سَودنةُ الخطِّ الناقِل للنفط 100% .. بقلم: شاذلي جعفر شقَّاق

Jou_shagag@hotmail.com
طولُه (1600) كلم وقُطْرُه 28 بوصة يمتدُّ من حقول النفط بـ هجليج مروراً بمِصْفاتَيْ التكرير (الأبيِّض) و (الخرطوم) إلى ميناء بشائر ببورتسودان حيث التصدير .. تتخلَّله في مسيرته هذه ستُّ محطَّاتٍ لضخِّ الخام .. تقوم على تأمينه طوَّافات لا تَني مُحرِّكاتُها عن الأزيز آناء الليل وأطراف النهار  ، كما تعمل على تشغيله وصيانته أيادٍ تكاتفتْ وتواثقتْ على استخراج خيرات هذه الأرض البِكْر منذ يوليو 1997م مكوِّنةً اتحاد شركة النيل الكُبرى لعمليَّات البترول .
أيادٍ سمراء كصلصال النيل ، يُربِّت على كتف مَسعاها (ود تكتوك) 🙁 إيد البدري قومي بدري  ..)تنطلق عضلاتُها المفتولة من مضمار المثل السوداني : (العين خوَّافة والضُّراع أعمى ) !ما اعْتَمَر غُدُوُّها الخوذات أو ألقى رواحُها أحذية السلامة و(الكفرولات) ، أو سرى ليلُها على متن الضامرات ؛ إلاَّ وتذوَّدتْ بلذة الإباء والتفاني الوطني : ( خدمة يمين وعرَق جبين ) !
أيادٍ بيضاء وأزنُد قصيرة إلاَّ أنها طويلة طول نفَس (ماوْ تسي تونغ) القائل : (إنَّ الأسباب الخارجيه هي عامل التبديل, و الأسباب الباطنيه هي أساس التبدُّل , وإنَّ الأسباب الخارجية تفعل فعلها عن طريق الأسباب الباطنية !) .. أيادٍ تلوِّح بنهضة (مهاتير محمَّد ) القائل : (لمَّا كانت الكارثة الإقتصادية تسقط النمور الأسيوية واحداً تلو الآخر كان نساء ماليزيا يمشين بل يهرولن إلى بنوك ماليزيا واضعاتٍ ذهبهنَّ و مصوغاتهنَّ فيها لإنقاذ البلاد ،إنه حب الوطن الذي تعلموه في مدارس ماليزيا !!) .. أيادٍ منقوشةٌ عليها حكمة غاندي القائل 🙁 يكمن المجد في محاولة الشخص الوصول إلى هدف وليس عند الوصول إليه !!)
هذا الخليط من الجهود والخبرات والأنفاس والعرَق يجعلكَ تُدخل سبَّابتيْكَ في أذنيْكَ ، لا خشيةً من تفجير عذرية الأرض الفتيَّة وانبجاس نَهديْها كما يُبدع الراحل سيد أحمد الحاردلّو  : ( شايلين تَخا ورخا  شايلين بنات وبنين )، إنما تُخلهما في أذنيك طرباً وأنت تجوس بين وِهادها ونِجادها ، تنشقُ (النشوق  و الدَّمَر ) ..يتشبَّث بـ (كفرولك) السماوي الحسكنيت والرَّبْعة والسُّطّيح  وتُراودك أغصانُ (الطلح) و(أبو ليلة ) عن نفسكَ وأنت تُطلق عقيرتَكَ للدوبيت :
يــا (مــاوْ) جانـــا صـاحْباً لي رفيقو مرفِّقْ
ويــا (غـاندي) الأمـل بعد اليبــاس بِيَبتِّقْ
ويــا نهضـة (مهـاتير) ليــك نغنِّي نصفِّقْ
حصد سودانـا خييير بتـرول يسيل وبدفِّقْ !
وبالعودة على ذي بدء ، كما أسلفنا فإنَّ شركة النيل الكُبرى لعمليات البترول كانت نتاجاً لشراكةٍ بين أربع شركات 🙁 الوطنية الصينيَّة وحصتها أربعون في المائة ..بتروناس الماليزية وحصتها ثلاثون في المائة .. تالسمان الكندية وحصتها خمسة وعشرون في المائة والتي آلتْ حصتها لاحقاً – بقُدرة قادر – إلى الشركة الهندية .. شركة سودابت السودانية وحصتها خمسة في المائة ).ولكنَّ المهم أنَّ هذا الخط ظلَّ يعمل خمسة عشر عاماً منذ بداية الانتاج الفعلي للشركة في مايو 1999 بكُلِّ كفاءةٍ وحنكةٍ ودُربة رُغم أنَّه أطول خطٍّ ناقلٍ للنفط في إفريقيا كلَّها ،الأمر الذي جعل الشركة تحتفل بهذه المناسبة السبت الماضي بمصفاة الخرطوم (الجيلي) بالتزامن مع مناسبة أُخرى هي موضوع هذا المقال !
أسوق هذه المقدمة الطويلة طولَ الخط نفسه ،متجاوزاً محطَّات ضخ الكلام ومُنفلتاً من غرفة تحكُّم ومعالجة الاختصار ومراوغاً محطَّة القياس على طريقة (الدوش) : (كبرت كُراعي من الفرح نُص في الأرض ..نُص في النعال ) ! إذْ طالعتنا صحافة الأحد الماضي 7/9/2014م بخبر يقول بأيلولة الخط الناقل للنفط من هجليج إلى بورتسوان إلى الحكومة السودانية مائة بالمائة ، بعدأن أوفى السودان بسائر التزاماته المالية تجاه شركاءه والبالغة مليار ومائتي مليون دولار  فأصبح بذلك الخط خالصاً للوطن اعتباراً من الأول من سبتمبر الجاري كما قال وزير النفط المهندس مكاوي محمد عوض في كلمته بمصفاة الخرطوم السبت الماضي 6/9/2014م احتفالاً بهذه المناسبة  ! هذا وقد كلَّفتْ وزارة النفط شركة (بترولاينز) السودانية بتشغيل الخط ،إذن حُقَّ للعلم السوداني أن يرفرف وحده بلا شركاء على مفارق المحطَّات والمصافي والفيافي على امتداد الــ 1600 كلم ! أولى الملاحظات هي تحجيم الاحتفالية والصخب المعهود (نفطياً) في السابق ، تُرى هل يرجع ذلك لضعف قنوات الإعلام للقائمين على الأمر ؟ أم كان ذلك رؤيةً جديدةً للوزارة مع سبق الإصرار و الترصُّد لشئ في نفس يعقوب المرحلة ؟ أم ماذا ؟ ولكن غضَّ النظر عن ذلك فالحدث جدير بالحديث !
أوليس في ذلك مُدعاة للفرح  (الدُّوشي) ،رغم تأخر وتلكُّؤ هذه الأيلولة الوطنية سنين عددا عن الخروج من أضابير الوزارة ودهاليز الشركاء ؟ أقول هذا وفي الذاكرة مانشيت أحمر في ديسمبر عام 2010 م أي في سودان ما قبل الانفصال ، يقول : (وزير النفط لوال أشويل يعفي الخبير العالمي في مجال البترول خضر عيساوي من منصبه ) ..وما سبب إعفاء عيساوي من منصبه كمستشار لوزارة النفط إلاَّ خلافه مع الوزير  بشأن ملف التفاوض الخاص بأيلولة الخط الناقل للبترول لحكومة السودان منذ 2006م  !
مهما يكن من أمر فإنَّ خُلوص َ الخط الناقل للبترول – الآن- لحكومة السودان إنجازٌ جديرٌ بالإحتفاء وفرصة ثمينة لاستطالة الأيدي السمراء عملاً ومثابرةً لردِّ الجميل لهذا الشعب الصابر  و(البشيل فوق الدَّبَر ما بْكِلْ) ! وإنْ كنتُ قد قرأتُ في إحدى الصُحف أنَّ حالة القلق تعتري العاملين خوفاً على مستقبلهم المهني وأجورهم وهم يُحَوَّلون من النيل الكُبرى ذات الشراكة الرُباعية سالفة الذكر  (ذات الدفع الدولاري) إلى شركة (بترولاينز) السودانية المحضة ، ولعلَّ كلمة مديرها السيد محمد عبد الرحيم كانت تُشير إلى ذلك وهو يقول مطمئناً 🙁 تمَّ تحويل العاملين بذات أجورهم ومخصَّصاتهم ) !
هنا تشرأبُّ أسئلةٌ على أمشاطها :هل التوجُّس خيفةً من (السودنة) لمن يعتبرون أنفسهم ضحاياها عموماً نقصٌ في كُريات الوطنية البيضاء والتفاني والتضحية ؟ أم لها ما يُبرِّرها بهاجس ذلك الرومي الذي بنى خورنق النعمان (ملك الحيرة) ..ولمَّا فرغ من هندسته ألقي به من أعلى !وهل بيت القصيد الدخل الشخصي لشخصٍ  أقل ما جناه التأهيل والخبرة فضلاً عن المال الوفير  أم هو  العائد العام للخزينة العامة ؟  أم هو إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه غضَّ النظر عن المقام المهني والدرجات الوظيفية بما فيهم (ملح الأرض) من عمَّال بسطاء لا حول لهم ولا قوَّة  ولا نقابة ولا وجيع دون استثناء عن غيرهم ! القيم لا تُجزَّأ ، أليس كذلك ؟!
أهم من ذلك كلِّه – يا وزارة النفط – ليتكم وجَّهتم الخط الناقل للنفط هذا ، لا إلأى بورتسودان ، إنما إلى (ما كان) أكبر مشروع زراعي في العالم ألا وهو مشروع الجزيرة ، بمعنى مباشر ليتكم أنفقتم عوائد النفط على الزراعة ؛ إذن لسارا جنباً إلى جنب دعامتي اقتصاد لا تهزُّهما رياح الفقر والجهل والمرض ! إذن لأحسَّ محمد أحمد بلزوجة النفط تسري في عروقه .. وفاضت (قفَّة) السرَّة  بالخضار ..إذنْ لأُنْشِزتْ ضلوعُ الأطفال اليابسة وكُسيتْ لحماً ! عندها سوف لن تمرَّ مثل هذه الأحداث الكبيرة على المواطن اللاهث خلف سراب (لقمة العيش) مرورَ الليث بالرمم ولن يتجرَّعها – حتى منسوبو القطاع – كعلقم زواج العِوَض !!

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً