عن اللغة السردية في الرواية السودانية .. بقلم: عيدي صمويل
29 أكتوبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
129 زيارة
“إن الرجل الاسود هو إنسان الطبيعة كما قال الكثيرون. فهو يعيش مع أرضه ومن أرضه بشكل تقليدي . . إنه إنسان حسي متفتح الحواس، لا يقبل الوساطة بين الذات و الموضوع . . لكنه يقبل كل شيْ أنغاماً و روائح، إيقاعات، أشكال، الوان . . إنه يحس الاشياء أكثر مما يراها” (1).
ليوبولد سنغور
(1)
هذا المقال، محاولة لمناقشة لغة السرد و الحوار في رواية (حوش حمد) للكاتب محمد سعيد شُلَّي. وهي رواية صدرت عام 1995 عن مطبعة الالوان الحديثة. سيرة المؤلف كما وضح على الغلاف، هو انه من مواليد الغابة بشمال السودان، له مجموعة قصصية بعنوان “الضريح” و ترجم للعربية مختارات من القصة القصيرة الافريقية و كاتب مقال ايضاً. الرواية المطبوعة شعبياً كما تبدو، تقع في خمسين صفحة، مع خمس قصص أخرى في كتاب متوسط الحجم في67 صفحة.
(2)
سينطلق المقال من تساؤلات عن طريقة توظيف اللغة في السرد بغرض عكس شفرات ثقافية محددة و التعبير عن المكون الثقافي للشعب المنتج. و جدوى التوليف بين اللغة المعيارية في السرد و اللغة الحية (تفادياً للاستخدام مصطلح العامية) في المجتمع المُصدر للنص، حتى نضمن ان النص أدبياً و إجتماعياً ايضاً. يحاجج المقال ان توظيف المفردة الثقافية في النص ضرورة بشرط ان تضفي على النص بعد جمالي و ثقافي مميز . في مجال الالسنيات، حُسم مسألة طبيعة اللغة جزئياً، و هنالك إتفاق على إنها، ليست مجرد وسيلة تواصل بريئة، بل ناقل للشفرات ثقافية تميز متحدثها عن الاخر المطلق. و هذا ما تفرغت الالسنيات الاجتماعية Sociolinguistics لدراسته منذ سنوات. و يدرس بعض فروع الالسنيات الان، كيفية تشكيل اللغة للفكر و العكس. إذاً، اللغة كحاضن للثقافة و معبر عنها مسألة خارج دائرة الجدل في معظم الاوساط الاكاديمية المهتمة باللسانيات الان.
(3)
في كتاب نماذج من الادب السوداني، جاء في المقدمة ان إحدى الاهداف المرجوة من الكتاب، هو التأسيس لادب سوداني الروح، منتوج لا يخفي على قارئه من الوهلة الاولى إنه من السودان. و في مؤانسة موثقة (2) مع الشاعر و القاص عادل القصاص هذا العام، عبر عن رفضه للتعارض المفروض بين العامية و الفصحى، بحجة ان الفصحى قبل كل شيء، كانت عامية في زماناً ما و يتحدث في إطارٍ ضيق، و دعم موقفه بنص شعري سوداني المفردة و الروح.
“زولاً سَرَب سربة
خلا الجبال غربا
أدوني لي شربة
خلوني النقص دربا”.
بعد شهور من هذه الجلسة، وجدت الرواية الصغيرة Novella للكاتب محمد سعيد شُلَّي، ليدعم الموقف المذكور للقصاص، وما دعى له كاتب نماذج من الادب السوداني.
طالما أثار مسألة لغة الحوار في الرواية جدلاً بين كتاب العربية في العقود الاخيرة، بين فريق يرى في توظيف العامية في الحوارات بين الشخوص الروائية ضرورة لعكس التباينات الاجتماعية، الثقافية و النفسية بين الشخوص، و فريق أخر يرفضها خوفاً على ما سموها بمستقبل العربية الفصحى، خصوصاً و ان الاعمال الادبية مع مرور الوقت، تخدم كتراث لغوي و ثقافي في ان. الرواية موضع المقال، تجاوزت جدلية توظيف العامية والفصحى في الحوارات، إلى إستخدامهم في السرد دون إظهار الازدواجية. إن كانت الازدواجية “عبارة عن صراع بين تنوعين للسان واحد، أحدهما عالي التصنيف لكنه غير شائع، والآخر دون ذلك ولكنه عام وشائع(3) مما تضعها في إطار مختلف عن الثنائية اللغوية التي يُعبّر عنها بالمصطلح اللاتيني “Bilingualism”، فان في النص الروائي (حوش حمد) لا تُشكّل الازدواجية صراعا -أو تقابلا- لغويا داخليا بين الفصحى والعامية بطريقة تظهر فيه العامية بوصفها تفرعا لهجيا للأولى، بل طبيعي و لا تختلف عنها، و الاهم، مؤطرة ثقافية و وجدانياً.
(4)
(حوش حمد) الرواية التي اعتبرها الان الانموذج في السرد المأصل ثقافياً، لا تعكس فقط المحمول الثقافي عبر إيراد مصطلحات عامية تسربت للعربية نتيجة التفاعل الثقافي بين النوبية و العربية، بل تلغي التعارض المزعوم بين اللغة المعيارية و غيرها. يسرد الراوي “جلس على التكم (3) و قلبه يكاد يطير من الفرح . . رفع عصاته و حث الثورين على الحركة حتى يندفع الماء في الجدول فسمع صوتاً ينطلق فجأة من الكوديق (4)، رأى قرموطاً ضخماً في حجم تمساح عشاري يسد بجسمه جدول الكوديق، تداعى الرجل من مكانه من شدة الخوف”.
أيّ محاولة هنا لابدال (التكم) و (الكوديق) بالفاظ عربية كانت ستنعكس سلباً على روح النص، بل و قد ينتج عنه إغتراب النص عن بيئته الثقافية. أو ترديد احدى الشخوص لاغنية غزلية في محبوبته:
“إن كتفوني أنا بالحبال
وإن رموني أنا قفا الجبال
ما بسيبك يا وقية (5) ما بسيبك يالخدار”.
(5)
من الشائع ان نجد تشبيهات في الرواية السودانية لا تمت بصلة للجغرافيا و المورفولوجيا السودانية، في (حوش حمد) نجد وصف شخصية لبنات القرى المجاورة بالقول “إن بنات قريتنا أجسامهن ناعمة كالسعدة (6) و بنات القرية المجاورة أجسامهن خشنة كالحلفاء (7). فأي وصف أبلغ و أصدق من هذا؟! واي خيال هذا الذي يصور مشهد بديع و جميل كالمقطع التالي: “تنفست السعداء عندما رأيت أبي يعيد منجله إلى الارض بعد أن حك به ظهره و تلاشى خوفي من إحتمال ذبحه لنفيسة أو ذبحنا معاً . . سعل بشدة فأهتز العنقريب من تحته و أنقطع حبل ثان و تدلى بجوار الحبل الأول و كان الحبلان يتأرجحان كصوفي منتشي”.
___________________
متن و حواشي:
(1) ليوبولد سنغور، في كلمة على شرف تكوين إتحاد الكتاب السود.
(2) تنزح، توثيق لمؤانسة مع القاص و الشاعر عادل القصاص، تحرير مجاهد الدومة، جيل جديد، عدد 1 أكتوبر.
(3) (التكم) المقعد الذي يجلس عليه سائق الساقية.
(4) (الكوديق) كلمة نوبية تعني بئر الساقية.
(5) (وقية) تشبيه بوقية الذهب.
(6) (السعدة) عشب ناعم الملمس.
(7) (الحلفاء) حشيشة خشنة الملمس توجد في المناطق الصحراوية.
eidesamuel@gmail.com