عن ثورة 25 يناير: واخد بال حضرتك ! … بقلم: د. خالد محمد فرح

Khaldoon90@hotmail.com
يكاد معظم المراقبين والمتابعين والمحللين يجمعون على أن التحول الدراماتيكي الهائل الذي حدث في مصر بتاريخ الخامس والعشرين من يناير من عام العجائب الحالي 2011 م ، قد مثل انقلابا جذرياً ، وثورة حقيقية ، وتحولاً جوهرياً عميق الأبعاد وغير مسبوق البتة في تاريخ مصر السياسي والاجتماعي المديد ، وضارب الجذور في أعماق التاريخ.
ويتظاهر أولئك المراقبون والمتابعون والمحللون على أن السر الكامن من وراء هذا التحول ، أو بعبارة أخرى ، أن الرافعة الأساسية ، أو القوة المحركة الرئيسية لتلك الثورة ، هو ذلك التحول الكبير الذي حدث في ذهنية ، وطرائق تفكير وتعبير وتصورات الأجيال المعاصرة من الشباب المصري ، الذي كان هو صانع هذه الثورة المظفرة بامتياز ، وبشهادة الجميع.
ويبدو لي من خلال ملاحظتي الشخصية – وربما كانت تلك هي أيضاً ملاحظة أناس كثيرين غيري – أن ذهنية الشباب المصري المعاصر وصانع الثورة ، هؤلاء الشباب الذي يمتازون جلهم بالحيوية ، والعفوية ، والاريحية في المخاطبة والتعامل الاجتماعي ، والبعد عن مظاهر التنطع والملق ، يبدو أن هذه الذهنية الجديدة والمتوثبة قد بدأت تنزع عن كاهلها نير التسلط والوصاية والبطريركية Paternalism  التي ظلت تسم المجتمع المصري العتيد ، وبمختلف مستوياته وطبقاته وهياكله وتنظيماته ، وتفارق تلك الروح الفرعونية المتنطعة ، وتخرج عليها الى حد كبير ، وذلك من خلال تغيير متئد ، وحراك سوسيولوجي تدريجي وتراكمي ومطرد ، ظل يعبر عن نفسه فكرياً وسلوكيا ولغويا على نحو متنام ، وبصفة خاصة خلال العقود الأخيرة.
وقد ظلت هذه المفارقة ، وهذا الخروج ، أو هذا ( التمرد ) إن شئت ، يتم بهدوء وروية ، ومن دون تشنج ، أو سوء أدب ، أو وقاحة ، بل عبر سلوك حضاري مهذب ، يتمسك صاحبه فحسب بحقه في الاعتراض وقول ” لا ” ، بجنان ثابت ورباطة جأش ، وفي وجه جميع أنواع ” السلطات ” ، سواء كانت سلطة زعيم أو نظام سياسي ، أو سلطة رب عمل ، أو رئيس مصلحة ، أو والد الخ.. متى ما اقتنع بوجاهة ” لا ” تلك ، ومتى ما كان ذلك لازما.
فلئن كان أفراد الأسرة المصرية ما يزالون يخاطبون أباءهم وأمهاتهم بلقب ” حضرتك وحضرتك ” بفتح التاء وكسرها على التوالي حتى يوم الناس هذا ، ولا يجسرون مثلا على مخاطبتهم بالضميرين ” أنت و أنت : على التوالي ، بخلاف الفرنسيين – على سبيل المثال – الذين يخاطبون الأغراب بصيغة الجمع vous   بينما يخاطبون آباءهم وأمهاتهم بصيغة المخاطب المفرد tu ، لآن المفروض هو أنه ليس هنالك تكلف أو حاجز بين الابن وأبيه أو أمه ، فلقد لاحظت على سبيل المثال ، أن الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية التي ظلت تعرض خلال العقدين الأخيرين ، قد جعلت تخلو في حواراتها من بعض الألفاظ والعبارت التي تنم عن تلك الروح والذهنية الواقعة تحت تأثير التراتبية والبطريركية ، والاحتفاء المفرط  بالصفات والألقاب ، التي كنا نشاهدها ونسمعها في أفلام ومسلسلات عقدي السبعينات والثنمنينات وما قبلهما من القرن الماضي مثل: لقب ” أبله ” للاخت الكبيرة ، و ” أبيه ” للاخ الكبير على التوالي. وهكذا  أضحى ما كان يعرف ب ” أبيه مصطفى ” في السابق ، مصطفى فحسب ، وأصبحت ” أبله أحلام ” سابقاً ، أحلام والسلام في السنوات الأخيرة.
هذا ، وشد ما ظل يثير عجبي واستغرابي في اللهجة المصرية ، والحياة الاجتماعية المصرية عموماً – والشيء بالشيء يذكر – سماعي لفتاة تخاطب رجلاً في احدى المشاهد السينمائية أو التلفزيونية أو المسرحية مثلاً ، بعبارة من قبيل: ” مع السلامة يا جوز بنت عمتي ! “. ذلك بأن زوج بنت العمة هذا في الثقافة السودانية مثلاً ، سرعان ما يندغم ويتم استيعابه في إطار الأسرة الصغيرة وربما الكبيرة لأصهاره ، وسوف يغدو للصغير منهم عما ، وللكبير منهم ابنا ، ولانداده من الذكور والاناث ومن هم في حكمهم أخاً ، وبالتالي فسوف يناديه الصغار ” عم فلان ” ، بينما سيناديه الكبار باسمه مجردا ، دلالة على طرح مؤونة التكلف معه ،و أنه قد صار بالفعل جزءاً منهم. وهم لا ينادونه بالتالي زوج اختهم او ابنتهم أو عمتهم الخ.. إلا في معرض تعريف الآخرين به ، أو الإشارة إليه أمامهم.
ذلك ، وكان مما قاله لنا المرحوم السفير تحسين بشير في عام 1987 م ، ونحن يومئذ في أولى عتبات السلك الدبلوماسي ، نمضي فترة تدريبية بالمعهد الدبلوماسي المصري بالقاهرة ، أن من أوائل القرارات التي أصدرها مجلس قيادة ثورة يوليو 1952 م ، هو إلغاء جميع الألقاب التي كانت سائدة قبل اندلاع الثورة ، وقد كانت معظمها ألقاباً تركية الأصل مثل: باشا وبك وبيه الخ ، والاستعاضة عنها جميعاً بلقب وحيد هو: ” السيد “. وذلك هو بالضبط ما ظل يجري العمل به في المخاطبات والمكاتبات الرسمية. ولكن تلك الألقاب الخديوية لم تختف مطلقاً في الواقع عن التداول في الاستخدام الدارج ، وخصوصاً عبارات من قبيل: ” يا سعادة الباشا ، ويا سعادة البيه “.
وهكذا ، وعلى ذات المنوال ، ظللت ألاحظ أن معظم الحوارات التي يديرها الشباب بصفة خاصة من خلال القنوات الفضائية المصرية مؤخراً ، وفي مختلف المواضيع ، سواء كانت سياسية أو فنية أو رياضية أو اجتماعية ، قد جعلت تتخفف شيئاً فشيئاً عن ترديد ألفاظ من قبيل ” حضرتك ” و ” سعادتك ” و ” سيادتك ” ، اللهم إلا إذا كان الشخصي المعني ” سيادته ” فعلاً بطبيعة الحال ، وليس ” حتة أفندي غلبان زي حالاتي ” ، وقد صار معظم الأشخاص المستضافين يخاطبون في أغلب الأحيان مؤخراً ، بضمير المخاطب المفرد ( إنت ) … عادي جداً. وهذه لعمري هي الثورة الحقيقية .. واخد بال حضرتك !   

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً