حتى يبدأ المجتمع المدني في علاقته مع المؤسسات المالية العالمية، من حيث إنتهت تجربة الحوار المتبادل بين منظمات المجتمع المدني و صندوق النقد الدولي و البنك الدولي، علينا أن نبدأ في ان نتذكر بعض الدروس التي استفدناها من تجربة المنظمات على المستوى العالمي. من المهم للمجتمع المدني السوداني أن يبدأ في دراسة طبيعة نتائج تلك العلاقة، و ان يبدأ مسيرته في المساعدة في التخلص من الديون و المشاركة في صياغة السياسات ذات الصلة.
الدروس المستفادة من نهج التواصل المتبادل:
من خلال تاريخ العلاقة المتبادلة بين الصندوق و المجتمع المدني، لا سيما المحلي، تمت ملاحظة بعض الموضوعات، التي بمعرفتها و وضعها في الاعتبار، سيساعد في بناء آليات تواصل فعالة بين الصندوق و المجتمع المدني.
1- بجانب تنظيم و قيادة الحملات الفعالة، يكون الحوار هو أحد اهم وسائل المشاركة المتاحة لادراج إحتياجات المجتمع في مناقشة سياسات صندوق النقد الدولي و البنك الدولي و في تغيير و توجيه سياسات الصندوق و البنك. و يكون مثل هذا الحوار، و الاشراك، نافعاً حين يكون من خلال آليات تجعل المعلومات تأتي من اتجاهين، و أن تكون النقاشات مستندة على النقد التحليلي و أن تكون بناءة.
2- من الواضح خلال التاريخ السابق ان المنظمات المحلية، كانت ترغب في إجراء ذلك الحوار إلا ان غياب الشفافية، و سيادة أجواء الريبة و الشك، و عدم معرفة اغلب المنظمات المحلية لآليات العمل في الصندوق، او عدم تخصصهم في موضوعات السياسات النقدية العالمية.
3- يغلب شعور القلق داخل المنظمات المحلية من تداعيات العولمة الاقتصادية، و اثارها الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية، و هذا الشعور ينطلق من منظور حقوقي في أغلب الاحوال. من المهم مخاطبة تلك المخاوف بواسطة الصندوق، و على المجتمع المدنى ان يرى سياسات فعالة تجاه محاربة الفقر و حماية البيئة، و خلق الوظائف و تحقيق التنمية المستدامة من خلال ردم الهوة التنموية بين دول شمال الكرة الارضية و جنوبها.
4- التحليلات الاقتصادية الصادرة عن الصندوق، عليها ان تستوعب الخصوصيات المجتمعية، و إدراك مدى تباين هشاشة تلك المجتمعات. إن الدراسة الواقعية – الناتجة عن تفاعل مع المجتمع المدني المحلي – تساعد الصندوق في استيعاب السياسة المناسبة لكل دولة، و مثل هذا المنهج يساعد كثيرا في تخفيف حدة الصدمات الاقتصادية.
5- استمرار نهج عدم الثقة، و ظل هذا نهج عالمي قبل ان يكون نهج خاص بالمنظمات في الدول النامية.
ماهي منظمات المجتمع المدني المهتمة بتلك السياسات؟:
بفعل استمرار الدكتاتوريات لفترات طويلة في السودان، و بسبب غياب الحماية التشريعية و المؤسسية للحقوق المنظمة لفضاء المجتمع المدني، بجانب الضعف الهيكلي في بناء مؤسسات المجتمع المدني، بسبب كل تلك الاسباب و غيرها، كان مستوى تفاعل منظمات المجتمع المدني مع سياسات صندوق النقد الدولي و البنك الدولي، ضعيفة للغاية.
و لمعرفة منظمات المجتمع المدني السودانية التي لها الحق في التواصل مع صندوق النقد الدولي، فاننا نجد ان الصندوق يتخذ تعريفا واسعاً لمصطلح (منظمات المجتمع المدني)، فقد ذكر في (المرشد لعلاقات خبراء الصندوق بمنظمات المجتمع المدني – واشنطن، 2003) على أنه ” تشمل منظمات المجتمع المدني الفاعلة منتديات الأعمال، والجمعيات القائمة على أساس ديني، والحركات العمالية، ومجموعات المجتمع المحلي، والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الخيرية، ومستودعات الفكر.”
و لو نظرنا الى تلك المجموعات من منظمات المجتمع المدني في السودان، نجدها تشمل طيف واسع جداً من المنظمات المحلية. كما نلحظ بأن ذلك الطيف الواسع يطرح ايضاً طيفاً واسعاً من الهموم و المنافع و الاهتمامات التي تتباين من مجموعة إلى أخرى، فمنها ما هو حقوقي و منها ما هو خدمي و منها ماهو علمي او اكاديمي او بحثي. هذا التباين يعكس كذلك تباين في اساليب و مناهج العمل، فمنها من ينتهج منهج البحوث و التحليلات، و منها من يعمل على تغيير المفاهيم و تاسيس المبادئ الجديدة في المجتمع، و منها من يعتمد منهج الحملات و المناصرة و مجموعات الضغط.
هذا التباين بالضرورة ينعكس على مستوى إهتمام تلك المنظمات بعمل و سياسات صندوق النقد الدولي. والمنظمات التي تولي إهتمام و تعمل على التأثير في سياسات الصندوق، قد نجدها تنقسم الى مجموعتين، المجموعات البحثية المتخصصة (مراكز البحوث و بيوت الخبرة و مراكز التفكير)، و المتخصصة في موضوعات الاقتصاد و سياسات الحد من الفقر و موضوعات التنمية، و المجموعة الاخرى تشمل المجموعات الحقوقية، و هي التي تشمل المنظمات التي تعمل في موضوعات الحقوق و الحريات، و سيادة حكم القانون و الحكم الراشد و محاربة الفساد و الحق في التنمية و حقوق العمال و الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية… الخ و هي المجموعة الاكبر و الاكثر انتشارا في السودان. و في قياس مستوى التواصل مع الصندوق، نجد ان مجموعة المنظمات المتخصصة هي الاكثر تواصلا مع الصندوق بنسب متباينة، و من خلال اليات تواصل مختلفة.
و لان المنهج الحقوقي هو الاوسع إنتشاراً، في السودان بسبب الطبيعة الانتقالية، لا سيما بعد عهود الدكتاتورية الطويلة، و الحروب المستمرة منذ اكثر من نصف قرن من الزمان. نجد ان المجموعتين (البحثية) و (الحقوقية) تنطلق في عملها بصورة او أخرى من منهج يستوعب الحالة السياسية و المجتمعية و الاقتصادية، و التي يبرز فيها المنهج الحقوقي بكثافة، سواء في اعمال التحليلات و الدراسات الاستقصائية، او في اعمال المناصرة. لذا في الجزء التالي نحاول ان ننظر كيف ينعكس المنهج الحقوقي في تأسيس العلاقة بين المجتمع المدني السوداني و صندوق النقد الدولي.
الحجج الحقوقية في التعاطي مع مسالة الديون: Arguments Used by Rights’ Defenders on the Debt Relieve
طورت منظمات المجتمع المدني ، في السودان، (بصورة مماثلة لما قامت به المنظمات المجتمعية في عدد كثير من البلدان النامية)، العديد من الحجج التي تناقش مسالأة الديون من منظورها، تلك الحجج تتراوح من الحقوق القانونية والاقتصادية والأخلاقية والتاريخية والاجتماعية والبيئية وحقوق الإنسان إلى النهج الديمقراطي واستخدمت المنظمات هذا العدد الهائل من الحجج في النقاش الحيوي حول قضية الديون. و هذا التصنيف لا يعطي بالضرورة دور كبير لمنظمات المجتمع المدني في نقاش ازمة الديون السودانية، و انما يخاول يلخص تلك الحجج و ان صدرت بصور مبتورة من المنظمات كمجموعات او الباحثين و نشطاء الراي كافراد/ من بين تلك الحجج كان:
– الدين والحق في الحياة Debt and the right to life
– الديون والحق في التنمية Debt and the right to development
– الديون والديمقراطية Debt and democracy
– الدين كآلية لإعادة الاستعمار أو “الحجة التاريخية” Debt as a mechanism of recolonization or “the historical argument”
– الديون وانتهاك حقوق الإنسان Debt and the violation of human rights
– الديون والديون البيئية Debt and ecological debt.
– .بحثا عن المسؤولية المشتركة عن الديون البغيضة أو غير المشروعة. الديون ليست مسؤولية المدينين فحسب ، بل تقع على عاتق الدائنين أيضًا In search of shared responsibility for odious or illegitimate debt. Debt is the responsibility not only of the debtors, but also of the creditors
– الديون والمشاكل الاجتماعية. Debt and social problems.
الجزء الثالث: المشاركة الفعالة و الحوار حول الديون و الحقوق
من خلال دراسة فضاء التحول السياسي في السودان، من السهل ادراك ان وسائل العمل لتحقيق اهداف المجتمع المدني السوداني قد تغيرت. لقد تغيرت الان الحكومة الدكتاتورية، و بدأ التحول يتحرك نحو كفالة حرية التعبير و التجمع السلمي و التنظيم بصورة ملحوظة، و بالتالي صار من المهم تغذية هذا الفضاء بالعديد من الحوارات العلانية المثمرة و التي عليها ان تساعد على نجاح التحول الديمقراطي، بإتاحة المزيد من المشاركة لكل فئآت المجتمع، لا سيما منظمات المجتمع المدني.
محفزات المشاركة:
في المرشد لعلاقات خبراء الصندوق بمنظمات المجتمع المدني (واشنطن 2003) نجد ان الصندوق يحفز خبرائه على التواصل المستمر مع المجتمع المدني، و وضع خمسة اهداف لمثل هذا الحوار و التواصل، من بينها كان:
1- اسهام المجتمع المدني في مجال صناعة السياسات الاقتصادية: باستطاعة منظمات المجتمع المدني أن تبرز مسائل مهمة من أجل صياغة وتنفيذ ومراجعة سياسات الصندوق وبرامجه وكذلك السياسات والبرامج التي يساندها
2- الصلاحية السياسية: تعتبر المناقشات مع منظمات المجتمع المدني مقياسا مهما للقوى المؤيدة للسياسات التي يساندها صندوق النقد الدولي والقوى المناهضة لها في السياق المعني.
3- الشعور بالملكية: إن الحوار مع منظمات المجتمع المدني – بوصفه أداة مهمة مكملة لمساءلة الصندوق أمام حكومات بلدانه الأعضاء – يمكن أن يؤدي بدرجة ملحوظة إلى تعزيز “ملكية” البلدان للسياسات التي يدعو إليها الصندوق.
متى تبدأ مشاركة منظمات المجتمع المدني:
1- من المهم ان ينخرط المجتمع ، من خلال تقديم رؤيته، و يطالب بالاطلاع على المسودات الاولية، في المراحل الأولى من عملية صياغة السياسات، بدلا من أن يحدث ذلك بعد أن يكون قد تم اتخاذ القرارات الأساسية.
2- من بين المناسبات التي تشهد ذروة اتصالات الصندوق مع منظمات المجتمع المدني الاجتماعات السنوية، والمؤتمرات المخصصة وحلقات العمل التي تناقش السياسات العامة المتعلقة بصندوق النقد الدولي مثل المشاورات الخاصة بتقارير استراتيجية الحد من الفقر ومبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (هيبيك)
3- يخصص كثير من البعثات وقتا للاجتماعات مع منظمات المجتمع المدني، ومنها البعثات للإصلاح الهيكلي؛ وبعثات إدارة العلاقات الخارجية؛ وبعثات برنامج تقييم القطاع المالي؛ وبعض بعثات المساعدة الفنية
4- من المفيد إقامة علاقات مع منظمات المجتمع المدني على أساس مستمر.
مثلث الحكومة وصندوق النقد الدولي ومنظمات المجتمع المدني:
العلاقة بين الصندوق و الدول، هي علاقة يحكمها القانون الدولي، و تظل إدارة البنك مسؤولة تجاه الدول الاعضاء في الصندوق. بينما المجتمع المدني في السودان تتنازعه علاقتين، مع حكومة دولته و مع الصندوق. العلاقة مع حكومة دولته واضحة فيما يبدو، بحكم علاقة المواطنة، و بالتالي لديهم حقوق على الدولة، و هذه العلاقة تحكمها قوانين و سياسات داخلية للدولة. و فيما يبدو غياب التصنيف القانوني للعلاقة جعل مسالة التواصل و خلق الالتزامات تمر بمراحل من الارتباك. لذا ظل دور المجتمع في كثير من الاحوال منحصر في التأثير على الحكومة و محاولة الضغط عليها.
في العلاقة بين الحكومة و الصندوق و المجتمع المدني نشهد بعض الملاحظات، و التي تحتاج في بعضها الى اصلاح في طبيعة العلاقة:
– في الفترات مع بداية الالفية، حافظ الصندوق على جعل المبادرة في يد الحكومة باعتبارها المسؤولة عن إشراك منظمات المجتمع المدني. فاتصالات صندوق النقد الدولي مع منظمات المجتمع المدني تعتبر جهدا مكملا لحوار الحكومة مع مجموعات المواطنين، وليست بديلا له.
– ظل تناول مسألة تواصل الصندوق بمنظمات المجتمع المدني، على نحو لا يؤدي إلى إبعاد الحكومة. ولا تستخدم العلاقات مع منظمات المجتمع المدني لممارسة ضغط غير مباشر على الحكومات.
– مستوى مشاركة المجتمع المدني في نقاشات مع الصندوق، يحكمها مستوى الحريات التي تكفلها الدولة للمنظمات في المشاركة السياسية و في صناعة القرارات و السياسات العامة. و بالتالي مسالأة الديمقراطية مسألة حاسمة في مستوى و مضمون المشاركة.
دور الحكومة الانتقالية في تنظيم المشاركة الواسعة:
موضوعات التكيف الهيكلي و سياسات الحد من الفقر، و تأثيرات ذلك على مستقبل التحول الديمقراطي و استدامة السلام و الاستقرار السياسي، هي من الموضوعات ذات الاهمية الكبيرة عند منظمات المجتمع المدني في سودان ما بعد الثورة. و في اطار العلاقة الثلاثية بين الحكومة الانتقالية في السودان و المنظمات الطوعية و الصندوق، هناك خطوات و سياسات عاجلة ان تتخذها الحكومة الانتقالية:
– من المهم ان ترفع الحكومة الانتقالية مستوى حساسيتها تجاه دور المجتمع المدني، فبجانب اصلاح البيئة التشريعية، و البنية التحتية للمنظمات، و كفالة الحقوق و الحريات المتصلة بعمل المجتمع المدني، على الحكومة الانتقالية في السودان ان تجعل مثل تلك السياسات تمر من خلال إجراءات تشاورية طويلة، و بشفافية عالية
– أن تقوم الحكومة الانتقالية بإنشاء آلية تواصل بين الحكومة و المجتمع المدني بشأن موضوعات معالجة الديوت.
– أن تشجع المؤسسات و الوكالات الوطنية ذات الصلة على المساعدة في تنظيم الاجتماعات بين المنظمات و الصندوق
– ان تتبنى نهج الشفافية و توفير المعلومات للمجتمع المدني
الخاتمة:
في السودان و من خلال إجراءات التحول الديمقراطي، تنبع أهمية إدماج المجتمع المدني المحلي في كل إجراءات رسم السياسات العامة. و لقد برزت مسألة معالجة الديون الدولية للسودان بصورة ملحة، و أثارت السياسات المعنة عن صندوق النقد الدولي، و الخاصة بالتكيف الهيكلي (Structural Adjustment). في غياب المشاركة و الشفافية، قد تنتج ان تلك السياسات العديد من التداعيات التي قد تسهم في انهيار التحول الديمقراطي. إن للمجتمع المدني لديه آلياته و وسائله في التدخل في الشئون العامة، و هو مدرب على ذلك و يمتلك قدرات عالية، و من بين آليات التدخل التي عرف بها المجتمع المدني كانت موضوع (المشاركة و الحوار) بهدف التأثير في السياسات. و لما كانت هذه الورقة تشجع على الحوار ذو الابعاد المختلفة/ بين منظمات المجتمع المدني، و بين المجتمع المدني و الحكومة، و بين المنظمات و صندوق النقد الدولي. مثل هذه الحوار الشامل يسهم في تعميق و دعم المسار الديمقراطي، و كذلك يسهم في اتخاذ القرارات الصحيحة و الناتجة عن دراسة عميقة و مشاركة فعالة للمجتمع، مستفيدة، الحكومة و الصندوق، من الخبرات و المعارف التي يتمتع بها المجتمع المدني في مراكز البحوث و الدراسات و المؤسسات الحقوقية.
على المجتمع المدني أن يبدأ في تأسيس منصات نقاش فيما بينهم، و خلق آليات تواصل مع المؤسسات و الوكالات الوطنية ذات الصلة و الشروع في تبادل المعلومات و تنظيم إجتماعات مشتركة.و تشجَّع منظمات المجتمع المدني الوطنية والمحلية على المشاركة في المشاورات الوطنية بشأن أولويات الاصلاح الاقتصادي و الديون و محاربة الفقر. ويمكن لممثلي المجتمع المدني أيضا أن يشاركوا بصفة دورية في اجتماعات مع الصندوق و الحكومة، وأن يعملوا كأعضاء في اللجان المشتركة.
advosami@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم