🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
مأساة السودان ليست مجرد مواجهة بين قوى تتنازع بقايا النفوذ داخل كيانه المثقل بالجراح، بل أصبح امتحاناً حقيقياً لمعنى الوطنية السياسية وحدود مشروعيتها الأخلاقية. فالكيان السيادي لا يقاس فقط بقدرته على فرض السيطرة أو الحفاظ على مؤسساته، وإنما بقدرته على أن يكون مظلة متساوية للأمان والانتماء. وحين تتحول مؤسسات الحكم إلى أدوات للفرز والشك، ويصبح الأصل الجغرافي أو الاجتماعي مدعاة للريبة بدلاً من أن يكون جزءاً من ثراء التنوع، فإن الأزمة تتجاوز السياسة لتصيب جوهر فكرة الوطن نفسها. ومنذ اندلاع حرب أبريل 2023، لم ينزف السودان بالسلاح وحده، بل بفعل تآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة، وانهيار الشعور بأن البنية المؤسسية الوطنية وجدت لحماية الناس لا لاستهدافهم.
إن الخطر الأكبر الذي يواجه السودان اليوم ليس مجرد تغير الحكومات أو تبدل مراكز القوة فحسب، بل انحسار الفكرة التي تجعل من المواطنة أساساً للحقوق والواجبات. فعندما تصبح المواطنة امتيازاً قابلاً للسحب، ويربط الحق بالقرب من دوائر النفوذ أو بموقع الإنسان الجغرافي، يتحول الوطن من مساحة مشتركة إلى ساحة تحكمها موازين القوة. وما تعرضت له مناطق دارفور وكردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق وشمال وشرق من تهميش تاريخي، وماصاحب الحروب من خطاب قائم على الاشتباه الجماعي، يكشف عن جراح قديمة لم تعالج، بل تأجلت حتى عادت أكثر تعقيداً. فالدولة التي تقصي بعض أبنائها لا تحمي وحدتها، وإنما تضعف الأساس الذي تقوم عليه تلك الوحدة.
وفي ظل هذه الحرب، لم تعد المعركة تدور في ميادين القتال فقط، بل انتقلت إلى مجال الوعي وصناعة الروايات، حيث تستخدم مفردات الوطن والأمن والشرعية أحياناً لتبرير مواقف تزيد من الانقسام. وفي هذا المناخ يصبح الإنسان معرضاً للاختزال في هويته أو منطقته أو موقفه السياسي، بدلاً من الاعتراف به كمواطن كامل الحقوق. غير أن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، والذاكرة الوطنية لا يمكن أن تبنى على تخليد آلام فئة وتجاهل آلام أخرى. فكل ضحايا السودان يستحقون الاعتراف والإنصاف، وأي مشروع للمستقبل لا يمكن أن ينجح دون مواجهة صادقة مع ثقافة الإفلات من العقاب التي أعادت إنتاج الأزمات عبر العقود.
إن وحدة السودان ليست شعاراً يرفع فوق ركام المآسي، بل عقداً أخلاقياً ودستورياً بين الدولة ومواطنيها. فالبلاد لا تحتاج إلى انتصار طرف على آخر بقدر حاجتها إلى انتصار فكرة الدولة على ثقافة الإقصاء، وإلى بناء نظام تكون فيه قيمة الإنسان نابعة من مواطنته لا من مكان ميلاده أو وضعه من مراكز القوة. إن مستقبل السودان لن تصنعه الانتصارات العسكرية وحدها، بل قدرة السودانيين على إعادة تعريف دولتهم بوصفها وطناً جامعآ. فالأوطان لا تنهار فقط بهزمة الجيوش، بل حين يفقد الناس الإيمان بأن أبواب الوطن ليست مفتوحة لهم على قدم المساواة.
abohmohammed123@gmail.com
