سعادة الجنرال: أين يمضي قطار السلام ..؟! .. بقلم: شوكير ياد

يُقال في الأدبيات السياسية بأن هناك عدة أسباب للتحلل والحرب في الدولة، على رأسها حب السُلطة ، والنظر الى مصالح الشعب من جانب القائمين بالسُلطة نظرة نفعية لتحقيق مصالحهم ، وعدم مراعاة العدالة والمصلحة العامة، مع التأكيد على روح العصبية والتحزب، والتحلل من العهود مع عدم الثقة بالآخرين والإعتماد على الذات في تحقيق الأمن حتى وإن كان على حساب الآخرين (إنتهى).
وإذا تمعنا في ثنايا ذلك الكلام، سنجد أن الأمر ينسحب تماماً على حالة البلاد والتي وصلت الى مستويات كارثية في الآونة الأخيرة.
فالأنانية السياسية التي اتبعها قادة البلاد هي ما أوصلت الدولة الجنوبسودانية الى ذلك النفق المُظلم. فقد فصل (حركنجية الزمان) ما بين الأخلاق والسياسة وذلك لتحقيق مآربهم الذاتية في إطار التحلل القيمي وسيادة روح الفردية والتي أضحت سمة هذا الزمان، وإنتهاز الفرص للعمل بها، للوصول لأهداف سياسية.
ونتيجة لهذا النهج العقيم، نشأت مؤسسات هشة ليس لها استراتيجية واضحة تحقق من خلالها أهداف تصنعها لمصلحة الشعب والدولة. بل وذهبت تلك المؤسسات الى أبعد من ذلك وهو استغلال كافة الموارد المتاحة في الدولة في التجربة لفترات زمنية طويلة حتى استنفدت كل الموارد المالية والبشرية.
بصرف النظر عن التحولات السياسية التي أعقبت أحداث يوليو الماضي والتي أفضت الى صعود نجم الجنرال تعبان دينق قاي، رئيس وفد التفاوض للمعارضة المسلحة، ووزير المعادن السابق، وتقلده كرسي النائب الأول لرئيس الجمهورية، كان الجميع يتوقع أن تحدث إنفراجة داخلية في مجمل الأوضاع التي تأثرت بحرب الفرقاء، سواء كان على المستوى الإقتصادي،او السياسي، او الإجتماعي،الا أن ذلك التفاؤل الحذر أصطدم بحقيقة الممارسة الفعلية للنائب الأول في أدارته لتلك الملفات على أرض الواقع، في ظل قيادة الجنرال تعبان دينق قاي كشريك في إتفاقية حل النزاع خلفاً لسلفه مشار.وتتضح تلك الحقيقة الماثلة، والتي تتمثل في عدم توفيقه في إيجاد حلول جذرية للأبعاد الثلاثة،الإقتصادية،السياسية، الإجتماعية، لتتناغم فيما بينها ،بحيث يحس المواطن بأن هناك تغييرات قد طرأت في مسار الإتفاقية تعزز من طموحاته في العيش الكريم.
ولتوضيح هذه النقطة (عدم التوفيق) بطريقة موضوعية،سيتم شرح او “تحليل” هذه الأبعاد الثلاثة على النحو الأتي :
البعد الاقتصادي: بعد أن دخلت البلاد في أزمة طاحنة غير مُبررة، راح ضحيتها المواطن البسيط دون أن تتدخل الحكومة لمعالجة الأمر.والذي على ضوءها ارتفعت أسعار السلع الغذائية في الأسواق بصورة غير منطقية إكتوى بنارها آلاف المواطنين .بالإضافة الى الزيادة المُضطردة في سعر صرف الدولار في السوق الموازي والذي نتج عنه أزمات كبيرة للجاليات الجنوبسودانية المُقيمين بدول الجوار.
فالأزمة الإقتصادية الحالية التي تمر بها البلاد ، لم تستطع حكومة الوحدة الوطنية ايجاد حلول جذرية لها ، حتى ولو كانت حلول اسعافية. واذا ما رجعنا لإتفاقية التسوية السلمية سنجد انها وضعت حلول جذرية لتلك المشكلة الإقتصادية التي تعاني منها البلاد، ما يطرح سؤالاً هاماً ، حول السياق الذي تتم فيه معالجة المشكلة الإقتصادية الحالية والتي يبدو انها تُحل خارج إطار الإتفاقية ؛ لأن المؤسسات التي ساهمت في تفاقُم تلك الأزمات الإقتصادية تتبع لأجهزة الدولة. فإذا ما طرحنا تلك التساؤلات والتي تُفضي الى إجابات منطقية تقود الى تلك الحقيقة…أين الإصلاحات التي تمت في وزارة المالية..؟! ولماذا لم يتم تغيير طاقم البنك المركزي وإجراء الإصلاحات في منظومته ، بحسب الإتفاقية..؟! ولماذا لم يتم البدء في اعادة تشغيل حقول النفط التي تأثرت بالحرب الى الآن..؟! ولماذا أخفقت الحكومة في ضبط إيقاع مثل تلك المؤسسات الهامة الى هذه اللحظة…؟!!! فقطعاً الإجابة عن ذلك السؤال يكمُن في مكان ما، حيث يقبع السلام الحالي.
البعد الاجتماعي: فقد ساهمت حكومة الوحدة الوطنية في زيادة هوة الشرخ الاجتماعي بصورة غريبة بعد الأحداث الكارثية التي احلت بالبلاد في يوليو الماضي. وذلك من خلال خطاباتها الحادة في وسائل الإعلام المختلفة حيال الأزمة وتصنيف كل من يخالفها في التوجهات والرأي بأنه يتبع للمعسكر الفلاني. فنتج عن ذلك ممارسة عمليات الإقصاء لمجموعات إثنية كبيرة في شتى المجالات في الدولة وفقاً لتلك التصنيفات العجيبة. ويلاحظ على ضوء ذلك تنامي خطاب الكراهية بصورتها الحالية والتي يصعب معها إيجاد مبررات موضوعية لها. فقد انتشرت “الفضيحة” في وسائل الاعلام العالمية بدرجةٍ عقدت من إحتوائها في الداخل. تلك الممارسات الشاذة ساهمت بشكل كبير في زيادة هوة الكره بين مكونات النسيج الوطني الاجتماعي. ويلام على حكومة الوحدة الوطنية،؛ والذي كان بمقدورها أن تنأى بقضيتها بعيداً،بدلاً عن تلبيسها هذا الطابع الإثني الغريب، بالتمترس خلف ستار القبيلة. لأن القضية بالأساس، قضية سياسية تتمحور حول من سيحكم البلاد..؟؟!،وليس من من القبائل يجب أن تقود البلاد.
البعد السياسي: والذي يفترض أن يمثل رُمانة الحل للبعدين السابقين لم يسلم من ذلك الداء الذي لحق بهما. فحتى الآن لا توجد رؤية واضحة ، حول الطريقة التي يمكن الخروج بها من الأزمة الحالية . فما نراه حالياً حكومة وحدة وطنية، شبه مشلولة في ظل وجود حقائب وزارية شاغرة . وعجز تام عن القيام بالواجبات الحقيقية تجاه المواطن،وعدم القدرة على السيطرة على التفلتات الأمنية التي تحدث بطرق البلاد المختلفة، والتي أدت الى عزل العاصمة من بعض الولايات. ناهيك عن التمردات الجديدة التي صاحبت تلك التحولات السياسية بدلاً عن تقليل حجم انتشارها بالطرق السياسية.
وإذا كانت المُحصلة النهائية من ذلك “المسح” البسيط تساوي صفراً، فكيف يُقال بأن السلام الذي يمضي حالياً في ظل قيادة النائب الأول الحالي بأنه يسير في الإتجاه الصحيح، في ظل الإنتقائية التي تمارسها في إدارة ملفات اتفاقية حل النزاع. فكيف يقال بأن هناك مصالحة وطنية تتم في ظل تنامي خطاب الكراهية في أوساط المجتمعات المحلية..؟! وعدم تنفيذ بند أساسي في اتفاقية التسوية السملية وهو بند العدالة الإنتقالية والذي يسبق المصالحة الوطنية. ولماذا لم يفلح النائب الأول حتى الآن في إستقطاب المجتمعات الموجودة في معسكرات الإيواء بمقرات الأمم المتحدة..؟! بدلاً من التحجج بأسباب واهية، بأن من قام بتحريضهم على عدم الخروج من تلك المخيمات هو النائب الأول السابق.وكيف يقال بأن الناس على وئام وأمان والمعارضة تهاجم المدنيين بولاية ليج الشمالية بالأمس القريب. فلا يستقيم عقلاً أن تستخدم الفعاليات والتجمعات الرياضية لتحقيق أهداف سياسية، طالما ان هناك قنوات رئيسية يمكن بها تحقيق تلك الأهداف مثل إنجاز وتنفيذ تلك الملفات الهامة والمُستعجلة على أرض الواقع. فالرياضة جسر للتواصل بين كل مكنونات الوطن الواحد، تحت لواءه تلتقي كل الوان الطيف الجنوبي بكل إنتماءآته السياسية وغير السياسية.وما يمكن قراءته ما بين السطور،يتمثل في إستغلال هذه التجمعات الرياضية والإجتماعية والدينية،وزيارة الكنائس لتحقيق مكاسب سياسية مؤقتة، دون أن تكون هناك برامج أعمال حقيقية في الواقع المعاش . فالمنابر الحقيقية توجد حيث يتواجد أصحاب المعاناة الحقيقيين في كل مقرات الأمم المتحدة بدون إستثناء، او الاستجابة لإحتياجات المواطن الذي أنهكته الظروف الاقتصادية من خلال إجراء إصلاحات إقتصادية ملموسة تنعكس على ظروفه المعيشية، او إعادة الأمن والإستقرارالسياسي والقضاء على ظاهرة النهب والقتل العشوائي الممنهج في مداخل ومخارج جوبا الرئيسية. أو تجريم ظاهرة خطاب الكراهية والذي أصبح الطاعون الجديد والذي يهدد بإنهيار الدولة بأكملها. فالبرنامج السياسي الذي يتحقق فيه مطالب الشعب،هو البرنامج الذي يرتقِ لأن يلقى الإجماع والدعم الشعبي، بعيداً عن التسويف السياسي الذي يمضي فيه السلام حالياً. فالتجمعات الرياضية والكنائس هي اماكن للترفيه عن النفس والعبادة، وليست أماكن لممارسة السياسة بضروبها وشعاراتها السياسية ذات الطابع الإستهلاكي. فأرجو أن تحترموا رغبات الشعب الذي نأى بعيداً بعد فقدانه الأمل في ساسة الزمان. “فحلوا” عنهم ولا تضايقوهم في اماكن عباداتهم وأماكن ترفيههم. فما الفرق إذن ما بين السلف والخلف إذا كانت الممارسات نفسها هي التي تسيطر على الواقع السياسي الراهن. فهل تطالب من الجمهور أو اللاعبين الذين كانوا في الإستاد بأن يذهبوا الى مناطق تجميع الجنود، أم هي رسالة توجهها من خلال تلك الفعالية الرياضية الى الذين يتواجدون في الغابات..؟! فما علاقة هؤلاء اللاعبون الأبرياء بتمردات “واو” و”توريت”..؟!
فقد خلقت تلك الوضعية الغريبة في طريقة تنفيذ السلام الحالي في حقيقة الأمر، نوعاً من (الاغتراب) في الدولة ما بين السلام الحقيقي الذي ينشده المواطن، والسلام الذي يصر عليه ذلك التيار الجديد. فالسلام الشامل هو الذي يؤكد على وحدة الشعب، وأولوية تأمين المصالح والقيم البشرية على المصالح الطبقية. وفتح صفحة جديدة من التعايش والتكامل بدلاً من التنافس والتصارع. لذلك ينبغي للقوى السياسية الجنوبية ان تدرك أهمية ابعاد المواقف السياسية بعيداً عن التعصب الايديولوجي الذي يقود في نهاية الامر الى تغليب المصلحة الذاتية على المصلحة العامة، لإرساء السلام والاستقرار بالبلاد؛ لأن السلام لا يمكن تجزئته وفقاً للمصلحة الخاصة. وقد جاء الوقت لنتساءل ، الى أين يمضي هذا السلام يا سعادة الجنرال المنقذ…؟!
نعم ثمرة السلام هي المحبة والإستقرار وحماية أرواح وممتلكات المواطنين كما تفضلت به، ولكن كيف السبيل الى ذلك يا سيدي الجنرال.

ky05062015@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً