاب ومبدعين من شقي منطقتنا الكبيرة الواعدة – السودان والسودان الجنوبي.
تنوعت المؤلفات بين النصوص الأدبية والكُتُب السِّاسِيَّة. وأعتبر الكُتُب الأدَبِيَّة إلهامٌ ووحيٌ نزل على أنبياء ورُسُل المفردة الأدبية لإنارة عقول قطاع عريض من الجمهور المحب للأدب والشعر وتوسيع مداركهم وتهدي خطاهم إلى المعرفة والرقي في بيتنا الكبير ، وما ورائه.
إنها كتاباتٌ لا أرَ فيها سوى واحة من الإبداع بأساليب أدبية في غاية الجمال والروعة لطالما أبهرتني وشدتني نحو العوالم الأدبية الفريدة عند مطالعتها. بالإضافة إلى الكُتُبِ السِّياسِيَّة التي تسرد التاريخ السياسي للسودان الجنوبي مثل كتاب (ثورة في جبال في الاستوائية)، و(العزلة .. الوحدة .. الانفصال .. تأرجح الفكر السياسي في السودان الجنوبي) للدبلوماسي والباحث والكاتب الدكتور جون قاي يوه، ومؤلفات البروفيسور بيتر أدوك نيابا.
وبصدور تلك الصنوف من الكُتُبِ، يمكن القول الآن أن السودان الجنوبي يشهد نقلة كبيرة في مجال الأدب والإبداع والثقافة – على الرغم من أنه في طور البداية – وأصبح بلداً يؤلف ويطبع، بدلاً من أن يكون بلداً يقرأ ما يؤلفه ويطبعه الآخرون كما كان في السابق. ويسوغ أن يُقال هنا إن البلد الذي يحظى بوجود الكُتَّاب، لا بد له أن يمتلك مطابع لتطبع ما يؤلفه ويكتبه هؤلاء وأُؤلئك الكُتَّاب.
إن الدور الجميل الذي لعبه وظل يلعبه دار رفيقي للطباعة والنشر في المشاركة بجديد الإصدارات والمؤلفات في معرض القاهرة الدولي الثامن والأربعين للكتاب، والذي جرى فعالياته في الفترة من 26 يناير إلى 4 فبراير 2017م يعد دوراً كبيراً، ومعرض الخرطوم الدولي للكتاب الشهر الماضي، عمل على تحسين صورة السودان الجنوبي المشوهة في أعين العالمين، وعكس للعالم بأن في السودان الجنوبي أُناس قابضون على القلم لايصال أفكارٌ هدفها الإنارة والإبداع وترقية الذوق الثقافي في البلاد، بدلاً من القابضون على البندقية، هدفها إزهاق الأرواح وتدمير المدن والقرى وتشريد السكان. وهذه هي الصورة التي ترسخت في عقول الكثيرين حول العالم، إذ نقلت إليهم وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية أنباءً عن القتل والوحشية في السودان الجنوبي، ومعروف أن رقعة الشر تتسع أكثر وأسرع من دائرة الخير.
إن خروج المؤلفات المتنوعة من دار رفيقي في جوبا للمرة الثالثة بعد مشاركته الأولى في معرض الخرطوم والقاهرة الدولي للكتاب، أرسل رسالة مفادها أن السودان الجنوبي ليس إطلاق الرصاص، وسقوط القنابل، والموت بأبشعة الصور، والنزوح، والتشريد والمرض، والمجاعة، بل قلم وفكر وإبداع، وأن الحركة الثقافية آخذة في المضي قدماً رغم المحن والحرب الشعواء التي اجتاحت البلاد في فترة شارف أربعة أعوام. وما صاحبها من أوضاع اقتصادية سيئة، لم تنفك البلاد من بين مخالبها حتى اللحظة.
أقول للإخوة في دار رفيقي للطباعة والنشر إن ما تقومون به لن تذهب هباءً، بل سيعمل على تغيير مفاهيمي في أهل هذا البلد، وقد اشتريتُ مؤلفات من الكتابات الإبداعية مثل ديوان (سكرتير الحقول) للشاعر السوداني محجوب كَبَلُّو، و(وحي العتمة) للشاعر السوداني الشاب الطَّيب عبد السلام، و(وخز الوطن) للكاتب والشاعر أتيم سايمون مبيور وديوان (قرابين نيكانق) للشاعرة نيالاو حسن آيول إلى جانب كتب بيتر أدوك نيابا والدكتور جون قاي يوه والكاتب الروائي والشاعر بوي جون أوانق. وأقول لهم أيضاً أن ما بدأتموه هي إحدى الطرق لبناء الدولة، لأن دور النشر تؤثر في الشعب عن طريق اصدار المؤلفات ونشر المعرفة وإشعال حب الثقافة في الناس والذي بدوره يعمل على تغذيتهم معرفياً. وكلما زادت معرفة الناس، شغفوا بالعلم وإزداد وعيهم، وكلما إزداد الوعي عندهم، إزداد الرقي والعلوم والثقافة وعم التغيير في كل مناحي الحياة وذلك كفيل بجلب السلام لأن الإنسان الوعي يعرف قيمة السلام والاستقرار.
المطلوب الآن بعد صدور تلك المؤلفات وعرضها في المعارض في كل من جوبا والخرطوم والقاهرة ومن المتوقعة أيضاً عرضها في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، هو إقامة منابر لمناقشة مضمون ما كتبه هؤلاء وأُؤلئك الكُتَّاب والكيفية التي كُتِبَ بها؛ لأنني قرأتُ نصوصاً شعرية من بين تلكم المؤلفات. وهذا دور الجمعيات الأدبية والمراكز الثقافية التي تقوم بتنظيم المنابر وتدعو النُقَاد الأدبيين كمتحدثين فيها. والنقاد الأدبيون أُناس ذوو خبرة في مجال الكتابة الأدبية وأصحاب تجارب وذوي بصيرة ثاقبة وموهبة فذة وينتقدون بمنهجية أدبية علمية متخصصة يستندون فيه على أســس علمية متعارف ومتفق عليها في العالم المتحضر، وبعيدة كل البعد عن النقد الهدام واقحــام العواطـف والآراء الشخصية في أصــول ومنهجية النقد الأدبـي. وهم كذلك أُناس يستفيد منهم الكُتَّاب والشعراء في تصحيح ما يكتبون. وقد شهدنا هذا كثيراً في (صالون كوربندي الثقافي) الأسبوعي وأنشطة التدشين التي شهدتها العاصمتين جوبا والخرطوم مؤخراً. ثم تقوم وسائل الإعلام بتسليط الأضواء على الفعاليات الثقافية، وهكذا تتقدم الأمم.
إن ما قام به دار رفيقي – رغم الخسائر المادية التي تكبدها في ترحيل الكتب جواً إلى القاهرة وما واجهه من معوقات واحتجاز الكتب لمدة أسبوع تقريباً بسبب الرسوم الجمركية في مطار القاهرة الدولي – يعد عملاً جميلاً وبناء الدولة عن طريق نشر المعرفة والوعي في الداخل والخارج وبالتالي إحداث تغيير في كثيرٍ من الأشياء في واقعنا الذي يحتاج إلى تغيير مفاهيمي وسلوكي في كل الأصعدة.
إن دار رفيقي بهذا العمل يعمل كمنارة أرسلت خيوط شُّعَاعها من ضوء المعرفة لإنارة بلادنا، وتمضي أشعة ذلك النور لتخترق نوافذنا ونوافذ أُخرى في بلدان بعيدة كأشعة الشمس على العالمين عند بزوغ الفجر عند الصباح.
dengditayok88@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم