د. عمرو محمد عباس محجوب
حضرت ثلاث ثورات سودانية معترف بها وكانت كلها تنتهي بفشل بناء دولة كانت الشعارات أثناء الثورة تنادي بها، وهذه هى نتاج تحليلي لما يمكن اعتبارها أحد المفاتيح التفسيرية الأساسية لفشل الانتقال السياسي في السودان وتكرار الدورات الانقلابية–الثورية. وألخصها في انعدام التراكم في الثورات السودانية مما أدى إلى تكرار التجارب الفاشلة. سوف أناقش هذه الاطروحة مع اعتبارها، ليست التفسير الوحيد، سأناقشها تحليليًا مع أمثلة تاريخية، ثم أُشير لحدودها.
أولًا: ما المقصود بـ«انعدام التراكم»؟التراكم في الثورات يعني: ١-تراكم تنظيمي: بناء مؤسسات سياسية ونقابية مستقلة ومستمرة. ٢-تراكم معرفي: الاستفادة من دروس التجارب السابقة وعدم تكرار الأخطاء نفسها. ٣-تراكم قانوني ودستوري: تثبيت قواعد انتقالية تحمي التحول المدني وتراكم اجتماعي: خلق تحالفات طبقية وجهوية متماسكة لا تنهار بعد إسقاط رأس النظام. في السودان، غالبًا ما حدث إسقاط النظام دون بناء ما بعده.
ثانيًا: أمثلة تاريخية تؤكد غياب التراكم
ثورة أكتوبر 1964 : إسقاط حكم عبود العسكري وعودة الحياة المدنية.
اما غياب التراكم: لم تُفكَّك بنية الجيش كفاعل سياسي، لم تُبنَ جبهة مدنية موحدة تحكم الانتقال والصراعات الحزبية التقليدية (الأمة–الاتحادي–اليسار) أعادت إنتاج الفشل. وانتهت بانقلاب مايو 1969 (نميري).
انتفاضة أبريل 1985: إسقاط نظام نميري واستعادة التعددية الحزبية.
غياب التراكم: تسليم السلطة مجددًا للأحزاب التقليدية نفسها دون مراجعة.
تجاهل جذور الحرب الأهلية والاقتصاد الريعي وعدم تحييد المؤسسة العسكرية وانتهت بانقلاب 1989 (الإنقاذ). هنا تتكرر التجربة نفسها تقريبًا بعد 21 عامًا، بلا تطوير حقيقي في أدوات الانتقال.
ثورة ديسمبر 2018: إسقاط البشير.
- صعود جيل جديد وشعارات متقدمة: مدنية – سلام – عدالة.
أين فشل التراكم؟ تجاهل دروس أكتوبر وأبريل في الشراكة مع العسكر وترك السلاح خارج السيطرة المدنية وغياب مركز قيادة مدني موحد وإعادة إنتاج نفس أخطاء “الانتقال الناقص”. انتهى بانقلاب 25 أكتوبر 2021 ثم الحرب 2023.
لماذا لم يحدث التراكم؟ ١-انقطاع الذاكرة السياسية فكل ثورة تبدأ كأنها الأولى بلا كتابة نقدية شعبية متداولة للتجارب السابقة. اى يتم تقديس الثورات لا تحليلها. ٢-الأحزاب التقليدية
فشلت في التجدد وتعاملت مع الثورات كوسيلة للعودة للسلطة لا لإعادة تأسيس الدولة. ٣-غياب مشروع دولة
والتركيز على إسقاط النظام أكثر من: تفكيك الدولة العميقة وإعادة بناء الاقتصاد وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والهامش.
في ظل هذا كله ظلت ظاهرة العسكرة المزمنة فالجيش لم يُهزم سياسيًا أو اجتماعيًا في أي مرحلة وظل هو “الحَكَم” بدل أن يكون مؤسسة خاضعة.
لكن هل الفكرة مطلقة؟ وماهى حدودها فرغم صحة الفكرة، إلا أن من الظلم اعتبار الفشل سببه فقط “الشعب” أو “الثوار”. لان هناك عوامل بنيوية كبرى: تدخلات إقليمية ودولية تعيق أي تراكم وطني واقتصاد ريعي هش يمنع الاستقرار وتنوع إثني وجهوي غير مُدار. لكن غياب التراكم جعل هذه العوامل تنتصر في كل مرة.
الخلاصة نعم، انعدام التراكم الثوري في السودان حقيقة تاريخية وهو ما أدى إلى: إعادة تدوير النخب وتكرار التحالفات الخاطئة والعودة المستمرة للحكم العسكري. لكن الدرس الأهم ان الثورة التي لا تتحول إلى مشروع دولة، تعيد إنتاج الثورة نفسها ولكن بثمن أعلى.
