شكرا شعبي .. بقلم: حسن محمد صالح

عندما قفز الرئيس الأسبق للسودان جعفر نميري من علي أسوار القصر الجمهوري وهو يفر من قبضة الشيوعيين بقيادة الرائد هاشم العطاء في إنقلاب 2يوليو 1970م الشهير رأي مواطنا سودانيا الرئيس وهو يركض ببذته العسكرية فتوقف له وحمله علي سيارته إلي الوجهة التي حددها النميري وكانت وجهته هي سلاح المدراعات التي إنطلق منها معلنا عودته إلي سدة الحكم من علي ظهر دبابة ولم يجد الرئيس نمير ي يومها إلا جملة واحدة ((وهي جملة )) إسمية : شكرا شعبي … وقد صارت هذه العبارة مثلا يضرب وكان نميري علي حق في أن يبذل شكره إلي شعب السودان الذي رفض تأييد المحاولة الإنقلابية وظل في حالة من السؤال والبحث عن الرئيس والإطمئنان علي حياته في الوقت الذي لم تقم اي قوي خارجية بإدانة الإنقلاب العسكري ضد حكمه الذي جاء بدوره بإنقلاب عسكري بما في ذلك مصر التي كانت أقرب الدول لنظام مايو بقيادة جعفر نميري وقام الشعب السوداني بحمل الرئيس علي الإعناق وطاف به معلنا تأييده له وهو يهتف بأعلي صوته : عائد عائد يا نميري وكان ذلك بمثابة المشروعية السياسية لنظام عسكري ظل رئيسه في سدة الحكم علي مدي ستة عشر عاما حتي نهايته المعروفة .
واليوم بعد رفع العقوبات الأحادية الأمريكية عن السودان فإن الذي يستحق الثناء والتقدير من قبل الحكومة السودانية والرئيس البشير هو شعب السودان الذي صبر علي العقوبات الإقتصادية الأمريكية المتنوعة والتي سعت الولايات المتحدة الأمريكية من ورائها لمحاصرة السودان إقتصاديا وتجاريا فتاثر الشعب السوداني بتوقف عائدات البترول بعد فصل جنوب السودان كما تأثر القطاع الخاص السوداني بالسياسات الإقتصادية الأمريكية ضد السودان والمتمثلة في فرض عقوبات علي المصارف العالمية التي تتعامل مع السودان حتي ولو كان هذا التعامل لا صلة له بالحكومة السودانية . وكان ذلك منهج تدميري كامل أدي لغياب القطارات وتعطيل السكة حديد وسقوط الطائرات نسبة لعدم توفر قطع الغيار وضياع أرواح سودانية لعدم توفر الأجهزة والمعدات الطبية التي تحتكرتصنيعها وتصديرها للخارج الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن الغريب أن يصرح الفريق طه عثمان مدير مكتب رئيس الجمهورية المقال بأن بعض دول الخليج هي التي قامت برفع الحظر الإقتصادي الأمريكي عن السودان بعد أن تواصل سيادته معها وطلب منها القيام بهذا الدور وهذه الدول كانت في يوم من الأيام تدعم التمرد في جنوب السودان بالسلاح بتوجيهات من الولايات المتحدة الأمريكية إلا إذا كانت الحكومة وإعلامها يكذبان علي الشعب السوداني .وهذه الدول تقوم بدعم الجنرال المتقاعد في الجيش الليبي خليفة حفتر الذي يقوم بدعم حركات التمرد في دارفور ويقدم لها العتاد الحربي لشن هجمات علي الجيش السوداني وزعزعة الإستقرار في دارفور . وإذا كان الأمر يتعلق برفع العقوبات الإقتصادية الأمريكية عشان خاطر الفريق طه عثمان فهناك من قام بدعم السودان لتخفيف أثر الحظر الإقتصادي الأمريكي مثل دولتي قطر والصين ولم يكن ذلك من أجل عيونأحد من الناس كائنا من كان ولكن تقديرا للظروف الإقتصادية الضاغطة التي كان يواجهها شعب السودان وما قدمته الدوحة للسودان كان خالصا من أجل الإخوة في الدين والعروبة والصداقة وأنا أقول هذا الكلام ولا أعرف مواطنا قطريا واحدا ولم أذهب في يوم من الأيام إلي هذا البلد .
والحقيقة التي يجب علينا أن ندركها فإن كانت الولايات المتحدة الأمريكية رفعت الحظر الإقتصادي عن السودان لأسباب من بينها أسباب تتعلق بدولة أخري فإن هذه الدولة هي دولة جنوب السودان ولم يكن ذلك تكريما للرئيس الجنوب سوداني سلفاكير ميارديت ولا من أجل خصمه رياك مشار ولكن من أجل شعب جنوب السودان الذي يعاني من ويلات الحرب والدمار منذ أن حدث الإنفصال الذي تم بدعم ومساندة الولايات المتحدة الأمريكية وتبين للأمريكيين خلال خمسة أعوام من الصراع الدامي أن لا سبيل لإنهاء المعاناة الإنسانية في الجنوب إلا برفع الحظر عن السودان وتطبيع العلاقات بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية والسودان وبقية دول العالم لفرض الرؤية الأمريكية علي دولة جنوب السودان بمعاونة السودان الذي يمكن أن يكون منطلقا سياسيا وعسكريا للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الذين ضاقوا ذرعا بما يجري في جنوب السودان من إنتهاكات وإبادة جماعية وقتل للناس علي الهوية في صراع دموي لا نهاية له .وقريبا سوف نري مشروع مارشال أوربي وأمريكي لإعادة إعمار جنوب السودان علي قرار مشروع إعادة بناء ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وبتفاهمات مع السودان الذي لن يكون مجرد دولة كانت محاصرة إقتصاديا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ولكنها الصديق الجديد بل الولاية الثالثة والخمسين في الولايات المتحدة في إفريقيا والعالم العربي وصدق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما قال : ما بيننا وبين السودان سيكون أبعد من مجرد رفع الحظر الإقتصادي
elkbashofe@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً