زهاء حديد!! .. بقلم: عبد الغني كرم الله


رحلت كي تصمم الجنان أيضا!!
عزف على الأحجار، والحديد، والأسمنت..
.
هل حقا رحلت، من ورثت انامل يسوع، التي تصنع من الطين طيرا يغرد في الحواس؟
.
ربما، تأكدت السماء، بأن أناملها قادرة على بناء احلام التعابى والمساكين هناك؟ وبأنها ذات خيال سماوي فذ؟ فعجلت الرحيل، كي تبني عدن، والفردوس للمساكين؟ فعرجت كمعمارية هناك، تنافس قدرات الملائكة العظام؟ وتبني الخيال الروحي، في مدن الله؟ مدن السماء عدن والمأوى والنعيم ؟ تشيد هناك قصور لشعراء بلا ظل هنا، ودور لفقراء بلا امل هنا. حتى تحسبها رحلت كي تصمم جنة السماء، بخيال ملائكي إنساني، فريد.
.
هل رأيت طرحة تنزلق من رأس فتاة، من نسيم غشيم؟، وهي تتلوى كي تمسكها وتخفي حيائها من اندلاق عري كتفها؟ وعنقها؟ وجرى بالك بأن الطرحة سقف دار، والفتاة قوام دار وساقيها هي أعمدة المبنى؟ أن رأيت هذا المشهد، مجسد في مبنى صورة طبق الاصل، فأنت تعني زهاء حديد، الفنانة السومرية في قلب العصر الحديث.
.
كم تعجبني قصائد زهاء حديد، التي تسمى مجازا تصميمات، أحسها، بأناملها السومرية، والبابلية، والإنسانية، تشبه تلك الأنامل الخفية، الماهرة، في خلوة الرحم، التي تخلق انفا، وقلبا، وجبينا طيبا، للطفل، هي تحاكيها بروعة، تنحت للمبنى، أو التصميم روحا في البدء، ثم تغمرها بتفاصيل حية، حتى نحسب الطاولة موجا، والبيت قلبا ينبض بلطف الشمس، والظلال، والالتفاف الانثوي للجدران، كأنها امرأة سارحة، أو تل رمل، نحتته عبقرية الرياح، بمهل، وطرب وتحدي.
.
صاغت بيوت حجرية، كبيوت الشعر وأوزانه، تصميماتها موسيقى حجرية، يمكنك ان تقرئها السلام، سترد عليك، لا محال بسلام نبيل، في شكلها، وكتلتها، وانزلاقاتها الملساء، وارتعاش نبضها الاسمنتي المبارك، شكرا لانوثتها الخلاقة التي نفختها ونفحتها في الأجسام والتصاميم والجدران، هل رأيت جدران يتكئ، أو بيت غاف؟ أو مسجد كخد أنثى؟ أو جسر كورك حسناء؟
.
أحالت البيوت، والدور، بعبقرية عريقة، إلى “أنس بصري”، المبنى كائن حي، ليس إلا، يتقرفص على الأرض، في صبر جميل، كالأشجار حوله، مثل ناسك عملاق، في هدوء ساحر، يمور قلبه بالحب، كذا المبنى يمور قلبه بالزوار، أو الضيوف، أو الاسرة، إن كان مسرحا، أو اوبرا، أو بيت، قلب حجري، عميق الإيحاء للناظر والساكن، والعابر، وراثة لأنامل المسيح،  والأطفال، التي تنفخ الروح في كل ما تمس، وتقبض، فتحال بيوت المدينة، إلى جلسة سمر، نساء من اسمنت، ورجال من حجر، سر من رآى.
.
مثل رؤى الشعر، تخيط اوزان الحجارة، في بناء قصائد ملموسة الحشا، والجدران والوجدان، والضلوع.
.
كل شئ ممكن، في ملكوت اناملها الحجرية، البابلية في كل مكان، تنسج، عروسا للفراغ المحتشد بتماثيلها التي اصبحت بيوت، ودور، ومتاحف، مسرح أنثى، وبيت عصفور، ودار كفتاة مستلقية عند النهر، وبين ضلوعها تعيش اسرة، وحمام، ومطبخ، وصالون، ومكتبة، ويتلوى السقف كقوقعة، ليس إلا.
.
كل احجارك وحوائطك ومبانيك، خلايا بدن حي، وقوام لدن، كم تسحرني عاطفتك الحجرية، المسماة مجازا “بيوت، ودور” كم تلوت لنا، في صلاة خيالك، تصاميم حية، كأنها خرجت من رحمك، وليس عقلك وقلبك، وأناملك الذكية.
.
إن رأيت اعمالها في الواقع، فأنت ترى كائنات حية، اليفة، دافئة، توحي بالسلام والسحر، كأنها جبل، أو نهر، أو طفل، او شجرة، لانشاز، بين هذه المخلوقات الإلهية، وبين مبانيك، التي تحاكي سر الحياة، سر الحيوية، والوحدة العضوية بما حولها، وحولنا، مباني خرجت من رحم امرأة بابلبية، يمكنك ان تطلق عليها اسماء الاطفال، وتزغرد لميلادها الحجري على حضن ومهد الأرض، اينما صممت، أينما رتلت أغنية الحجارة…
.
تعرفت عليها، كما اتعرف على شاعر، أو ناسك، اقرأ تصاميمها كديوان شعر، خطوطها مثل مسار فراشة، أو فرار بخور من طفل النسيم الشقي، المشاغب، منذ سنوات اعرفها، واتابع حركة نهرها المعماري، وكيف تخرج الحجارة من رحمها السومري، البابلي، الكوني، وقد نفخت فيها روحا غريبة، روح كائن حي، قوي، متين، حجري، تحسبه كائن اسطوري، سيصحو، ويمضي في سبيله، كأنه من جن حكايات شهرزاد، حين الجزيرة حوت كبير، وحصى بلح تقتل ابن جني غير مرئي، أغلب تصميمتها فيه روح الأنوثة، روح الفتنة التي لا تمل، أي رقة القوة، والقهوة، والشعر، والموسيقى، كلها في قلب حجر، وسيخ وحديد.
.
شكرا ايتها الانامل البابلية، وبكل حب أعزي بيوتك، ودورك، فهي حية تبكيك بالدمع، والعطر، والدء، كلها.
.
زهاء حديد، أنامل تنفخ الروح في الحجارة، إن قمت صباح، ولم تجد مبانيها في حجر الأرض، فلا تعجب، فسترجع بعد حين، هي في زيارة أو صلة رحم مع مباني بابلية وسومرية، قديمة، هي كان حي، كل مبانيها، بل كائن أصيل، يصل الرحم الفكري، والتقني، والتصميم، مع كل إرث قديم، ومعاصر، وتلك هي فتنتها، فتنة زهاء حديد، التي لا تمل “مبانيها كلها”.
.
لاشك، وارثة لجد قديم، ذو مخيال، من صمم “سر من رأى”، وإضافت، وثمل من رأى، ومثل رجل بلقيس، في رمش عين، جلبت عرش بلقيس، ومخادع حسان الدولة العباسية، ومعابد الروم والفرس، إلى قلب الحاضر، في ثوب نسوي بارع الخيال المعماري، وجعلت خيط البخور الماكر، في تصميماتها، قادر على حمل جبل على راسه المرهف، تبرز قوة الرهافة في مبانيها بصورة يقينية، وتتعجب من جمال الرقة، وسحر الفتنة، وخيط بخور يحمل جبل، ومركز الثقل أين يختفي؟ مثل اغصان تحسها بلا حامل، كأنها تحلق في الهواء، كقمر، وهي تدس مركز الثقل والحمل، كما تدس المرأة سر حبها، والهوى فضاح.
..
أحسها، ربما، رحلت كي تصمم جنة السماء، بخيال ملائكي إنساني، فريد، حين ارى لهها تصميما، احس بحميمية عجيبة، شئ كالطبيعة، نحتته مثلها، كما تنحت الطبيعة جبلا، أو جذع شجرة، وتلوي اغصانها، لا تشعر الغرابة بين البيئة المحيطة والمبنى، كأنه ابنها، نحت يماثل الطبيعة حين تنحت نهد امرأة، أو بسمة طفل، أو ظلال غابة، أو سطوع قمر فضي، في ليلة طيبة النسيم، والهمس، والنجوم.
.
سحر باطني، مستتر، تبزغ منه، بلا شعور، أحلام معمارية، قوية، ولينة،  صور كثيرة، ملونة، كل صورة تمسك بيد الآخر، سهول، وجبال ومدن واجنة واجنحة وعصافير،  قبيلة من صور، سكنت العقل الباطني الموروث لزها حديد، أب عن جد،  ما رأته جدتها، وما رآه جده، وجدتها الأولى، حتى عيون حواء، وآدم “ما قبل الهبوط”، وبعده، عصارة من غرائز التذكر، انصهرت في بوتقة الذات، (قل سيروا في الأرض، فانظروا كيف بدأ الخلق)، عمارة الأرض، بما جبل فيها من ذكريات حسان، ثم تندلق كشلال إلى عقلها، ثم اناملها الماهرة، تجسيد الخيال، مزيج من أخيلة، وأحلام وتصورات، صهرت في العقل الباطني لهذه السومرية، البابلية، المعاصرة، تجلت كلها في مشروعها المعماري الخلاق.

ganikaramalla@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً