طلحة جبريل في قناتي الخرطوم والنيل :عندما يكون المحاوِر على قدر كبير من الذكاء. بقلم: الفاتح إبراهيم

(1)

بما أنني أحد الذين عملوا في أجهزة الصحافة والإعلام المقروءة منها والمسموعة والمرئية فترات كافية من الزمن في السودان وخارجه أملك بعض ما يمكنني من أن أدلو بدلوي في هذا الشأن .. غير أني هنا سأقتصر حديثي على التلفزيون ‪ودوره‬ كأحد أهم الوسائل الإعلامية حيث عملت في قسم الأخبار والإخراج  وعاصرت مرحلة ذهبية من عمره ..  ليس لأنه من أوائل التلفزيونات في البلاد العربية والأفريقية وهذا صحيح ولكن والأهم لأنه وفي ذلك الزمن السحيق (ستينيات القرن الماضي) وأنا هنا أقيس الزمن بمقياس التكنولوجيا الرقمية وسرعة تناقل المواد في عصر العولمة .. أعود فأقول في ذلك الزمن البعيد كان التلفزيون السوداني وبطاقم بشري طموح وإمكانات لا تقاس بما هو متاح الان ينتج أهم مواده الإخبارية والدرامية والثقافية وغيرها محلياً ثقة بالنفس وتأكيدا للأصالة .. ولا داعي هنا لتعداد وتسمية البرامج فهي كثيرة ولكن يكفي تسجيل الريادة والسبق والاستقلال .. ولقد كان لي والأخ أبو الحسن الشاذلي – على كثرة الفضائيات الآن تمددا وانتشارا – شرف تمثيل التلفزيون السوداني في أول إجتماع عقد في عمان الأردن تحت إشراف خبراء ألمان من تلفزيون برلين الغربية وذلك بهدف تأسيس القمر الصناعي العربي (Arab Sat) ..

هكذا كان السودان رائدا في كثير من المجالات ..

ما دفعني الى الكتابة في هذا الشأن ما شاهدته في ـ يوتيوب ـ من حوارات ذكية أجراها نفر من الجيل الجديد أعادوا العافية لهذا الجانب الهام من العمل الاعلامي بعد ان ألم به مرض النرجسية والنجومية ردحا من الزمن .. لقد أضرموا شعلة الأمل بعد أن ران على شرارتها رماد الكسل والإهمال وشيئ من انقطاع تواصل الأجيال .. هؤلاء الشباب الموهوبين عرفوا بفطرتهم النقية حقيقة بسيطة في إجراء الحوار وهي أن تركيز اللقاء ليس في المقام الاول على الذي يجري الحوار استعراضا للعضلات المعرفية وتضخيما للذات بقدر ما هو كيفية استخراج الدرر النفيسة من أعماق الضيف وجعل السياق وجو الحوار مريحا وأيضا محفزا للضيف نحو المشاركة الايجابية مما يفضي الي كل ما هو مفيد وممتع للمشاهد .. لقد أثبتوا في كل مجريات الحوار الذي نحن بصدده أنه عمل جاد ومسعى لا مجال فيه للعبث بذكاء المتلقي .. وأجرؤ وأقول – وأنا لم التق باحد منهم من قبل – إنهم وهم يتصدون لهذا العمل يسعفهم مخزون ضخم من الثقافة والدراية والعقلانية مما جعل الأمر يجري بين أيديهم بكل هذه السلاسة والبساطة، والبساطة بخلاف السطحية كما هو معلوم لا تتأتى إلا باختيار شديد ..  على أي حال ليس كل من يحاور يمتلك من الأدوات  التي تجعل من الحوار شيقا مبتكرا حتى يكون بمنجاة من مُراغة الجهل والملل والابتذال كما يحدث في معظم الأحيان .. وبعد فإن الحوار فن لا يجيده إلا من امتلك أدواته والقدرة على الإبحار في لججه ..

الحوار الجيد ينتج عن الحضور الواثق أثناء الحوار والتحضير الجيد قبله .. هكذا حاور الاستاذ خالد ساتي والسيدة حنان عبد الحميد الاستاذ طلحة جبريل بكل المهنية والتلقائية والسيطرة .. وفي حضرة قلم يُخبر وعقل يُبصر كقلم وعقل طلحة جبريل كانت الحصيلة كل هذا الكم الهائل من المعلومات والمحطات التاريخية المهمة .. ولولا ذكاء وفطنة المضيف لضاع كل هذا في دهاليز شوفونية وسماجة المحاور كما حدث في لقاءات كثيرة كانت فرصة للتوثيق مع آيقونات وطنية غادرت هذه الحياة ويحدث هذا في بلد حضارته شفهية يندر فيها التوثيق ..

من حسن الحظ لم تضيع الفرصة هذه المرة والشكر موصول لهؤلاء الشباب الأذكياء وساؤاصل تناول محتوى الحوار ..

الفاتح إبراهيم

كاليفورنيا – الولايات المتحدة

weddingofzein@sbcglobal.net

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor