في توصيف المعرفة:هل الإنسان خبير أم عالِم؟

خالد البلولة
هناك ظاهرة اجتماعية عميقة في الثقافة السودانية (والعربية عمومًا)،وهي(اقتصاد الألقاب)أو ما يمكن تسميته:تحويل اللقب إلى مجاملة اجتماعية أكثر من كونه قيمة علمية أو مهنية..
تحكي النكتة السودانية، أن رجلًا يعمل في مجال التمريض،اعتاد الناس أن ينادوه بلقب(دكتور)فكان يستقبل اللقب بسعادة وارتياح.ذات مرة سمع الطبيب الحقيقي ينادونه بلقب دكتور ، فقال له (أنت ما دكتور) فرد عليه ببساطة لافتة:
“يا دكتور، انت لما يقولوا ليك يا دكتور ما بضيف ليك حاجة، لكن انا لما يقولوا لي يا دكتور بتريحني )!تختصر هذه الطرفة واقعًا اجتماعيًا شائعًا في السودان، حيث لا تُستخدم الألقاب دائمًا بمعناها الدقيق،
في كتابه شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية،ينتقد دكتور منصور خالد استخدام كلمة(خبير)ويرى أنها أصبحت كلمة مبتذلة ومفرغة من معناها الحقيقي، إذ تُستخدم في غير موضعها حتى فقدت قيمتها العلمية والمهنية، وأضحت تُمنح أحيانًا لأشخاص دون تأهيل حقيقي أو تجربة عميقة.ويؤكد أن (الخبير)لا ينبغي أن يكون مجرد لقب يُمنح في الخطاب الإعلامي أو السياسي، بل هو نتيجة تراكم معرفي وتجربة طويلة موثقة.
ولا يكتفي منصور خالد بنقد الاستخدام الشائع للمصطلح، بل يذهب إلى بعدٍ دلالي وديني أعمق،فيرى أن (الخبير) في كمال معناها المطلق هو الله عز وجل، لأنه من أسمائه الحسنى. فقد ورد هذا الاسم في القرآن، ويُقصد به الذي يحيط علمه بدقائق الأمور وخفاياها، العالم بالظاهر والباطن،وبما كان وما يكون. ومن ثم فإن (الخبرة)في معناها الكامل تعني الإحاطة التامة والشاملة، وهو معنى لا يتحقق إلا لله.
ورد اسم الله (الخبير) في القرآن الكريم في نحو 45 موضعاً، غالباً مقترناً بأسماء مثل الحكيم، اللطيف، أو العليم، ليشير إلى إحاطة الله ببواطن الأمور ودقائقها، ومن أبرزها:(وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} الأنعام: 103(وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ الأنعام:18
(ونَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم:3].
يوضح د.أحمد الطيب أن لفظ (الخبير)في أصله اللغوي يدل على العلم ببواطن الأمور والتعمق في خفاياها، وهو أخص من (العالِم)الذي يحيط بظاهر الشيء،بينما الخبير ينفذ إلى أعماقه ويُطلق هذا الوصف على الإنسان إما لبلوغه درجة عالية من التعمق والمعرفة الدقيقة، أو لانتقاله من الجهل إلى العلم بعد السؤال والبحث والاستخبار.
ويضيف د.الطيب غير أن هذا المعنى الإنساني يستلزم أمرين: الجهل السابق، والتغير اللاحق؛أي التحول من عدم المعرفة إلى المعرفة. ومن هنا، فإن هذا المعنى لا يُفهم في حق الله،إذ إن علمه سبحانه لا يسبقه جهل ولا يلحقه تغير،لأن ذلك من صفات النقص التي يتنزه عنها. فالله (الخبير) علمه أزلي كامل،ليس مكتسبًا ولا ناتجًا عن تجربة أو استخبار، بل هو إحاطة مطلقة بكل ظاهر وباطن.
وعليه فإن إطلاق (خبير)على الإنسان يظل وصفًا نسبيًا ومجازيًا ،بينما هو في حق الله كمال مطلق لا يعتريه نقص.ومن هنا نطرح تساؤلا :لماذا لا نستخدم ألفاظًا مثل (مختص)أو (باحث)أو مستشار بدلًا من (خبير)؟
قد يكون ليس هناك حرج في إطلاق (خبير) على الإنسان من حيث الاستعمال اللغوي،لأنه يُفهم على أنه وصف لخبرة محدودة مكتسبة. غير أن استعماله بإطلاق قد يحمل قدرًا من المبالغة،إذ يوحي بالإحاطة التامة،وهو معنى لا يتحقق إلا في حق الله عز وجل.
لذلك فإن الأدق في الخطاب السياسي و الإعلامي استخدام ألفاظ مثل مختص أو مستشار لأنها أكثر تحديدًا وتعبر عن الكفاءة المهنية دون إيحاء بالكمال، وبما يحقق الدقة ويجنب المبالغة في الأوصاف
اعتقد توصيف عالم هو الاكثر دقة لانه يملك معرفة منهجية تقوم على الدراسة والإحاطة بالأصول،(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) ويقصد بعباده العلماء أولئك العباد الذين زادهم العلم بالله بصيرةً،فازدادوا خشيةً وتقوى،بينما الخبير هو من تعمق في التفاصيل واكتسب معرفة دقيقة ببواطن الأمور عبر التجربة والممارسة.
لذلك فيما ارى ،يظل وصف خبير أكثر عرضة للمبالغة لأنه يوحي بالإحاطة،في حين أن وصف (عالِم) أدق في التعبير عن المعرفة المنضبطة.. والله اعلم .

dr.khalidbalula@gmail.com

عن خالد البلولة ازيرق

خالد البلولة ازيرق

شاهد أيضاً

أغنية سميرة وين الله

أغنية سميرة وين اللهإختلاف الروايات الشفاهية وتعدد الاصوات الغنائيةخالد البلولةتروي الروايات الشفاهية في إقليم النيل …