رُكْن النقاش كطقس فولكلوري .. بقلم: د. خالد محمد فرح


لازمتْ ظواهر المحاورة والمناقشة بين الناس ، مراحل الوجود البشري من حيث هو ، منذ أن ظهر الإنسان الناطق والعاقل والمفكر على وجه البسيطة ، وهداه الخالق الحكيم جلَّ وعَلا ، إلى تنظيم حياته الاجتماعية ، ابتداءاً من أبسط أشكالها ، وترقياً في درج التطور والتقدم بصورة مضطردة ، تمشياً مع تغير الظروف وتقدم الزمن.
ولما شاء سبحانه وتعالى ، أن يبعث في الأمم الأنبياء والرسل ، والفلاسفة والحكماء ، مع تقدم الحياة العقلية للبشر ، فقد ظل الناس ينتقلون من مجرد الحوار والناقش العادي والساذج ، إلى آفاق أوسع وأكثر عمقاً وتشعُّباً من الجدل والمناظرة ، القائمة على شيء من النظر الفلسفي والمنطق ، كأداة موضوعية ضابطة للحجاج والاستدلال ، بغرض إلزام الحجة للخصم المحاور ، استناداً على ما يلزم به نفسه بها هو ذاته افتراضاً ، من مقدمات يتفق عليها حكماً مع محاوره.
وقد استفاد حتى علماء العقائد في سائر الأديان السماوية بلا استثناء وبلا شك ، من أسس المحاججة المنطقية وتقنياتها وأساليبها ، في تأييد أطروحات ومقولات مذاهبهم ودياناتهم المختلفة ، والذب عنها في أوجه مناقضيها ومنتقصيها ، ومن هنا جاءت – على سبيل المثال – نشأة علم الكلام في الثقافة والتراث المعرفي الإسلامي كما هو معروف.
واحتفى العلم الإسلامي منذ القرون المتقدمة ، أيما احتفاء بالمناظرة وحلقاتها ، شاملةً جميع أبواب المعرفة ، حتى أنهم كانوا يصنفون العلماء ، ويفرقون فيما بينهم ، من حيث ملكاتهم ومواهبهم وقدراتهم في هذا الجانب. فكانوا يرون مثلاً ، أن أبا علي الجُبّائي ، وهو أحد علماء المعتزلة المشهورين ، كان بارعاً في المناظرة والجدل الشفاهي دون التأليف والكتابة ، وأنّ صنوه أبا الحسن الأشعري ، كان بارعاً في التأليف ، حتى إذا عمد إلى الجدل والمناظرة ، كان أداؤه فيهما بارداً فاترا ، أو غير مؤثِّرٍ الأثر الحسن على سامعيه ، وهلم جرا.
نخلص من ذلك إلى أنَّ ظاهرة أركان النقاش الحديثة في المجتمع السوداني ، وخصوصاً في المدن والحواضر ، لها جذورها المعرفية والأدائية القديمة.
بيد أن ظاهرة ” أركان النقاش ” التي كانت تقيمها مختلف التنظيمات والتشكيلات السياسية والفكرية داخل الجامعات والمعاهد العليا السودانية ، ابتداءاً ربما منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي فما بعدها ، والتي أدركها أبناء جيلنا وهي على أشدها ، وفي أوج توهجها وعنفوانها ، ونحن آنئذ طلاب بالجامعة ، بين أواخر السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات من القرن العشرين ، هي التي عليها مدار حديثنا في هذا المقال ، الذي نود أن نتناول من خلاله بالتعليق ، الجانب أو الشكل الفولكلوري أو الأدائي والدرامي بالتحديد لتلك الظاهرة ، التي تندرج قطعاً في سياق ما يمكن تسميته بالفلوكلور الحضري ، أو فولكلور المدينة.
والشائع هو أن أول من ابتدع ” أركان النقاش ” الحديثة في السودان ، هم الإخوان الجمهوريون تلاميذ المهندس ” محمود محمد طه ” ، وإنما أسموا تلك الحلقات أركاناً ، لأنهم كانوا يقيمونها في أركان الشوارع والطرقات بالعاصمة وبعض المدن الكبرى في السودان ، إذ كانوا آنئذٍ هم الكيان السياسي والمذهبي الوحيد ، المسموح له بمثل ذلك النشاط ، خلال النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي ، تحت ظل سلطة ” ثورة مايو “. ومن ثم انتقل ذلك النشاط من أركان الشوارع إلى أركان بعينها داخل مؤسسات التعليم العالي ، وخصوصاً جامعة الخرطوم أم الجامعات ، التي اشتهر فيها بصفة خاصة ، ركن النقاش الذي كان يقيمه الطالب بكلية العلوم سابقاً ، والدكتور حالياً ” أحمد المصطفى دالي ” ، تحت ظل دوحة عظيمة وارفة من شجر المهوقني ، تقع قبالة مبنى قاعة الامتحانات الكبرى بالجامعة ، على الحافة الشرقية للطريق الرئيسي ، أو ما يُعرف ب ” المين رود “.
كان ” ركن دالي ” كما كان يعرف بهذا الاسم في جامعة الخرطوم ، هو أحفل أركان النقاش ، وأكثرها جمهوراً ، وأشدها جذباً للمتابعين من داخل الجامعة وخارجها. وكان هو بامتياز ، النموذج الذي احتذت حذوه ، ونسجت على منواله سائر التنظيمات في إقامة أركان النقاش الخاصة بها فيما بعد. ولعلنا لا نعدو الحقيقة كثيراً إذا قلنا إن كثيراً من ” كوادر ” أركان النقاش بالتنظيمات الأخرى ، قد مرنوا على النقاش والجدل وتقنياته ، في حلقة دالي تلك ، حتى صاروا من بعد ، رواداً يشار إليهم بالبنان في هذا الصدد.
ولعل أول ملمح شكلي من ملامح ركن النقاش النموذجي ، هو أن الأصل فيه أن يكون صاحب الركن ، أي مبتدر الحديث ، و مدير النقاش ، والمتحدث الرئيسي فيه واقفاً ، وأن يكون جميع الحضور وقوفاً في شكل حلقة تحيط به ، ويكون هو بمثابة المركز ، أو القطب منها.
ويبدأ صاحب الركن عادةً ، ركنه بعرض موضوع محدد ، أو التعليق على حدث أو تطور بعينه ، سياسياً كان ، أو اقتصادياً ، أو اجتماعياً ، أو فكريا ، ويوضح وجهة نظر التنظيم الذي ينتمي إليه غالباً حياله ، مدافعاً أو معارضاً ، مع إيراد الحجج والبراهين ذات الصلة ، ومن ثم يفتح الباب أمام الحاضرين للادلاء بآرائهم ، أو طرح اسئلتهم واستفساراتهم. وبقدر ما يكون صاحب الركن مقنعاً في طرحه ، سديداً في إجاباته ، موضوعياً في تناوله ، محترماً لأشخاص محاوريه ولعقول الحاضرين ، بقدر ما يكون ناجحاً في أداء مهمته ، وخصوصاً في إنفاذ رسالته ورسالة الكيان الذي ينتمي إليه.
ولعمري فلقد كانت أركان النقاش تلك وبكل تأكيد ، ساحات علم وفكر ومعرفة وتثقيف حقيقي ، خصوصاً بالنسبة لناشئة الطلبة والطالبات ، يتعلمون من خلالها ، ما لا سبيل لهم إلى معرفته البتة من قاعات الدرس نفسها ، خصوصاً بالنسبة لإولئك الذين لا علاقة لهم بمجالات العلوم الإنسانية عموماً. ففي معرض تلك المناقشات والمجادلات والمناكفات بين ممثلي التنظيمات المختلفة ، يحصل المتتبع لتلك الأركان ، على ذخيرة واسعة جدا من المعارف عن تاريخ السودان الحديث والمعاصر بصفة خاصة ، إذ أنه غالباً ما يتجاوز الحوار ال ” أنتَ ” أي الشخص المفرد المحاور ، إلى ال ” أنتم ” أي الحزب أو التنظيم الذي ينتمي إليه الشخص المعني ، وموقفه من تلك الأحداث والتطورات. وهكذا يسمع طالب الهندسة أو الزراعة أو الطب وغيره من الطلاب بالطبع ، في تلك الأركان الكثير مما سوف يرسخ في ذهنه حتماً ، من وقائع وأحداث وجدالات ، واتهامات وردود عليها معينة من قبيل: مَنْ جاء مع جيش من كما يُشاع ، ومن أهدى سيف والده المجاهد لمن كما يُقال ، ومن هم الموقعون على سفر الولاء وماذا قالوا فيه ، ومن هم أقطاب مذكرة كرام المواطنين ، ومن رفض اتفاقية الحكم الذاتي 1953 التي أفضت إلى استقلال السودان ، وما ذا حدث في عنبر جودة وما هي أسبابه ، وما هي ملابسات تسليم السلطة للحكم العسكري الأول في عام 1958 ، ومن هم الذي شاركوا في انتخابات المجلس المركزي لسلطة 17 نوفمبر ، وثورة أكتوبر ، وأدوار الدكتور الترابي وحافظ الشيخ وربيع حسن أحمد ، وجبهة الهيئات ، وتكريس الحقوق السياسية والاقتصادية للمرأة ، ومؤتمر المائدة المستديرة ، وحادثة معهد المعلمين العالي ، وحل الحزب الشيوعي ، والقاضي صلاح حسن وبابكر عوض الله ، ومحكمة الردة لزعيم الجمهوريين ، وجماعة أبادماك ، وأحداث رقصة العجكو ، إلى إنقلاب مايو ، ولن تظل الجامعة جزيرة رجعية في محيط ثوري هادر ، وحوادث ود نوباوي ، والجزيرة أبا ، ثم انقلاب هاشم العطا في يوليو 1971 ، وثورة شعبان 1973 ، ونشاط الجبهة الوطنية ورموزها ، وفشل محاولة يوليو 1976 م وأسبابه ، والمصالحة الوطنية وملابساتها ، ومن كان عضوا في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي ، ومن كان مستشاراً ، ومن كان سادناً ؟؟ الخ الخ..
هذا ، ومن المزايا الأساسية التي ينبغ توفرها في كادر أركان النشاط ، أن يكون مطلعا على نحو واسع وعميق على أدق التفاصيل ما وسعه ذلك ، في تاريخ السودان المعاصر بصفة عامة ، وتاريخ الكيان الذي ينتمي إليه على نحو أخص ، وذا معرفة ودراية كافية بالأدوار التي اضطلع بها كيانه برموزها وتواريخها. كما عليه أن يكون مطلعا على نحو كبير في المقابل ، على تواريخ التنظيمات الأخرى المنافسة ، وخصوصاً مواضع أخطائهم وخطاياهم وسقطاتهم السياسية وغير الوطنية إن وجدت ، وسيعينه ذلك بكل تأكيد في معرض الجدل والمناظرة.
فصاحب ركن النقاش ، بطبعه وبحكم ثقافته السياسية ، يكون مهتماً جدا بالتفاصيل لأنها عدته في المصاولة ، والشيطان عنده إنما يكمن في عدم التدقيق والتفصيل ، بخلاف ما تزعم تلك المقولة المضللة ، وكأن لسان حاله يقول كما قال المعري:
فأوضِحْ إذا ما رُمتَ إفهامَ سامعٍ فإنَّ بياناً من قضاءٍ مُعجّلِ
تقولُ حُميْدٌ قالَ والمرءُ ما درَى حُميْدُ بن ثوْرٍ أم حُميْدُ بن بَحْدلِ
وبطبيعة الحال ، فإنّه ينبغي على كادر أركان النقاش ، أن يكون شخصاً ذكياً ، لماحاً ، لبقاً ، حاضر البديهة ، واسع الحيلة ، هادئ الأعصاب ، قوي الذاكرة ، مهذب العبارة ، ويتمتع بشيء من روح الدعابة أيضا.
ومما يذكر في هذا الباب ، أن ” دالي ” انتقد مرة في أحد أركانه ، تنظيماً معيناً بأنه يعمد – في اعتقاده – إلى دغدغة المشاعر والعواطف الدينية لدى الجماهير ، واستغلالها كما قال ، سعياً منه لتحقيق المكاسب المادية والسياسية ، فمثَّل لذلك برجل سوداني بسيط ، يأتي إلى السوق الشعبي بالخرطوم ، وهو يريد السفر إلى بلدته بالجزيرة مثلاً ، فيجد بصاً مكتوباً عليه عبارة من قبيل: ” سفريات العزّة الإسلامية ” قال فيقول وهو يهم بركوب ذلك البص من دون سائر البصات الأخرى: ” بسم الله .. عاد أنا الإسلام ده فايتو وين .. كان انقلب بي ومتَّ أموت شهيد !! ” ومثّل دالي المشهد كله درامياً ، فانفجر الحاضرين بالضحك.
