زينب المهدي وبلاسيبو النضال … بقلم: ابراهيم عثمان
13 أغسطس, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
salaby2013@yahoo.com
———————–
المتابع لمواقع التواصل الإجتماعي لن تفوته ملاحظة أن طابع النقاش والجدل السياسي فيها لا يختلف كثيراً عن أجواء أركان النقاش في الجامعات حيث المغالبات الساذجة ، وتسجيل النقاط ، والتطرف والمعارك الكلامية المحتدمة ، وحيث الرومانسيات النضالية ومن كل الأنواع ، طبعاً يفسر ذلك أن جزءاً من جمهور هذه المواقع هم في مراحل الدراسة الجامعية ، وجزء آخر ركانة قدماء مشاهير تقدمت بهم سنين العمر وأكتسبوا مهارات جديدة لكن ليوظفوها في نفس طريقة الأداء القديم ، وبين هؤلاء و أؤلئك ساسة وأبناء ساسة انغمسوا في هذا النوع من الجدل غير المنتج ، وكونوا صداقات مع نجوم المناضلين ، والنجومية في عالم النضال تُكتسب بالتطرف وحدة اللغة وعدم التحوط في توزيع الإتهامات ونهش العروض ، لذلك يجتهد كلٌ منهم أيما اجتهاد في توفير مادة ساخنة لتلبية طلب السوق النضالي ، لا يهم إن ثبتت أعطاب المادة وثغراتها وتناقضها مع مواد أخرى أو ثبت عدم صحتها من الأساس ، إذ ليس ثمة من يراجع أو يقارن أو يطالب باحترام العقول ، المهم هو توفر مادة نضالية مستمرة تشغل اللحظة وتملأ يوم العمل النضالي .
في ظل هذه الأجواء لا مجال لحديث المفاوضات والحوار والتسوية ، وبما أن السياسة هي فن الممكن ، فإن الأداء السياسي للقوى السياسية التي يناصرها متطرفو الأسافير لا ينسجم دائماً مع رغباتهم وتطلعاتهم ، مما يوقع هذه القوى في حرجٍ كبير معهم ، فهي كانت تسعد بتطرفهم وترعاه وتستثمر فيه ، ولكن حين تحين لحظة الحقيقة وتمارس السياسة ، فإنها ستكون أمام معضلة تبرير هذه الممارسة لهم ، ولذلك فإنها تحتاج إلى جهود النوع الثالث من رواد مواقع التواصل وهم الساسة و أبناء الساسة ، وعلى هؤلاء تقع مهمة تجسير الفجوة بين رومانسيات النضال وبين الواقعية السياسية ، لأن سقف النضال كان عالياً بما لا يحتمل مجرد التفكير في التفاوض والحوار ، ولذلك فهم مجبرون على تبرير مبدأ الحوار ، وتوضيح كيف أنه ليس تهاوناً ولا تراجعاً ولا استسلاما ، ولا حتى تخفيضاً لسقفهم العالي الحالم ، بل هو مجرد تنويعة على ذات اللحن القديم ، ولتحقيق ذلك فإنهم يدبجون المقالات ويكثرون من نشر البوستات التي تحاول أن تقنع جمهورهم بأن الحوار والتفاوض لا يعني المضمون الحرفي لهذه الكلمات ، بل هو نقل للمعركة بكل أدواتها ووسائلها وغاياتها وأهدافها النهائية إلى قاعات الحوار ، وأنهم لم يستسلموا لمنطق التسوية بل هم بصدد معركة التصفية واستسلام الطرف الآخر ، وهذا في حقيقة الأمر هروب إلى الأمام وتأجيل لمواجهة مع جمهورهم النضالي بحقيقة الأمر ، فالمؤكد أن النتيجة النهائية لأي تفاوض وحوار بين طرفين لن تكون استسلاماً كاملاً لأي طرف ، بل تنازلات متبادلة تحدد حجمها وطبيعتها طبيعة الإشكالات الحقيقية القائمة ، وقوة منطق كل طرف ، وحجم جماهيريته ، إضافة إلى القوة الصلبة على الأرض … الخ . ولأن هؤلاء تعودوا على تحميل غيرهم فواتير مواقفهم وأخطائهم ، فإنهم حينما ينتهي الحوار والتفاوض وبالتأكيد لن يكون كما يصورونه ، سيلجأون إلى سلاحهم الأثير ، وهو سلاح تخدير جمهورهم بأننا ناضلنا في قاعات التفاوض وقاتلنا ووقعنا اتفاق الإستسلام الكامل للنظام ، ولكن كما ترون فإن النظام كعادته أخل بالإتفاق ومارس التسويف والتف على ما اتفقنا عليه ! طبعاً لن يجدوا في أوراق الإتفاق ونصوصه الحرفية ما ينصر وجهة نظرهم هذه ، ولذلك سيلجأون إلى التأويلات المتعسفة التي تلوي عنق النصوص لتقوِّلها أكثر مما تقول . وبهذا الأداء يظنون أنهم يحافظون على أنصارهم من جمهور الفسباكة والوتسابة المتطرف الرافض من الأساس لأي تسوية ، الأمر في حقيقته لا يعدو مجرد التخدير ، وحبوب بلاسيبو سياسية مهما كان تأثيرها، فإن اشتغالها وأثرها لن يتعدى الأثر النفسي لدى المناضلين ، فواقع الحوار في القاعات ستحدده الحقائق الصلبة لا التمنيات الحالمة ، و هذا غش للرعية النضالية بإشغالهم بزخم نضالي مزيف عن التفكيك والإزالة والمحو في هذه المرحلة ، وعن النكوص عن الإتفاقات في مرحلة قادمة ، بينما الحقيقة هي أن منطق الواقع هو الذي ساد ، وأن الحقيقة ستعبر عن نفسها عارية صلبة تتحدى كل محاولات التلبيس والتزييف التي تم حقن عقول المناضلين بها ، فالمسافة الحقيقية التي تتحرك فيها دعاوي النكوص ، هي في الحقيقة المسافة بين السقف العالي غير الواقعي الذي حاول بعض الساسة تسويقه لدى جمهورهم ، وبين حقيقة الأمور كما تكون دائماً في أي حل تسووي ، أكثر من أنها بين ما تم الإتفاق عليه وما سيجري تنفيذه على أرض الواقع .
في هذا الإطار أتى مقال السيدة زينب المهدي الذي تم تداوله على نطاق واسع في الأسافير ، وهو محاولة لحقن المناضلين المتطرفين بجرعة مخدر يهدئ من روعهم ، ويزيل مخاوفهم من أن ينجح الحوار في أن يكون حواراً ، في محاولة لتشغيل أثر البلاسيبو ( Placebo Effect )، )وهو العلاج بالوهم بدواء غير فعال ولا يحتوي أي عناصر علاجية ) ، فالسيدة زينب لم تقدم حقائق صلبة عن مظاهر استسلام النظام وقبوله للتصفية الشاملة ، ولم تعدد عوامل القوة التي تملكها التي تجعلها تجزم بأن الحوار سيكون مفاوضات تسليم وتسلم .وبمنطق أركان النقاش وروحها ( ومكاوياتها) تتهم الحكومة بأنها صورت توقيع المعارضة بأنه انكسار للمعارضة ولم تقدم أي دليل على ذلك ، الصحيح أن الحكومة رحبت بالتوقيع وثمنته وعدته خطوة صحيحة وشجاعة في الإتجاه الصحيح ، ولو صحّ ما تقوله السيدة زينب أنهم بصدد توقيع اتفاق تفكيك النظام ، لما جاز أصلاً للحكومة أن تصور توقيع المعارضة على اتفاق تفكيك النظام بأنه انكسار للمعارضة ، ولو أن هناك مجرد احتمال ضعيف بأن نتيجة الحوار هي استسلام النظام ، لكان المتوقع أن تطمئن السيدة زينب جمهورها بأن الحكومة خائفة ومرتعشة وغاضبة من التوقيع لا العكس .
تقول السيدة زينب في ردها على سؤال جدية النظام ( إذن لا عيب في الجلوس.. العيب في النكوص. ولا ضرر من التفاوض.. الضرر من التهاون. ) ، وهذا في رأيي المتواضع ليس سوى تلاعب بالكلمات ولا يتسق من الأصل مع منطق المغالبة والتفكيك الذي تتحدث عنه ، فالجلوس والتفاوض ينتميان إلى سلالة دلالية تختلف تماماً مع روح مقالها ، والنكوص لا يتم إلا بناكصٍ ، ولا يمتلك رفاهية النكوص إلا من خرج من الإتفاق وهو موجود وذو قدرة كمان ، فمن الذي سينكص إذا كان النظام قد زال وتم تفكيكه ؟
ابراهيم عثمان
salaby2013@yahoo.com