في الرهق الإعتقادي أو دوغما المتشككين .. بقلم: ابراهيم عثمان

( الإنسان تتآكله شهوة غامضة خطرة ، أخطر من شهوة الجنس .. و أخطر من شهوة الطعام .. هي شهوة العقيدة .. شهوة اليقين .. الشهوة إلى شيء يؤمن به و يصدقه .. )… د مصطفى محمود

لإشباع شهوة الإعتقاد يميل الإنسان إلى البحث عن الإتساق والإنسجام والنقاء داخله وفي الوضع الذي يحكم عليه ، ترهقه مراوغات الواقع وتلوناته ونسبيته وتدرجاته واستعصاءه على الأحكام القصوى ، فهو لديه نصيبه من الدوغما مهما أنكر ، فالدوغما كالملح لا تخلو منها وجبة عقيدية ، حتى الحداثويين الذين يقدمون أنفسهم كأعداء فطريين لها هم أنفسهم غارقون في بحورها ، الواقع ليس جمعية خيرية تتصدق علينا على الدوام بحيثيات متسقة متماسكة تخدِّم على يقيننا المتماسك ، فهو كثيراً ما يلتبس ويتغير ويتواطأ ضد بيقينياتنا ونحن في سعينا إلى الإتساق نتعامى عن هذه المرواغات وندخل عليها بعدتنا التحليلية التي تشتغل على الواقع نظرياً وتشذبه وتهذبه فتضخم وتهون ، وتستحضر وتستبعد ،وتخفي وتظهر على حسب الحاجة حتى يكون لدينا واقع نقي لا تشوبه شائبة تكدر فهمنا وتصورنا له، حصيلة هذه المجزرة التحليلية هي واقع مزيف صنعناه نحن على مقاس تصوراتنا وعلى هوى مسبقاتنا . فنحن مغرمون بشهوة الإعتقاد أكثر من شهوة الفهم ،نسارع إلى تبني عقيدة نهائية تجاه كل القضايا والأحداث والشائعات ولا نحتمل صبراً على التشويش الذي يزعزع يقيننا وليس من ضمن مهاراتنا مهارة تعليق الحكم عندما تتطلب الحكمة ذلك ، سيكون يقيننا هو الصانع والحَكَم لواقعنا الذي نتخيله أو قل نتمناه وليس العكس ، فنحن ننتقي من الواقع ما يؤيد يقيننا ونعممه ليكون هو الواقع كل الواقع ، فإن لم يسعفنا بما نبتغي فنحن سنشغل عدتنا التحليلية التي ستجبر الواقع على أن يشهد لنا ، وفي سبيل ذلك سندخل في مطبات منهجية وحتى أخلاقية بالجملة ، حيث ستأتي حتماً اللحظة التي يختلط فيها لدينا أمران : البحث المخلص عن مكامن الأخطاء لدى الغير والإنزعاج الحقيقي منها وانتقادها رغبةً في تصحيحها ، والبحث غير البرئ عن هذه المكامن رغبةً فيها وابتهاجا بها لأنها ستشهد لنا وستعمق اليقين وتمده بشهادة البراءة والصحة، وسيميل كثيرون منا إلى الأخير .ولذلك سنجد أن البعض تكفيه الشبهة لتنهض لديه دليلا ناجزاً مكتملاً إن كانت تصادف هواه ، ولا يكفيه الدليل مهما كانت قوته إن لم يصادف الهوى . فالبحث هو عما يؤيد العقيدة لا عما يصححها ويقومها ،لكن هل معنى ذلك أن الدوغما واليقين غير المفحوص هو قدرنا الذي لا فكاك منه ؟ بالتأكيد لا ، فبالتسديد والمقاربة وبعدم التطرف وبممارسة فضيلة تعليق الأحكام انتظاراً للمعلومات الصحيحة وليس المرغوبة، وبالبعد عن الأحكام القصوى في حق أنفسنا وفي حق خصومنا ، والأحكام القصوى تتبعها الكراهية القصوى للآخر والحب المرَضي الأقصى للذات ومن ثم الأفعال القصوى وصولاً إلى معارك الإفناء المتبادل ، بهذا وبغيره من وسائل البحث الأمين عن الحق والحقيقة يمكن للمرء أن يخرج من حالة الدوغما كعقيدة معاندة للواقع ومشوهة له.
نظرياً يمكن القول بأن الإنسان الذي يتماشى مع الصيرورات ويستجيب للواقع المتغير ويتغير وفقاً لمطلوباته هو أقل الناس معاناة من الرهق الإعتقادي ، فمن لم يتغير ويصير تتجاوزه الصيرورة فيتكلس ويتجمد ، ويدفع غالياً ثمن عناده ، هذا على فرض أن التغيير والصيرورة التي تحدث له هي ناتج أمين وحرفي لضرورات الواقع وصيروراته ، ونتاج الصيرورة الفكرية الطبيعية النابعة من ذاته ، وعلى فرض أنه لم يستبدل دوغما بدوغما وتطرفاً بآخر وعقيدة يقينية بأخرى مثلها*، *ومدار الحديث هنا هو عن العقيدة في السياسة والإقتصاد والإجتماع .. الخ ودور الدين فيها ، وليس عن العقيدة بالمعنى اللاهوتي كفراً وإيماناً أو انتقالاً بين الأديان . والواقع يثبت أن شهوة الإعتقاد ستظل تتلبس حتى الفارين من عقائدهم واللاأدريين والمتشككين ، فالشك نفسه في أحيان كثيرة يصبح عقيدة دوغمائية لها كل خصائص ما تشك فيه . وبعض الشك يكون قناعاً سطحياً لقناعات وعقيدة تراوغ صاحبها وتفصح عن نفسها في كثير من المحكات . وذلك غالباً قدر المنشقين الخارجين عن منظوماتهم بحثاً عن الأمان العقيدي بعيداً عن عقيدة هي الآن محل اختبار عملي ومساءلة ، وهروباً إلى عقائد أو عقيدة يظنون أنها الآن أقل اشتباكا مع الواقع العملي ، وأنها ليست محل اختبار وأنها في طور الشعار والخطة وتستمتع بميزة اطلاق الوعود غير الخاضعة لإختبار عملي آني ،وميزة المراقبة والتعليق على أداء الآخرين ، والميزتان جاذبتان لسهولة ممارستهما ، ولذلك يندرجون في سلك أصحاب الوعود المؤجلة دون أن يلاحظوا أنهم أيضاً فعلة محل مراقبة واختبار وليسو مجرد متفرجين ومطلقي شعارات ، وأن بعض وعودهم هي الآن محل اختبار ، سواء فيما يليهم من مساحات للعمل يستطيعون تنزيل بعض وعودهم فيها أو فيما يتعلق بنوع أفعالهم واستجاباتهم وردود أفعالهم ومنطقهم الذي يعطي فكرة عن ألأداء المتوقع حين الوصول إلى محطة تنزيل الشعارات ، وقبل ذلك كله أن الشعار والوعد نفسه سيخضع لتقييم قاسي ، فبعض الوعود أحياناً تكون مبتذلة في ذاتها قبل أن تزيدها الممارسة ابتذالاً
لكل منا مسبقاته والمسبقات تتحكم في كثير من الأحكام هذه حقيقة لا يمكن نكرانها ، والخارج للتو من منظومته العقيدية قد فقد مسبقاته السابقة ، أو ترك بعضها خلفه واستصحب بعضها على استحياء ليعود إليها من حين لآخر ليزايد بها على من انشق عنهم ، ولما كان المرء لا يستطيع العيش دون عقيدة مكتملة ناجزة ، فإنه سيحاول أن يملأ الفراغ العقيدي بكيفيات مختلفة ومتطورة مع تطور مواقفه ، فهو سيبدأ بالتململ داخل منظومته ولكن انتقاده وتململه أياً كانت مسبباته سيكون لبعض الممارسات والأشخاص ، وستظل العقيدة هي العقيدة على الأقل في القضايا الكبرى ، وفي أول خروجه ستظل ذات العقيدة معه وسيحاول عبرها اجتذاب أكبر عدد من العضوية للخروج معه دفاعاً عن هذه العقيدة التي تتعرض للخطر على أيدي هؤلاء الخونة ، وتدريجياً يظل ينتقل ويتغير إلى أن تأتي لحظة المنازلة من خارج الصف العقيدي ، ولما كانت الإنتقالات سريعة وصيرورته الخاصة أسرع من صيرورة الواقع الذي يفترض أنه يبررها ، ولما كان محتاجاً في كل مرحلة إلى عقيدة وبسبب سرعة الوصول إلى النقطة القصوى بعداً عن عقيدته السياسية السابقة ، فإنه لن يستطيع أن يرسم ملامح عقيدته السياسية الخاصة الجديدة كوافد جديد ومن نوع مختلف إلى ساحة العمل السياسي ، ولذلك سيجد نفسه مضطراً إلى ملء فراغه العقيدي بشتات غير منسجم من عقائد الذين يسعى إلى الإندراج في صفهم ، وبحثاً عن الإتساق فهو سيستعجل الخروج من مرحلة المغالبة داخل الفكرة القديمة وما يسببه له ذلك من تشوش وما يتبعه من صعوبات واشكالات مع زملاء العداوة المشتركة ومع اضمحلال الأمل في اجتذاب عضوية جديدة من متبني العقيدة القديمة بمرور الزمن ، بسبب كل ذلك سيتبنى كل أو معظم مسبقات الحلفاء الجدد وأحكامهم الجاهزة* ، *وستكون أحكامه التالية كلها مبنية على هذه المسبقات ، ولما كان هذا لا يكفي وحده في تحقيق الإتساق الداخلي لديه ولا في تحقيق الإنسجام الكامل مع بيئته الإعتقادية الجديدة ، فهو سيلجأ إلى حيلة المبالغة والمزايدة على الزملاء الجدد في إثبات أنه قد أصبح أصيلاً في مدرستهم الإعتقادية ،
لكن رغم المبالغات ورغم أنه قد قام بإلتفافة منطقية كبرى جعلته يقضي جل وقته في دحض كل حججه القديمة ، وفي إثبات هشاشة المنطق الذي أنفق معظم عمره وهو يصدر عنه ، رغم هذا إلا أن بعض الإستراتيجيات والخطط التي يتبعها لمحاربة أصدقاء الأمس تضطره إلى استخدام حيلة كلاسيكية مستهلكة ومبتذلة* ، *وفوق ذلك فهي ضارة بما اجتهد في صنعه من اتساق ، تلك هي حيلة استغلال العلاقات المستمرة مع أصدقاء الأمس ، عبر تكتيكين مختلفين شكلاً وموضوعاً لكن غرضهما واحد : الأول هو تذكير هؤلاء بمشروعهم الجميل وبراءته الأصلية وأحلامهم وأشواقهم وكيف أن الممارسة قد ابتذلته وكيف أن اخوانهم قد باعوه، وهذه حيلة تفترض أن صاحبها لا زال هو ذلك المؤمن بالمشروع والمشفق عليه والذي ما خرج إلا حزناً وغيرةً عليه ، ورغم هذا فهو يستغل بعض السوانح لتوجيه ضربات مركزة على أصل الفكرة والحلم لتبيين أن العيب لم يكن فقط عيب ممارسة، والغرض الآخر هو التسويق الماكر لبعض أفكاره الجديدة أو قل أفكار حلفائه الجدد ، فهو كما أسلفنا قد تبنى معظم مسبقاتهم وعقائدهم وأدواتهم التحليلية في مقاربة كل القضايا محل الإختلاف .
وفي سبيل الإتساق العقيدي فإن واقعة اكتشافه لباطل قومه ، ستكون تلقائياً هي واقعة اكتشافه للحق الذي يمثله خصومه السابقين ، مما يقدّم صورة كاريكاتورية رثة لكائن كان بلا مقدرة على الحكم على أي شئ حكماً صحيحاً مبنياً على بعض الأسس السليمة . فقد يكتشف المرء أخطاء المؤمنين بفكرته ولكن هذا لا يعني تلقائياً أن خصومهم هم الحق الصافي* ، *قد يجوز ذلك ويُستساغ في الأخطاء المتعلقة بطريقة التعامل مع الآخر ، بمعنى أن انتقاد طريقة تعامل جماعته مع خصومهم هو أمر مفهوم وبالتأكيد سيبرر جزء من طريقة تعامله الجديدة معهم ، ولكن بالتأكيد لن يبرر تبني وجهة نظرهم في كل القضايا ، ولا تبني فكرتهم والدفاع عن أساليبهم في السعي إلى تحقيقها ولا المزايدة عليهم والمنافحة الدائمة عن كل أفكارهم وأعمالهم، في ذات الوقت الذي يدغدغ فيه عواطف الزملاء السابقين بعظمة مشروعهم وأشواقهم وبأن قومهم قد خانوا المبدأ وقتلوا الشعار وأتوا على المشروع ! هذا الإرتباك والتشتت والتناقض بحثاً عن الإتساق ، سيدخل هؤلاء في حالة من الرهق الإعتقادي الواضح والذي يتبدى في صور كثيرة لا تخطئها ملاحظة المراقب ، إذ لا يمكن أن يُزايد المرء على أهل مشروع ويقول لهم أنا أكثر حرصاً منكم عليه وأكثر غيرةً عليه منكم وما خرجت إلا غضباً مما تفعلونه به ، ويزايد على الجهة الأخرى على أهل المشروع المضاد ويقول لهم : أنظروا ها أنا لا أدافع فقط عن حقكم في التعبير عن قضاياكم ونيل حقوقكم ، بل أظهر لكم كامل الولاء وأدافع عن فكرتكم بأكثر مما يفعل كثيرٌ من أنصارها ، وها أنا أفكك وأرد على كل حجج مشروعي السابق في انتقادكم ، وأتبنى كل مقولاتكم وانتقاداتكم لأسس مشروعي وكيف أنه معيوب في ذاته لا تطبيقاته فحسب . ورغم كل هذا السخاء والكرم فإن أي إختلاف معهم سيجعله مباشرة أمام التهمة الجاهزة : أنت من سواقط خصومنا ولا يحق لك أن تنتقدنا أو تختلف معنا ، فيكون كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ، أنفق نصف عمره في الدفاع عن جماعته القديمة ولذلك يُحاسٓب ويؤاخذ بأخطائها – وهي قطعاً لا تخلو من أخطاء – وأنفق الباقي في الدفاع عن قومه الجدد – ولهم أيضاً أخطاؤهم – فيكون قد تحمّل بإرادته أخطاء الجميع ،
كان بإمكانه أن يفلت من هذا المأزق لو أنه لم يستعجل الإنتقال من أقصى المعادلة الإعتقادية إلى الجانب الأقصى المضاد ، ولو أنه لم ينشغل بالإنتقام عن شق طريقه الخاص بمنأى عن الإستقطاب الإعتقادي الجذري . فالإنتقالات الجذرية الحادة تثير شكاً وتساؤلاتٍ مشروعة عن نبل الدافع وبراءته ، هذا إضافةً إلى أنه وبمواصفاته هذه سيكون مجرد إضافة رثة إلى واقع سياسي لم يضف إليه شئ سوى إعادة انتاج العطب الذي طالما انتقده .

salaby2013@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً