ليست هذه المرة الأولى ولن تكون بالطبع الأخيرة أن تستبق حركة العدل والمساواة جولات التفاوض بعمل عسكري اجرامى تسعى من ورائه لدعاية إعلامية رخيصة وكسب سياسي محدود لتعزيز موقفها التفاوضي وتسجيل نقاط في مرمى الخصم مهما كانت النتائج ومهما علت كلفته ! . وهى كثيرة الخروقات لاتفاق الدوحة المبرم فيما عرف بمذكرة حسن النوايا ، لأن النوايا عند خليل إبراهيم أن يعاود أوهامه من وراء غزو أم درمان في ذات التوقيت من العام الماضي ، وقتل الأبرياء والأطفال والشيوخ والنساء بمفهوم العدل والمساواة !. خليل يستهدف قوات مناوى في مناطق التخوم ويستعدى أطراف عديدة داخلية حتى يصور أن حركته هي الموجودة على الميدان دون سواها ، وأن بقية المجموعات لا تعدو أن تكون حركات انترنت كما وصفها !. حركة العدل بنت أحلامها على تبعات ما بعد قرار الجنائية وظنت أن تداعيات القرار ستصيب الحكومة بالشلل والربكة ، وعليه بإمكانها أن تكون هي الآلية الضامنة لتنفيذ القرار كما وعد رئيسها ، وقد جاءت تصريحات مسئوليها على هذا النحو إلى أن تبخر القرار من حيث المنظور السوداني وأكسب الحكومة والسيد رئيس الجمهورية وفاقا وطنيا على رفض القرار لم يكن مسبوقا ، عززته الإرادة العربية والإفريقية وأفرغته من محتواه إلا من اهتمام ولهث أوربي خاصة من قبل فرنسا التي تجتهد في حماية ما تبقى لها من مستعمرات ومصالح في المنطقة عبر دعمها لتشاد وهى التي تحتضن عبد الواحد وتغرى بخليل لارتكاب مثل هذه الحماقات على أمل إحياء موات الجنائية ومنحها فرصة جديدة لممارسة مسلسل الضغوط والمساومات . السياسة التي تنتهجها حركة العدل والمساواة باستدعاء العمل العسكري الخاطف وفتح أكثر من جبهة ومحور عبر موجات تصاعدية لا يعدو أن يكون من قبيل الاستنزاف ، ولن يحقق أي نصر عسكري ولن يسعها السيطرة على قرية دعك عن مدينة أو موقع حيوي أو استراتيجي ، هذا المنهج البالي في الخطط العسكرية (Fight & Talk ) جربته الحركة الشعبية دون طائل ولن تقوى عليه حركة ليست هي الوحيدة في الميدان وليس لها من القبول والاعتراف المحلى ما يمكنها من السيطرة وفرض الشروط ، ولها من الخصوم ميدانيا غير الحكومة من يعملون ليل نهار على دحرها وتمزيقها ، ولم تعد الدوافع والأجندات الخارجية التي تحيط بهذه الحركة بخفية وكل خطوط الإمداد والإسناد والدعم تأتيها عبر الحليف التشادي وشركائه الأوربيون !. والذي يتابع هذا الصراع يدرك كيف عملت تشاد في السابق لتحييد نظامها وعدم التوغل في النزاع مهما استدرجت وكيف هي تتدحرج الآن بالإغراء الأوربي لتصبح طرفا أصيلا في المعارك التي تجرى على الأرض وكم نبهنا لخطورة هذا التحول في مواقفها على مستقبل العملية السلمية ليس على صعيد دارفور فحسب وإنما سائر امن الإقليم . وبالأمس القريب جربت العدل والمساواة التمركز في مهاجرية والسيطرة عليها وكيف كانت ردة فعل القوات المسلحة ، والآن هي توالى الهجوم على منطقة أمبرو قبيل أيام معدودة من بدء الجولة الثالثة في الدوحة ويقيني أن رد فعل القوات المسلحة سيكون أكبر واعنف مما كان في السابق لاعتبارات تتجاوز النصر العسكري المحض لما هو أبعد خاصة الأطراف التي تقف خلف هذا الهجوم خارجيا وتغذيه في هذا الظرف !.لقد كان جليا لمن يتابع انخراط أوربا عبر بعض الدول المكونة لقوات (يو فور) والمتمركزة في تشاد ، وهى ذات الدول التي تحرك مخطط الجنائية وتمنحه قوة دفع جديدة ، أنها هي من بادرت لإعلان هجوم العدل والمساواة على القاعدة العسكرية للحكومة بمنطقة أمبرو ، وهى التي قالت أن المدينة سقطت في ايدى التمرد وأنه قد أحكم سيطرته عليها ، والاتحاد الافريقى والقوة الدولية المرابطة معها في الجانب السوداني لم تستطع الوقوف على حقيقة ما يجرى أو هي تتردد !. ولم تكن الغاية التنديد بهجوم قوات خليل على الحكومة لأن هذا بمنظورهم عملا مشروعا وثوريا !، لأن الطرف الأوربي مهموم بتسجيل نصر عسكري سريع لصالح خليل وهو الذي ينسق معه ويتحرك بإمرته ويعمل لأجل عودة المنظمات الأجنبية المطرودة إلى السودان ، وهو الذي يتعاطف مع القتلة من قوات خليل ويستنكر محاكمتهم على ما اقترفوه من جريمة ماثلة الشواهد ، وهو الذي يلهب حريق الجنائية الذي انطفت جذوته وخبت ناره التي أشعلتها فرنسا وبريطانيا وأمريكا إلى جانب إسرائيل !؟. ولعلنا تابعنا كيف كانت ردود الفعل الأوربية عندما يكون الطرف البادئ هو الحكومة ، كيف كانت تصور ذلك وتسوقه إعلاميا من قتل للمدنيين وتعطيل لعمل الإغاثة والمهام الإنسانية ، وكيف توالى حملاتها للتشويش على حركة الدولة وبرامجها عبر المنظمات الأممية لأجل العقوبات والحصار ، هذه هي معايير الغرب في إذكاء الصراع ودعم التمرد في دارفور !. وهى نفس المعايير التي تسوقها داخليا عبر الحركة الشعبية وابتزازها وتعطيلها لسير تنفيذ اتفاق السلام الشامل عبر الاعتراضات الواهية على القوانين بالبرلمان ، وما تعمد إليه من إحياء للتجمع الديمقراطي من خلال جهود فاروق أبو عيسى ( الترابية ) لنبش نعشه بعد موات طويل ، ودعوته إلى تشكيل حكومة انتقالية لإجراء الانتخابات ، في اغرب مناشدة لا تراعى ابسط مقومات الاستقرار بالبلاد وما يستلزمه من مال وتدابير لحل الحكومة الاتحادية و25 حكومة ولائية بمجالسها التشريعية !؟ . الحكومة القطرية تبذل جهودا مقدرة وحثيثة وكذا الوسيط المشترك باسولى لأجل استعادة الأطراف إلى مائدة التفاوض ، وجولة وزير الدولة القطري بن عبد الله للسودان وليبيا وتشاد تؤكد صدقية نواياهم وفهمهم العميق للمشكل والتداعيات التي تحيط به . ولكن التباين في الموقف الأمريكي الداعي لاستعادة الحوار واستكمال مطلوبات الاتفاق ( ظاهريا ) يتصادم والتوجه الأوربي بقيادة فرنسا التي تصعد من العمليات العسكرية وتدفع بتشاد إلى المواجهة لأجل فتح جبهة مباشرة ترفع من أسهم خليل ويمكن من خلالها ممارسة المزيد من الضغوط وإبرام صفقة تعيد حلم الجنائية إلى الواجهة !. وربما كان ذلك من قبيل تقاسم الأدوار بين أمريكا والغرب في استدعاء هذه المحاولة والجولة الثالثة على الأبواب لاختبار القدرات الحكومية في الصمود وإبداء التنازلات فتغرى تشاد بتصعيد القتال تحت ستار متابعة فلول المعارضة التشادية وهى في حقيقة الأمر مساندة واشتراك عملي مع قوات العدل والمساواة بتخطيط أوربي وريادة فرنسية بحسبانها المستفيد الأكبر من تفجير الأوضاع وزعزعة الاستقرار في دارفور وحدودنا الغربية مع تشاد . وحيال هذه الأجواء المتوترة لا يمكن إيجاد أي تسوية سلمية مع تشاد رغم الاتفاقيات الكثيرة التي أبرمت وآخرها في قطر مطلع هذا الشهر . كما لا يمكن التوصل إلى وفاق مع العدل والمساواة ويدها في القتال وهى ترجح كفته دون تحقيق نصر عسكري ، ولكنها تخدم الأهداف المرسومة لفرنسا وتترك للغرب تحديد الوجهة التي يمكن أن ينتهي إليها اجتماع المبعوثين الخاصين للدول دائمة العضوية بمجلس الأمن والاتحاد الأوربي بالدوحة بالتزامن مع هذه الجولة !. الآليات التي وضعها اتفاق الدوحة لم تكن كافية لمراقبة ومعاقبة من يسعى لتمزيق الاتفاق وإضعاف خصمه . وما لم تكن هنالك آلية لتحييد تشاد في النزاع والأطراف الغربية التي تساندها والتمرد وكذلك معاقبة العدل والمساواة لارتكابها هذه الخروقات وتهديد السلم والأمن في المنطقة ، وسعيها المتصل لتدمير أي بادرة للسلام ، لابد أن يظل الباب مفتوحا على مصراعيه لقواتنا المسلحة لاتخاذ ما تراه من خيارات مناسبة تعيد الأمور إلى نصابها مع تشاد ، وترجح ميزان القيادة والسيطرة لصالحها وقطع الطريق أمام العبث الفرنسي الذي عجز عن تجيير الجنائية واستعادة قدرتها على فرض الواقع الذي رسمته دول قرارها . هذه التحضيرات التي تجرى لعقد الجولة والقتال على أشده ، والمنتهك لوقف إطلاق النار معلوم ويجاهر بنواياه التي تساندها الأفعال تبقى الجولة عديمة الأهمية وبعيدة عن تحقيق مطلوبات السلام والاستقرار في المنطقة ، بل ربما تضحى هذا المبادرة وكأنها توقع على تصعيد القتال واستشراء الحريق وهى تقف على حقيقة من يحرك هذه الجبهة ويعمل على انهيار تراتيب السلام وإعلاء سقوف الحرب !. إن كانت قطر تعلم ذلك وتقف عاجزة مع الجهات الأخرى المشاركة في تحديد المسئولية و مخاطبة الموقف بما يستحقه تبقى الوساطة قد تراجعت إلى سنوات بداية الشرارة الأولى ، وان كانت تجهل هذه الحقائق أو تغض الطرف عنها لإيهامنا بسلام هذه أشراطه يمكن أن يولد في ظل التصعيد العسكري ولى الذراع والتعنت في مواقف خليل والوهم الذي تكرسه باريس في عقلية عبد الواحد تبقى خيارات السلام بعيدة المنال من قطر ، وأجواء الحرب وخياراتها كانت مع تشاد أو التمرد ومن يدعمه هي المرجحة ، ويتعين إعداد العدة لها إن كنا نروم سلاما حقيقيا !! .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم