في يوم أحتفظ به بتقدير عميق، تفقدت بريدي الإلكتروني كعادتي، فوجدت رسالة لطيفة بلغة رصينة ناصعة، مذيلة بتوقيع متواضع: د. حامد فضل الله. لم تكن بيني وبين الكاتب معرفة سابقة؛ كل ما في الأمر أنه قرأ لي مقالًا منشورًا على موقع سودانايل الإلكتروني، كان عن قراءة نقدية لرواية، فبادر بمراسلتي في لفتة ساحرة.
كان في رسالته ودودًا، وفي نبرته همس من رقة الآباء، وحملني بإهداء جميل؛ إذ أرسل إليّ، مع ابنة أخته، ثلاثة مجلدات من مؤلفاته، كان “مدارات الذاكرة” أحدها. تلك الهدية حملت في طياتها ثقة صامتة، واهتمامًا عابرًا للمسافات.
يقيم الدكتور حامد فضل الله في برلين، وهو طبيب متخصص على المعاش، لكن حضوره في هذه التجربة حضور إنساني دافئ ووقور.
أكتب عادة عندما يعتريني الألم، وأميل أحيانًا إلى كتابة مراجعات أحتفظ فيها بذاكرة الكلمات المضيئة، غير أنني قلّما أكتب ابتهاجًا بحدث. لا أدري، أهو ميل إلى الألم أم صدق النجوى وتفاصيل المنفى؟
ورغم أن البهجة مسعى نركّز فيه على تفاصيل صغيرة تزرع يومنا بحلمٍ بهي، إلا أنها تبقى عابرة، ما دامت الشهقة تتبع الزفرة، في تماس جميل مفعم بالحياة والحنين.
على مقربة من الحلم، وأنا في شقتي الكائنة بالقاهرة التي تنعم بصخب الحياة وبهجتها، حملتُ كتاب “مدارات الذاكرة”، وهو قراءة ومراجعات في الأدب والفكر السوداني والألماني، تمثل ذاكرة الطبيب حامد فضل الله. يقع الكتاب في نحو ثلاثمائة صفحة، وصدر عن دار بدوي للنشر والتوزيع ٢٠٢٤.
لا أنكر أن قراءتي، رغم حبي للاطلاع، تميل إلى الرواية، وأجد فيها منهلًا خصبًا للمعرفة، تقدم الحياة بسرد آسر. في البدء تصفحت الكتاب على عجل، وقلت في نفسي: “كيف أقرأ هذا؟”، ثم تركته على منضدة بجانب سريري.
ومنذ ذلك الحين، صار جزءًا من المشهد اليومي؛ أنظر إليه كلما تقلبت في نومي، وكلما خرجت من غرفتي وعدت إليها. كان يقابلني بغلافه الأخضر، كدرويش ينتظر حضرة.
ثم جاءت أيام انشغلت فيها مع أبنائي عن كل شيء، ولم يتبقَّ من ذاكرتي سوى العنوان، يعانق عقلي كلما تعثرت أحلامي في ليلٍ بهيم… حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها.
وفي نهارٍ لا يخلو من رطوبة وحرارة كنا قد اعتدناها في وطننا السودان، كنت قد أديتُ فريضة شاي اللبن بقطعة كيك، وكوب ماء بارد، وبعض فضولٍ وترقب. مددتُ يدي في خشوع، وحملتُ مدارات ذاكرة د.حامد فضل الله.
ولأنني حديثة عهد بقراءة المجلدات، وضعتُ بصري على صفحة عشوائية من منتصف الكتاب. كان عنوانها: شرق وغرب. كان المقال نزهة صيفية إلى بحيرة قريبة من مسكن الكاتب، تؤنسه فيها رواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال. دار نقاش لطيف بينه وبين أستاذة مادة التاريخ بجامعة برلين، حول الشرق والغرب والهوية، وكان الطيب صالح حاضرًا بينهما ببراعة.
انتهى المقال، فتوقفتُ برهةً اختيارية أُعيد فيها ترتيب أنفاسي. أغلقتُ الكتاب باحترام، ثم عدتُ إليه من جديد، أطوف بذاكرةٍ ملأى بالحب والتقدير للوطن.
تنقلتُ بين مقالاتٍ تُخلّد ذكرى راحلين مقيمين: الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، والروائي والشاعر العراقي صبري هاشم. ووقفتُ عند كلماتٍ تُوقد شمعات على بحوثٍ رصينة رأت النور، وأخرى لم ترَه بعد، مثل ما كتب المريد البرليني د. أمير حمد، وعبد المنعم عجب الفيا في كتابته النقدية الجادة.
كما قرأتُ مراجعاتٍ لأزمنة الريح والقلق والحرية، لد. حيدر إبراهيم، في ميلاد نشأةٍ وتطورٍ واغتراب، وهموم تغيير فكرٍ اجتماعي.
وكان أكثر ما أعجبني المقال المعنون: عبدالله النعيم والحضور اللافت والمتواصل في برلين. مقال رقيق المشاعر، فائض بالإنسانية والثقة. ومنه هذا المقتطف:
“حضر إلى عيادتي أثناء ساعات العمل، من دون ميعادٍ سابق. دخل مكتبي تتقدمه الممرضة، وضع جهاز الحاسوب وأوراقه على الطاولة، مبرزًا بطاقته الشخصية…” بهذه البساطة السردية يتقدّم حوار عميق في متن الكتاب.
وقد كان النصيب الأكبر من ذاكرة الطبيب يتكئ على الطيب صالح: حياته، ذكرياته، قلقه، ترجمة أعماله حتى مماته، ثم ما كُتب عنه من دراسات، وحضوره في ذاكرة الأوروبيين.
مدارات الذاكرة كتابة رشيقة، تدور بنا في كنف رجلٍ مثقفٍ ورقيق؛ متواضعٍ ورصين، جزيلِ القول والمعنى.
أستحضر كلمات أمي عليها رحمة الله حين كانت تقول: “فلان استفاد من تعليمه، وهذا مهذب”. وكانت ترى أن ثمرة التعليم ليست إلا تواضعًا جمًّا، يرافقه عطاءٌ وحبُّ الخير.
وها أنا أُكمل قراءة ذاكرةٍ أنيقة؛ بين مقالات الكاتب ومقدمة بروفيسور أحمد إبراهيم أبوشوك، حيث وجدتُ مساحةً عامرةً بالمعرفة والود.
أقف نصف شاردة، بين هويةٍ تسكن تفاصيل كل سودانيٍّ مهمومٍ بحب وطنه، وأحاول كتابة بضع فقرات، لعلّها تحمل امتناني لصدفة الحياة، لما راق لي وأدهشني.
إلى د. حامد فضل الله: شكرًا على ذاكرةٍ جمعت سودان الأمس، وهوية الماضي، ورؤية المستقبل، بمعرفةٍ خصبةٍ، وأمنياتٍ نأمل أن ترى النور.
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com
