سيأتيك الموت وتبتسم له عيناك… تذكارية لعبد الرحيم أبو ذكري

hishamissa.issa50@gmail.com
بقلم: هشام الحلو
لم يكن عبد الرحيم أبو ذكري مجرد شاعرٍ مرّ على خارطة الأدب السوداني، بل كان “شهاباً” اختار أن يحرق نفسه ليضيء عتمة القصيدة، ثم انطفأ في صمتٍ مروع يليق بتراجيديات الإغريق؛ فهو الشاعر الذي قرأنا في عيونه بريق المعرفة، وفي نهايته مرارة الاغتراب، ليصدق فيه قول الشاعر الإيطالي تشيزاري بافيزي القديم: “سيأتيك الموت وتبتسم له عيناك”.
بدأت الحكاية من قلب السودان، حيث تشرب أبو ذكري لغة الأرض، لكن طموحه المعرفي قاده إلى الاتحاد السوفيتي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهناك في معهد “غوركي” للآداب بموسكو، لم يكن طالباً عادياً بل كان جسراً ثقافياً يمشي على قدمين، حيث استوعب الأدب الروسي بعمق مذهل، وترجم روائع بوشكين وليرمنتوف حتى حصل على الدكتوراه في فقه اللغة. بيد أن “موسكو” التي منحت أبا ذكري العلم، وهبته أيضاً ذلك “الحزن الروسي” الشفيف الذي امتزج بشجن الغربة السودانية، ليخلق كائناً يعيش في منطقة برزخية بين عالمين.
ويُعتبر أبو ذكري أحد أعمدة “جيل الستينيات”، ذلك الجيل الذي نقل القصيدة السودانية من كلاسيكيتها إلى آفاق الحداثة والرمزية العميقة؛ فلم تكن قصيدته مجرد رصف للكلمات، بل كانت تشريحاً للذات الإنسانية من خلال مساهمته في ترسيخ قصيدة التفعيلة بلغة رصينة ومفردات منتقاة بعناية جراح، وإدخاله تساؤلات الوجود والعدم إلى النص السوداني متأثراً بالمدارس الوجودية والروسية، ليبقى ديوانه الوحيد “الرحيل في الليل” مرجعاً خالداً لكل باحث عن “شعرية الألم” الصادقة.
وفي عام 1989، وفي لحظة ذهول لم يستوعبها الوسط الثقافي حتى يومنا هذا، قرر عبد الرحيم أبو ذكري أن يضع نقطة النهاية لمجموعته الشعرية الكبرى، لا بالحبر بل بـ “الجسد”، حيث ألقى بنفسه من نافذة أكاديمية العلوم بموسكو تاركاً وراءه تساؤلات لا تنتهي؛ فهل كان انتحاره “احتجاجاً” على واقع سياسي مأزوم في بلاده؟ أم كان “استسلاماً” لبرد الغربة الذي نخر في عظامه؟ الحقيقة أن أبو ذكري مات كما عاش: نبيلاً، متوحداً، ومثقلاً بوعيٍّ فاق قدرة جسده على الاحتمال، فكان انتحاره هو القصيدة الأخيرة التي كتبها بدمه ليثبت أن الشاعر الحقيقي لا يساوم على حريته حتى لو كان الثمن هو العدم.
لقد رحل عبد الرحيم أبو ذكري وبقيت قصائده شاهدة على عبقرية لم تنل حظها من الاحتفاء الكافي في حياته، ورحل وبقي صدى صوته يتردد في طرقات موسكو وأزقة الخرطوم، يذكرنا بأن الشعر هو “الابتسامة” التي نواجه بها الموت حين يطرق أبوابنا.

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

إطلالة على عالم السينما السودانية

بقلم: هشام الحلوالحديث عن السينما السودانية ليس مجرد استعراض لشريط سينمائي، بل هو غوص في …