وبما أننا بصدد الحديث عن ركن النقاش كطقس فلوكلوري ، ومظنة للأداء الدرامي بالتحديد ، فإن أركان نقاش الجمهوريين هذه بالذات ، كانت تختتم في كثير من الأحيان بما يسمونه بالإنشاد العرفاني ، حيث تؤدي مجموعة منهم فاصلاً من قصائد الشعر الصوفي لشعراء مثل عمر بن الفارض ، وعبد الغني النابلسي ، ومن السودانيين لعوض الكريم موسى وغيره.
وفي المقابل ، كان طالب الطب آنذاك ، والدكتور الآن: ” محمد محي الدين الجميعابي ” ، صاحب ركن نقاش شهير بجامعة الخرطوم ، فيه الكثير من الحكايات المثيرة ، والفلولكوريات المضحكة ، مثل قصة ” هاشم بلتون ” التي سمعناها منه أكثر من عشرين مرة ، وكان لا يمل من تكرارها ، كما سمعنا منه وعد زعيم سياسي بعينه ، لجموع الطلاب بأن يستمروا في ثورة شعبان 1973م ، وأن يُبقوا عليها حيّةً أو Keep it hot كما قال لهم ذلك الزعيم باللغة الإنجليزية ، وسيأمر أنصار حزبه بالنزول إلى الشارع دعماً لهم ، ولكنه لم يفعل. ولعل ذلك هو ما أشار إليه الشاعر الراحل ” محمد الواثق ” في قصيدته بعنوان: ” الفارس الأعزل ” في قوله:
وهُمْ أوردوا جمعَنَنا مهْلَكاً وقالوا نَزالِ ولمْ ينزلوا
ويبدو أن فكرة أركان النقاش هذه ، كمظهر من مظاهر الفولكلور الحضري كما أسلفنا ، قد انتقلت من رحاب الجامعات وعرصاتها ، شأنها في ذلك شأك كثير من الأوابد الثقافية والاجتماعية واللغوية ، إلى فضاء الشارع العريض ، خصوصاً في العاصمة المثلثة. فقد شاعت عبر العقود الأخيرة ، ظاهرة حلقات مشابهة لها ، يتحدث فيها بعض المشايخ والوعاظ والناشطين المنتمين إلى هذه الجماعة أو تلك ، وبنفس التقنيات والكيفية السائدة بأركان النقاش الحديثة بالجامعات ومؤسسات التعليم العالي الأخرى. سوى أن حلقات النقاش ” الشعبية ” هذه ، كادت تنحصر بين فئتين فقط تقريبا هما: ” الصوفيون والسلفيون ” ، ونادراً ما تتعداها إلى تنظيمات أخرى.
على أنّ هذا النمط الأخير من أركان النقاش ، يغلب عليه الطابع الوعظي والإرشادي ، والنبرة الخطابية الحماسية ، ويقل فيها الحوار والنقاش الحقيقين ، بل ربما انحرفت عن مسارها إلى شيء من الشجار و العنف اللفظي أحيانا.
هذا ، ومن اللوازم الأسلوبية المميزة التي لاحظناها على الخطباء والمتحدثين في تلك الحلقات الشعبية ، وخصوصاً من قبل المتصوفة ، إكثار الواحد منهم من قوله مناشداً الجمهور: ” صلوا على الرسول !! ” بين الفينة والأخرى. والراجح أنه يقول ذلك إما رغبةً منه في الاستجمام قليلاً واستجماع أفكاره ، وإما مخافة العين والحسد من ذوي ” العيون الحارة ” ممن عسى أن يكونوا في ذلك الجمع ، الذين قد ينفسون عليه غزارة علمه ، وحسن بيانه ، وقوة حجته ، وذرابة لسانه ، والله أعلم !!.

khaldoon90@hotmail.com

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً