على من يكذب الصادق الصديق (4-10) .. بقلم: عمر التجاني

 

وانتفض الشعب في ثورة مارس العظيمة 1985 ليطيح بحكم مايو والدكتاتور نميري. وتعود الديمقراطية هذه المرة والحرب يشتد أوارها في جنوب البلاد وننعم مرة أخرى بنسائم الحرية ونتنفس ديمقراطية وفاز حزب الصادق الصديق في الانتخابات شاركه فيها الحزب الاتحادي الديمقراطي والجبهة القومية لتحل ثالثة ويعود ذلك لعدة أسباب، أذكر منها تواطؤ سوار الدهب معها. امتلاكها للمال فقد أصبحت الحركة قوة اقتصادية كبيرة. والسبب الثالث ضعف الحزب الاتحادي الديمقراطي . وللمملكة السعودية دور هام في منع مرشحي الأحزاب الأخرى من عرض برامجهم للناخبين في دوائر الخريجين مما هيأ للجبهة الإسلامية أن تحتل المرتبة الثالثة.
لم يصدق الصادق الصديق أن حزب حليفه الاستراتيجي الترابي قد فاز فسرعان ما أعلن تشكيل حكومة ائتلافية من ثلاث أحزاب ليصبح رئيسا للوزراء ثم اختار الصادق الصديق صهره وحليفه ونقيضه وصديقه وعدوه الدكتور الترابي وزيرا للخارجية رغم سقوط الترابي في دائرته الانتخابية .
لم تسر الأمور كما يشتهي الصادق الصديق فسرعان ما أنتبه الشارع السوداني لخطورة ذلك الحلف الشيطاني فقامت مظاهرات السكر الشهيرة وراح ضحيتها مواطن أصابه طلق ناري مجهول المصدر وفيها قال أحد معاوني الصادق الصديق قولته التي سارت بها الركبان (( البلد بلدنا ونحن أسيادها)) من المحزن أن تصدر مثل تلك الكلمات التي تنم عن عنجهية لا تناسب الديمقراطية البتة. وبدأت المناكفات القاتلة فخرج حزب سيدي من الائتلاف الثلاثي ليكون الصادق حكومة مع غريمه الترابي. وبدا الشارع السوداني كأنه في حالة ثورة مستمرة وضاق الصادق زرعا بتلك الثورة المستمرة فاخذ يطالب بصلاحيات واسعة تجعله أقرب للدكتاتور منه لرئيس منتخب ديمقراطيا. غير أن الجمعية التأسيسية لم ترضخ لطلباته. وما طفق يأتينا بغريب الألفاظ المنتقاة من المعاجم العربية والأجنبية لشعب تمثل الأمية فيه أكثر من ثلثي سكانه بل أن بعض سكانه لا ينطقون العربية أصلا. والحرب مستعر أوارها في جنوب بلادنا الغالية وتمت عدة مقابلات بين حركة قرنق وبين الحكومة باءت كلها بالفشل وبين بعض الجهات غير الحكومية وكلها تماثلت للنجاح, غير أن العقبة الكئود دوما كانت هي الصادق الصديق. والمثال المحزن هو اتفاقية السلام السودانية المبرمة بين الميرغني وقرنق. فيبدو أن الصادق لم يكن يتوقع خروج المليون مواطنة ومواطن بتلقائية بل وبحماس شديد فرحين بهذا الانتصار الكبير للسودان. ولربما أغاظه. فأخذ تارة يذمها؛ وتارة يتجاهلها ومرة أخرى ينقب فيها عن عيوب محتملة.وبدلا من يقبل تلك النعمة التي عمل لها نفر من بني جلدتنا بجد واجتهاد أخذ يتلكأ ويتباطأ في قبولها بزعم إنها كثيرة العيوب مع أن تلك الاتفاقية لم تكن تحتوي على كم هائل من الاستحقاقات. وتفاقمت الأمور وتملل جيش البلاد القومي وأرسل رسالة واضحة للصادق الصديق لكي يترك ويدع التلكؤ ويسير قدما في طريق السلام.
وأخيرا رضخ الصادق الصديق لإرادة الأمة على مضض. ولكنه أسرها في نفسه فما تراه فاعل؟ وجاءنا كعادته بلفظ فمن المعلوم انه صاحب اختراعات نيرة في صنع الجمل فأنبت كلمة مثيرة للضحك المؤلم يصف بها الاتفاقية (بخروقاتها). ورضخ أيضا لمطالب الجيش بتكوين حكومة قومية وأيضا على الرغم منه. فما كان له من خيار آخر.ولم تعمر حكومة الوحدة الوطنية كثير ولكنها أرغمت الصادق الصديق على قبول الاتفاقية والتوقيع عليها وحدد يوم التوقيع في الرابع من يوليو على أن يقوم المؤتمر الدستوري في شهر ديسمبر من عام الكارثة 1989 وكما تعلمون كان هناك من يتربص بالسودان ويعمل في الخفاء حتى لا يتم لا التوقيع على الاتفاقية، ولا المؤتمر الدستوري وتلك قصة أخرى محلها ليس هنا.
في ليلة حالكة الظلام طفت أبشع أنواع المهازل في تأريخ بلدنا.تحركت مجموعة من قطاع الطرق لا علاقة لها بجيش بلادي وباسم قوات الشعب أذاعت بيانها الأول على الرغم من المشتركين في المؤامرة ليسوا من أفراد القوات المسلحة. كان الصادق الصديق يعلم تماما العلم بالانقلاب ليس هذا ضربا من بهتان الرجل ولكنها الحقيقة فقد قال بها عراب الانقلاب وقال بها الراحل أحمد سليمان، وقد نشرت مجلة الدستور اللندنية في عددها الصادر يوم الخميس 3 اكتوير من عام1988 أي قبل الانقلاب بتسعة أشهر خبر مفاده أن الجبهة القومية تعد لانقلاب بقيادة العقيد عمر حسن البشير لصالح الترابي فقد كان وقتها عقيدا.و وقد قال بها عبد الرحمن فرح رئيس جهاز الاستخبارات في عهد الصادق الصديق الحديث مبذول لكل قارئ بالانترنت. يحاول الصادق الصديق دوما إنكار معرفته بالانقلاب وهو أمر أيضا لا يحمد له فقد كان الكبير والصغير يعرف أن أمرا يدبر فكيف برئيس البلاد، أوليس لحزبه جهاز مخابرات؟ ناهيك عن مخابرات الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى. ويقود هذا إلي أن الصادق الصديق كان يأمل أن يكون له دور في حكومة تعطيه دورا أكبر وبصلاحيات أوسع.والصادق الصديق حينما تم اعتقاله وإجلاسه على كرسي بثلاث أرجل وجد معه خطاب للسيد رئيس المجلس العسكري (لثورة الانقاذ) يطرح فيها رؤيته على حد زعمه. لم أحصل على نسخة من الخطاب
الصادق الصديق وجد فرصة لا تعوض وصل للسلطة بزخم غير مسبوق وبثلث مقاعد الجمعية التأسيسية، فبدلا من العمل على حل مشكلة الجنوب وتثبيت الديمقراطية ووضع أسس للتنمية المستدامة بدلا من هذا عمل على محاولة تثبيت سلطانه ولو على حساب الديمقراطية. وأحذ يلح في توسيع سلطات رئيس الوزراء.

otig@outlook.fr

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً