محمد صالح محمد
في ليالي العُمر التي تتشابه كحبات الرمل، حين يغلف السكونُ كل شيء، وتغيبُ النجومُ خجلاً من حضورك، أقفُ مذهولًا أمام حقيقةٍ لا أصدقها.
كيف لامرأةٍ أن تكون بهذا الضياء؟ كيف للقدر أن يجودَ بقطعةٍ من السماء، ينزلها إليَّ لتسكنَ قلبي، وتغفو على ضفافِ روحي؟
يا زولة…
صدقيني لم أكن أعلم قبل اليوم أنَّ للقمرِ جسدًا، ولا أنَّ للمجراتِ روحًا تشبه روحك. طول عمري كنتُ أظنُّ الأقمارَ بعيدةً، باردةً، تسكن في العالي فقط، لا تلمسُ الأرضَ ولا تعرفُ معنى الحنين.
لكنني حين رأيتك، سقطت كلُّ نظرياتي، وتداعت أمامي حواجزُ المنطق. فجأةً وجدتُ أمامي قمرًا يمشي على قدمين، قمرًا له ملامحُ البشر، ودفءُ البشر، ونبضٌ يغني للحياة.
أقف أمامك، وأنا أشعرُ بدمعةٍ تترقرقُ في مآقي الروح، ليس حزنًا، بل لأن الجمالَ إذا زادَ عن حدِّهِ صارَ ألمًا، والوجدَ إذا بلغَ منتهاه صارَ بكاءً. كيف ألمُّ شتاتي وأنتِ معي؟ كيف أتنفسُ الهواءَ وهو يمرُّ عبرَ عطرِكِ ليحرقَ رئتي بشوقٍ لا ينتهي؟
يا مَن جعلتِ قلبي يطيرُ في سماءِ الغرامِ بلا أجنحة، يا مَن جعلتِ الصمتَ بيننا حديثًا طويلًا لا ينتهي، أرجوكِ… لا تغيبي. ففي غيابكِ، يصبحُ العالمُ كئيبًا، وتصيرُ الشوارعُ موحشةً، ويصبحُ القمر الحقيقي في السماءِ باهتًا، لا يغني ولا يسقي الظمآن.
أنا لا أقولُ لكِ إنني أحبكِ فقط، فالحبُّ كلمةٌ ضيقةٌ على اتساعِ ما أشعرُ به. أنا أتحدثُ عن حنينٍ يسري في عروقي كمجرى النهر، وعن عشقٍ يلتفُّ حولَ أنفاسي كوشاحٍ من حرير.
أنا أمام”زولة” سرقتِ مني عقلي، وجعلتِني أرى الكون كله في بريقِ عينيكِ، وأرى الأمانَ في خصلاتِ شعركِ التي تداعبُ وجهَ الريح.
يا قمرًا من لحمٍ ودم… كوني معي ففي حضرةِ حضوركِ، أستعيدُ صباي، وأبكي مثل طفلٍ وجدَ أخيرًا حضنًا يأويه، ووطنًا يسميهِ “داره”.
أدركُ أنني لم أكتب عنكِ، بل كتبتُ عما فعلتِه بقلبي حين مررتِ به كالنسمةِ في عز الهجير. سأظلُّ ممتنًا لتلك اللحظة التي منحتني فيها الحياةُ حقَّ النظرِ إلى قمرٍ يعيشُ بيننا، قمرٍ له صوتٌ يزيلُ وحشةَ السنين، وقلبٌ هو ألطفُ أوطاني.
سأحفظُ صورتكِ في ذاكرتي كأغلى أمانة، وسأبقى أراقبُ حضوركِ بقلبٍ يرتجفُ دائمًا.. ليس خوفًا، بل لأنه، ولأولِ مرة، لم يعد يخشى شيئًا، ما دمتِ أنتِ في هذا العالم.
binsalihandpartners@gmail.com
