طقس الحديقة .. بقلم: لمياء شمت
12 مايو, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
33 زيارة
يقدم مشروع محمد المكي إبراهيم وثيقة إبداعية لنتاج قريحة شاعرة استطاعت أن تراكم تجربة متمهلة ناضجة، قوامها الوسامة والعمق والانسجام. وأن تؤسس بكفاءتها التعبيرية وجدارتها الجمالية قاموساً خاصاً لم يقتصر إسهامه على التأثير في مجمل طبيعة التلقي،بل ساهم كذلك في تكريس ذائقة شعرية بحساسية مختلفة. ويتجلى بعضاً من ذلك الأثر في الاشتغال اللغوي والتكثيف الأسلوبي،الذي ينفذ بالعبارة إلى غايات دلالية وتأثيرية مفيضة. ولنتوقف بدءاً عند الأبيات التالية،وهي تحاول استقطار جوهر اللحظة الشعرية كبرهة كثيفة عارمة، ينازع فيها الشاعر تواترات الوجد والجذب، والذكرى والمشاجنات.
شيء في قلبي كالأكلان/……………../يتحرك ذاك الشيء على الأغوار/ بخطى التنميل
خطى الإرهاص/خطى الأحزان/…………/فشعرت به في القلب يدب/كنقاط الزير وفي بطء ينصب/يتدحرج أملس أملس فوق القلب/ويطير مساء الجمعة أيخرة لا لون لها/لا أعقلها إلا حين يعود الشيء يدب/ويظل الشيء يجيء لدى الميعاد/ويطيل الزورة يشنقني/وينشك على روحي أوتاد/وأخيراً لازمني لا يبرحني إلا ساعات الميلاد/
وتتوالى اللقطات الكثيفة والصور الحية التي تذرفها أعين الشعر الرقراقة في استكناهها الفطن،واستغراقها الحميم، لتفترع بها نماذج لإطلالات متصلة على الحياة، تنعقد حولها مرويات، وتتوالد أحداث، وتنهض شخوص.لتبرز عبر النصوص المختلفة العناية الجمة بمفاعلة الصور والمشهديات العامرة بتفاصيل الحياة.كما في نموذج قطار الغرب، تحديداً مشهد الوداع في المحطة:
هذا بلدي والناس لهم ريح طيب/بسمات وتحايا ووداع ملتهب/كل الركابلهم أحباب/هذي امرأة تبكي/هذا رجل يخفي دمع العينينبأكمام الجلباب/سلم للأهل ولا تقطع منا الجواب/
ونقف في نص آخر عند لقطة مقربة لركاب الطائرةالمتجهة للخرطوم،وهم يتشاغلون بمراقبة لهو الأطفال يحجلون بين المقاعد ، أويتذرعون بالنوم الهش حتى يهل المطار. حيث تنتقل عدسة الشعر المتأملة بين مشاهد مختلقة، تتماس بها مع جوهر فكرة التوق الجياش لصدر وطن غائب،يمارس أقصى الحضور.
كل هذي القلوب النوائم/ تحلم في نومها/ بالوطن/كلها تتشرب سمرته الداكنة/ وصبوته الساخنة/ وتاريخه المحتقن/كلها تتذرع بالنوم/ حتى يهل المطار/
وفي فضاء آخر يلوح موكب سيرة العرس المائج بالصور والأصوات والروائح.
كرنفال جن فيه العطر وانثال النغم/عربدت في الجو أصداء الشتم/هسهست مرحى عراجين النخل/فالعريس اليوم يرتاد النهر/
ويستمر التحديق في تصاريف الحياة، والحرص على التقاط تفاصيلها الطرية ببساطة وعفوية أليفة،حيث تتشكل محكيات عذبة بكامل ألقها السردي وتوترها الدرامي، تجدل بدورها علائق بين المشهد وخلفياته وشخوصه:
خمس من النساء/مخوضاتٍ في شراسة الشوك وفي الشقوق/يجمعن في الغابة حطب الحريق/خمس نساء فقراء/يجمعن للوقود ساقط الأغصان واللحاء/وعندما أقبل حارس الغابة في دوامة من الصياح/قذفن للأرض بما جمعنه/وأطلقن مع الرياح/سيقانهن/واختفين في دوامة من الصياح/
وبتراكيب لغوية مرنة، وخطفات جمالية بارعة تنهض الصور،أو تُضمر في نسيج النص،لتلتئم كشعشعات ذهنية تتسلل لجوف المخيلة.
ساعتان من الموت والبعث والانهيار/ ساعتان من البطء يمكن وضعها في إطار/قطرة..قطرة تنزل الثانية/بعد أن تتجمع من فجوات التمهل والانتظار
وتمضي عدسة تلك الرؤية الشعرية في تأمل مسترسل، ورصدراءٍ،لتقتنص كل لحظة اتصال ممكنة، فتغوص بها عميقاً لتستغور أبعادها النفسية والوجدانية.أوتنغتح بها على تفاصيل الخارج الاجتماعي البيئي، الممتد عبرالمدن والأرياف والدساكر، لتستدمجه بسعة في أفقها الإنساني الكوني العريض.
الباعة ملحاحون وحلافون/ولهم آذان تسمع رنة قرش في المريخ/هذا نوع في كل نواحي القطر تراه/جنس رحال منذ بدايات التاريخ/
علاوة على توظيف الثقل المشهدي في إحالات عميقة تلامس قضايا المعيش والضرم الحياتي،في محاولة للنفاذ لانسدادات الواقع اليومي وانسحاقاته.
تستفيق المدينة تغسل أسنانها /وتحدق في السقف سائلة/ كيف ينصرف اليوم؟
أو تستغرق في مكاشفة موجعة تندب الحال المعوز اليبوس، رغم سعة الأرض الفسيحة العامرة بالممكنات. وهي صورة تتراسل مع صلاح أحمداٍبراهيم وهو يزفر حسرته الحرى: “النيل وخيرات الأرض هنالك.. ومع ذلك.. ومع ذلك!”.
هذي الأرض الممتدة كالتاريخ/حبلى بالشبع وبالخصب المخضل/والناس هنا خيرات الأرض تناديهم/لا أذان تصيخ/
وتترى اللقطات في مشاهد متشاعبة، تختزن في مسامها صورة الوطن المقروح، ليستولد بها الشاعر دلالات إضافية للضنك الحياتي كما في صوغ مشهد الشمس القاسية عابسة الوجه.
يالنار تجلد وجه المدينة/تغرز وقد أصابعها الهمجية/في الماء والظل والسقف والباب/تحشرها بين خصاص النوافذ في كل حي/
وجدير بالملاحظة أن التشكيلات اللغوية بعباراتها المركبة تمثل أكثر من مجرد مفاتيح دلالية،فهي تحضر أحياناً كنواظم تنهض منها ركائز تعبيرية تقترحها شبكة العلاقات الدلالية، والجريانات التحتية العارمة،التي تعبئ اللغة بطاقات مؤثرة سابرة:
(عيوناً تعرف لون الذئب الرابض للقطعان)،وحيث القمر العابث (طول الليل يستغوي الحقولا )، والحزن المكتهل وهو يغدو (بارد الدمع مستنفد العبرات). أو حين يخاطب المجذوب(برحيلك ينفصل الجمر عن صندل الشعر)،أو يصف أحضان الأم(رحبة المثوى مطيبة الجناب). والهوى الذي (مد الجذور إلى حنايا الأرض).ومكابدة جاثوم الاستحالة(حيث تنبعج الروح بالخوف واليأس)،والحبيبة التي هي(أبعد من خطرات الخيال..وأقرب من دعوة مستجيبة). وذاك الذي(لم تعلمه عن قوة الجاذبية تفاحة ساقطة).و(الكينونة الممسوحة القسمات)،و(ضرس الإيمان الضارية الصلدة)،و(كل ما تنفك عنه شرانق الزمن الوهوب). وكذلك في تجسيد وترهين النضال الأكتوبري المحتدم (تفجر الغاز البذيء على العيون مدامعا)، (وتوحش البارود لعلع في الجباه وفي الرئات وفي الصدور).
وتستفحل زحزحة اللغة عن مواضعاتها عبر النصوص لتطلق مباغتات جمالية، مكتنزة الدلالة،تتوهج بإفاضات تغامز العقل، وتؤنس الروح .
(الانخذال النبيل)،(الكذب الرءوم)،(الصمت الحرون)،(الحق الأنوف)،(الوهج الجاسر)،(طراوة الذهول)،و(هشاشة البكاء) و(جهشة الضوء).
ويظل الشاعر حريصاً على إطلاق المفردات من محابسها الإنشائية الضيقة،والانعطاف بها عن الدروب المطروقة والبيادر الحصيدة، بانفلاتات تخترق مألوف العلاقات النحوية والدلالية، لتوسع ممكنها،وتذخرها بتأويلات سخية،وحمولات تأثيرية وجمالية تملك أن تطبع شارتها ودمغتها الخاصة في ذاكرة الشعر ومزاجه.
ولنراقب كيف يتحالف الإلحاح الجمالي مع الجدة والابتكار، مصرماً روابطه مع كل ما يتخثر في شرايين اللغة،خاصة في تجليات وصف الحدائق ثجاجة الأخيلة والصور. حيثلا يكاد أزميل الدهشة المثابر يكف عن نحت صوره البارزة الحية باستخدام مفردات بسيطة صافية لتشكيل عبارات مركبة كثيفة التضمين.
(الحدائق الواسعة العيون)،(النخيل الذي يسوي ضفائره.. ويرامق صورته في المياه)،(كان الندى يتهجد والورد يصحو)،(النحل أشبع كاسات الزهور قُبل)،(العشب في شفة النيل) و(نسمة صيف دامعة).
وصولاً لطقس الحديقة المهيب بشروطه الإنسانية الكونية:
تدخلون الحديقة بالسيف لا/ إنطقس الحديقة يأمركم بالتطهر قبل الدخول/والتوشح بالنور قبل المثول/والترفق بالعشب والكائنات الصغيرة/من أجل أن يتعهدكم بالقبول/
و تتوالى انسكابات الدلالة،والمعاني التي تُستزرع بعمق في حقل النص لتتبرعم شفافة طرية كما هي في حالة الاختباء المكتنز بالصور:
تختيئ الصدفة في منعطف الطريق/والعسل البري في الرحيق/وطائر الفينيق في الحريق/يختبئ الحريق في الشرر/يختيئ البستان في الوردة/والغابة في الشجر/
ويشف بلور اللغة وهي تتهيئ لارتياد مستويات تعبيرية وتأثيرية فارعة في المعارج العرفانية والصوفية، المكتوبة بجيشان رهيف لهيف، ومفردات راعشة يستودع فيها الشاعر رفة المحبة بين الضلوع،ورعدة التقى في الحس والروح.
مدينتك القباب ودمعة التقوى ووجه النور/وتسبيح الملائك في ذوابات النخيل/وفي الحصى المنثور/مدينتك الحقيقة والسلام/على السجوف حمامة وعلى الربى عصفور/مدينتك الحديقة يا رسول الله/كل حدائق الدنيا أقل وسامة وحضور/
وحتماً يبقى الكثير الذي لم تحط بههذه اللمحة الموجزة عن شعرية واسعة التخوم،مديدة الأفق تتطوف باللواهج العاطفية، واللواعج القومية، والغضبات الاحتدامية، والإفاضات الروحية، والأشواق العرفانية،فتتشبع المفردات بخزين الحس والحدس والتجربة، والرؤى والمعارف، وتتمازج بقوة لتغوص في طيات أعمق للرؤية،تلامس الحدود القصوى للمعنى.
على أعتابنا كان النهار يحك لحيته ويرمقنا سعيداً في توجعنا/ سعيداً باحتراق الوعي في الغيبوبة البيضاء/ لأن الكون حين نكف لا يبقى/ تموت نضارة الاشياء/ على أعتابنا يتفتت الدهر الكبير دقائقاً صدئت/وأسأمها طويل الدرب والإعياء/
lemyashammat@hotmail.com
/////////////