بسم الله الرحمن الرحيم
هذا بلاغ للناس
استمتعت بالمقابلة التي أجرتها قناة النيل الأزرق مع وزير تنمية الموارد البشرية الأستاذ/ كمال عبد اللطيف والذي تحدث في كل شيء إلا شيء واحد وهو وهو العمالة الزراعية التي تشكل مابين ؛ فسعادة الوزير تحدث إلينا عن التأهيل والشراكات وتمريل المشروعات الصغيرة ؛ وحدثنا أيضاً عن توزيع المشروعات الصغيرة الخاصة بخريجي الجامعات النظرية والعملية حسب تخصصاتهم وإعادة تأهيلهم عملياً ولكن استوقفني نسبة توزيعها بين الولايات ؛ فهل هذا التوزيع شمل مدخلات ومخرجات التدريب وماتحتاجه هذه الولايات فعلاً ؟! هل للتوزيع علاقة بالتعداد السكاني؟! هل تمّ إحصاء العاطلين من العمالة الزراعية مثلاً والتي تشكل عبئاً على المدن والعاصمة؟!؛ كثير من الولايات يعتمد سكانها مداخيلهم من الزراعة البدائية المطرية الموسمية والتي بالكاد توفر لهم مؤونة لقمة الكسرة أو العصيدة حتى الخريف القادم وهناك أيضاً ولايات تعتمد على تربية الماشية ؛ أخرى تتمركز فيها الصناعات التحويلية والاستهلاكية وهناك ولايات تعتمد على التعدين وأخرى على الكرنكل وهو المادة الخام لصناعة الأسمنت .. وأيضاً هناك ولايات ذات أنشطة مزدوجة أو متعددة ؟!
إن معظم المهاجرين من الريف إلى المدن هم أصلاً إما زراع أو عمال زراعيين ؛ في السنوات الأخيرة كان كل حديثنا يتمحور حول النهضة الزراعية والاكتفاء الذاتي والمفترض في هذه النهضة تحقيق هذا الشعار ولكننا لم نفلح ولم نعمل على تنمية مواردنا البشرية الحقيقة والتي يشكل الزراع البدائيون فيها القدح المعلى ؛ كما أنه لا يمكن أن نوقف الهجرة من الريف لإلى العاصمة والمدن الكبرى ما لم نوطن الزراعة فيمواطنها الأصلية والارتقاء بوسائل الانتاج الجماعية مع توفير الندريب وتوفير الشراكات والتمويل في شكل مجموعات يقودها متخصص للم توفر له الدولة وظيفة لأننا مع التوسع الأفقي في التعليم الجامعي لم نخطط تخطيطاً استراتجياً ما بين المدخلات " ولدينا نظام التعليم " مهتريء" والتي كان يفترض أن يركز على التعليم التقني والمهني والخدمي حتى تواكب مخرجاته المؤهلة سوق العمل إذ أن كليات التقانة تتميز بأنها تفرد نسبة من نظامها التعليمي للتدريب العملي أوالصيفي في مؤسسات القطاع الخاص ومؤسسات الدولة المتخصصة. أما حل مشكلة العمالة الزراعية هي تكمن في إقامة شراكات ووتدريب وتأهيل لتطوير الزراعة المطرية الموسمية البدائية علماً بأن بلادنا ثرية بمراكز البحوث الزراعية المتخصصة ولدينا إدارات مخضرمة في الارشاد الزراعي والاقتصاد الزراعي إذ أن أدق واجباتها التدريب للاستفادة من خريجي معاهد وكليات الزراعة بمختلف تخصصاتها ونجاحنا في هذا يعتبر دقة مسمار في نعش الهجرة غلى عواصم الولايات والعاصمة القومية . يفترض أن نكون قد وصلنا الآن لمرحلة هجرة عكسية حيث يصبح الريف جاذباً إذ لإستقطابه واستوعابه لكثير من الشراكات بين الأيدي العاملة الزراعية التي اعتمدت الأنظمة التقليدية البدائي زالتخصصات والكوادر المتعلمة والمدربة ولكن يبدو أننا نصرعلى تفريغ الريف من أهله ؛ بل وكأننا نهيء ظروف لذلك ويبدو أننا لم نتعلم من التخبط الذي خلفته الحكومات السابقة ؛ ناهيل عن أن عاصمة البلاد أصبحت متخمة بالنازحين علماً بأنها نعاني حتى الآن من كارثة الجفاف والتصحر التي ضربت البلاد في نهاية سبعينيات العقد الماضي ولا أحد ينسى المليحية .
مستقبلاً لو استمر الزحف بهذا الزخم والكم فلا يمكن للعاصمة أن تستوعبهم ؛ إلا إن كانت الدولة قد أخذت هذا في الحسبان وتخطط لمواجهة هذا الطوفان البشري بإقامة مشروعات خدمية وفق خطة طويلة المدى تتناسب وحجم النازحين الذين سيضاعفون عدد سكانها. هذا يعني أن الدولة ليها خطط مسبقة للمواجهة حتى عام 2050!! وإلا فلا أحد يستطيع وقف هذا زحف النازحين الذين سيضطرون لإقامة مناطق عشوائية في أطراف العاصمة ؛ فيعمل نسبة منهم في أعمال هامشية ؛ أما الغالبية العظمى فستجد نفسها مضطرة لممارسة كثير من الأمراض الإجتماعية ومعها لا مهرب من إرتفاع معدل الجريمة الذي يحتاج أيضاً لميزانيات اضافية تمثل عبئاً على خطط تنمية الانسان والبلاد بالتوسع في الخدمات الشرطية لكافحة الجريمة . ومع هذا وذاك بالضرورة أن تعجز الولاية عن تقديم الخدمات الضرورية والحياتية لسكانها الأصليين ناهيك عن النازحين . هؤلاء النازحون يشكلون أكثر من 79% من مجمل القوى العاملة السودانية وربما أكثر.
لذا علينا أن نفكر ببراغماتية لمواجهة مشكلاتنا ولا يكفي تجميل تزويق الوضع ؛ فما ساقه الوزير في معظم اجاباته على الاسئلة التي تصب في اتجاه واحد ؛ اتجاه أننا نقوم بمعجزة ؛ الوزير كان كمن يريد أن يجمل وجه قبيح أو مليء بالتجاعيد بالمكياج ولكن حالما تزول مواده مع طسة ماء للوجه فتزيد القبح قبحاً . السيد الوزيرأعطانا صورة وردية وحديثه عن خريجي الجامعات والشراكات مقبول ولكن أس المشكلة هي أن الغالبية العظمى من السودانيين هم زراع أو عمال زراعيين ونحن أرض الثلاث أربعا مليون ميل وحبانا الله بالانهار والمياه الجوفية والأمطار والأيدي العاملة الزراعية التي لم نكلف أنفسنا الاهتمام بها حتى أصبحت قنبلة موقوتة؛ من الضروري والمهم تشخيص العلة ولكن الأهم هو إعطاء العلاج الناجع . نعم هي مشكلة الخريجين مهمة ويجب حلها ضمن حلٍ شامل ؛ فهي لا تقارن بالعمالة الزراعية والمزارعين الغلابة في مجاهل دارفور وطردفان ودلتا طوكر ؛ هذه هي القنبلة الموقوتة التي يجب أن يتكاتف الجميع حتى ينزعوا فتيلها ؛ فالوزير يعلم أن الجوع كافر . كما أن شكاوى الأطراف من التهميش هي التي أدت إلى المطالبة بالمشاركة في الثروة والسلطة لأننا لم ننجح في تنميتها وواصلنا اغماض العين حتى إضطررنا أهلها لحمل السلاح ضد سلطة الدولة . إن عدم وقف النزوح أولى عواقبه أن يبدأ النازح في المقارنة بين حاله وحال سكان عواصم الولايات ثم المركز؛ فتنمو لديه عقدة التهميش فتتطورلمرحلة أخرى متقدة هي امرحلة لسخط والحقد فيعقبها التمرد!!. علينا أن ندرب هؤلاء في مناطقهم لكسب قوتهم حتى نرتقي بهم اقتصادياً ومادياً إن كنا فعلاً نريد أن نحارب الفقر وننفي تهمة التهميش.!!
تنمية الموارد البشرية تبدأ من أسفل إلى أعلى وليس من أعلى إلى أسفل .. إن الوزارة تعمل الآن في مجال غير ما ينبغي أو يجب أن تعنى به ؛ فعليها أن تترك لديوان الخدمة المدنية عمليات اصلاح الخدمة المدنية ولوزارة العمل التدريب والتأهيل وتطويرالذات والمقدرات ولوزارة الزراعة ووزارة الثروة الحيوانية والشئون الاجتماعية تدبير أمورهم مع ديوان الزكاة والمصارف وإلا فلنختزل جميع هذه الوزارات والمؤسسات ونكتفي بها وما نوفره من نفقات يمكن أن نصرفه على النازحين ويا دار ما دخلك شر . فإن قام الوزير بالعمل على تنمية مقدرات المزارعين وعمال الزراعة ليصبحوا منتجيين مساهمين في الاقتصاد الحقيقي عندها سنصفق له ونضرب له تعظيم سلام ، كما أننا لا نريد لوزارته أن تكون مثل الذي قال: (شيّلوه حمل … قال متعود يشيل العجول)!!
Dr. Abubakr .Y. Ibrahim
(Bsc Mech.Eng.,MBA ,PhD HR)
abubakr ibrahim [zorayyab@gmail.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم