“شويه سيكولوجي 12”  .. بقلم: د. طيفور البيلي

مفهوم الوقت في الثقافة السودانية

The Concept of Time in the Sudanese Culture

يبدو أن علاقتنا البايظة خالص مع مفهوم الوقت تلخصها النكتة حقتنا البايخة والمكررة البتقول ” انتظرني الساعة خمسة ، لو لحدي الساعة ستة ما جيتك ، تمانية أمشي ” .. وعشان كده مواعيدنا البنديها لبعض دايماً ضاربه ، ومواعيد بدء العمل دايماً ضاربة ، وحتى مواعيد طياراتنا ذهاباً وعودة برضو دايماً ضاربة .. وبنندهش لما حاجة تتم في الموعد المحدد ليها. الفنان الرائع ود الأمين ليهو سنين بقول ” اشوفك بكرة في الموعد ” وليوم الليلة ما شافو .. وردي رحمه الله كان أشطر وبيعرف كيف يتجنب الإحباط فقال ” من غير ميعاد ” .. أما صلاح محمد عيسى فقنعان من الأول وقال

” تعال بكره أو بعد بكرة “.. وكمساندة من جيراننا في الشمال ، المرحومة أم كلثوم ؛ وبعد كمية معتبرة من الآهات والتنهدات والوجع  الشديد ، قالت ” فاااااات الميعاد .. والنار بقت دخان ورماد ” ، والشعب السوداني كلو يرد عليها ويقول بلا ميعاد بلا رماد بلا لمة .. أصلو موعد ما بنلتزم بيهو ، واليحصل يحصل .. وطبعاً الحصل حصل ، أو كما قال صاحبكم “حدث ما حدث” ..

لو جينا نتفلسف شوية (طبعاً بعد إذن دكتورتنا العزيزة سارة حيدر) وحاولنا نفهم الموضوع ده ، حنجد قدامنا مفهومين مرتبطين ومتداخلين مع بعض شديد فأحدهما يؤدي تراكمياً لنشأة الآخر .. وهما مفهوم “الزمان” وده بيقاس بالقرون والحقب والعقود والسنوات، والأشهر، والأسابيع، والأيام .. والتاني مفهوم “الوقت” وده بيقاس بالساعات والدقائق والثواني ، وكمان الـ Nanosecond .. وطبعاً لما تبوظ علاقتنا مع الوقت بنخسر مباشرة على المستوى الراهن ، وفي نفس الوقت بنخسر في الزمان بس على المستوى طويل الأمد .. وطبعاً لا يخفى عليكم أن الثقافات عبر العالم تختلف في فهمها وتناولها وتعاملها مع مفهوم الوقت .. الثقافة الغربية مثلاً تتعامل مع الوقت من وجهة نظر خطية Linear Time Perspective ، والخطية أو الـ Linearity معناها أن الوقت يمضي ولا يعود .. الثانية أو الدقيقة أو الساعة التي تنقضي لن تتكرر مرة أخري ، وبالتالي لابد من استثمارها لأنها لا تعوض وتكون خصماً على زمان الفرد والأمة المحدود في هذه الدنيا. ثقافات أخرى تنظر للوقت من وجهة نظر دائرية Cyclical Time Perspective بمعني ان الوقت يتحرك في دائرة .. وطبعاً لو نظرت إلى ساعة الحائط القديمة المغبرة المعلقة في حيطة صالونكم المغبرة برضو حتلقي شوكاتها بتتحرك في شكل دائري ، ولو تابعت الشوكات دي ستجد أن كل منها تدور وتعود لنفس النقطة مرات ومرات وهكذا ، ومن هنا جاءت فكرى دائرية الوقت .. وأصحاب هذا المنظور يستندون في فكرة الدائرية أو التعاقب إلى أن الليل يعقبه النهار، ثم الليل، ثم النهار وهكذا ، وذات الأمر مع فصول السنة من ربيع وصيف وخريف وشتاء ، وربيع مرة أخرى وهكذا .. ولكن لا يخفى على كثير من أصحاب هذا المنظور أنه في داخل هذه المتعاقبات يكمن الوقت ، وهو خطي  Linearوما مضي منه لا يعود ..

أما نحن فمنظورنا للوقت ومفهومنا له فهو ما يمكن وصفه بـ The Social Time Perspective .. بمعني أن الوقت أو الموعد يبدأ عندما يجتمع الناس .. الحفلة تبدأ عندما يتجمع المدعوين .. العمل يبدأ بالمكاتب والدواوين الحكومية عندما يأتي الموظفون ، والاجتماع يبدأ عندما يتجمع المدعوين له (أنسي حكاية الساعة دسعة المكتوبة في خطاب الدعوة للاجتماع) ، وموعدي معك يبدأ عندما أصلك .. أصحاب هذا المنظور ؛ وهم نحن بلا فخر ، هم الأخسرون زماناً وعمراً وانتاجاً .. كده أسأل عيونك .. سوري ، أقصد كده أسأل نفسك كم خسرت من وقت فقط في هذا اليوم لأنو موعد طرشق أو كسل أصابك فلم تذهب لموعد أو عمل كان موعده اليوم لم تنجزه .. وإذا رجعت بالحساب للوراء وحاولت كم ضاع من وقتك وزمانك وعمرك حتجيك سكتة مخية ..

طيب  ، نحن قمنا بثورة وقلنا نصلح الحكم والاقتصاد ونفتح الباب للاستثمار الأجنبي .. أهو الاستثمار الأجنبي ده ناس المنظور الخطي ذااااتو وما بينفع معاهم سوشيال تايم والكلام ده .. شهر شهرين وحيلملمو حاجاتهم ومعداتهم ويفوتو ..

انا آسف .. بس مفهوم السوشيال تايم حقنا ده رغم أنه موروث ثقافي لازم يتغير .. أو نشوف ليهو رف في متحف التاريخ الاجتماعي .. والزول بتاع ود الأمين لازم يشوفو بكرة في الموعد .. ونرتاح كلنا .. مش ؟!!

Dr. Tayfour S. Albeely

talbeely@gmail.com

 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً