كيّ الوعي في السودان: حين تُعاد هندسة الإدراك تحت النار

د. صلاح أحمد الحبو
في مستهلّ هذا المشهد السوداني المربك، يمكن استدعاء حكاية رمزية لا بوصفها سرداً عابراً، بل باعتبارها مفتاحاً تفسيرياً لما يجري في العمق. امرأة ضاقت بغرفة تؤويها مع أطفالها، فاشتكت ضيق العيش وقسوته، فما كان من زوجها إلا أن أدخل إلى تلك المساحة الضيقة عناصر إضافية من الفوضى: دجاجاً، ثم بطّاً، ثم كلباً، ثم حماراً، حتى بلغت المعاناة ذروتها. وحين بدأ بإخراج تلك الكائنات واحداً تلو الآخر، شعرت المرأة بانتصار متدرّج، وانتهت إلى الامتنان لنفس الغرفة التي كانت تشكوها. ليست العبرة في الحيلة، بل في إعادة تشكيل الإدراك: كيف يُعاد تعريف “المحتمل” حتى يغدو “المقبول”، وكيف يُعاد ترتيب سلم الأولويات حتى يبدو التراجع إنجازاً.

بهذا المعنى، تبدو الحالة السودانية الراهنة أقرب إلى مختبر مفتوح لواحدة من أكثر تقنيات الصراع تعقيداً وخطورة: “كيّ الوعي”. ليست الحرب الدائرة مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل هي عملية مركّبة لإعادة هندسة الإدراك الجمعي، حيث يُدفع المجتمع، تحت وطأة العنف المفرط والانهيار الشامل، إلى إعادة تعريف ما يطلبه من نفسه ومن دولته. هنا لا تُقاس الخسائر فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل بمقدار الانزلاق الصامت في سقف التطلعات، وبالتحول التدريجي من طلب الحياة الكريمة إلى الاكتفاء بالبقاء البيولوجي.

تتأسس هذه المقاربة على ما يمكن تسميته بـ“النقد الإدراكي-البنيوي”، وهو منهج تحليلي يتجاوز الوصف الظاهري للوقائع نحو تفكيك البنى العميقة التي تُعيد إنتاج المعنى داخل سياق الصراع. وفق هذا المنهج، لا تُقرأ الحرب بوصفها صراع قوى فحسب، بل كعملية مستمرة لإعادة تشكيل الوعي عبر أدوات مادية ورمزية متداخلة؛ حيث يعمل العنف المباشر بالتوازي مع العنف الرمزي على إعادة معايرة إدراك المجتمع لذاته ولمستقبله.

في السياق السوداني، لا يعمل “كيّ الوعي” كفعل فجائي، بل كمسار تراكمي يعتمد على ما يمكن وصفه بـ“الإرهاق الإدراكي الجمعي”، حيث تتكاثر الصدمات إلى حدّ يفقد معه العقل قدرته على التمييز بين الاستثناء والقاعدة. في هذه البيئة، تتحول الفظائع إلى وقائع يومية، ويتحوّل الاستثناء إلى نمط، ويُعاد تعريف الطبيعي تحت ضغط غير الطبيعي. هنا، لا يكون أخطر ما في الحرب هو الدمار المادي، بل القدرة على جعل هذا الدمار قابلاً للتطبيع الإدراكي.

لقد تحولت الحرب في السودان، على هذا النحو، إلى ما يشبه “اقتصاد الصدمة الممتد”، حيث تُنتج الفوضى بصورة مستمرة لا بهدف الحسم، بل بهدف الإبقاء على المجتمع في حالة سيولة إدراكية دائمة. في هذه الحالة، تُستهدف الدولة لا كمؤسسة فقط، بل كفكرة، ويُستهدف المجتمع لا ككتلة بشرية فحسب، بل كحامل لمنظومة القيم والمعايير. تدمير البنية التحتية، تفكيك المؤسسات، تهجير السكان، وانهيار الاقتصاد—كلها ليست مجرد نتائج للحرب، بل أدوات لإعادة تشكيل الوعي، عبر ما يمكن تسميته بـ“إعادة معايرة الممكن السياسي”.

ومن داخل هذه البنية، يبرز التمييز الحاسم بين “ارتقاء الوعي” و”كيّه”. ارتقاء الوعي يفترض قدرة المجتمع على التعلم من الصدمة دون أن يفقد بوصلته، وعلى تطوير أدواته دون أن يتخلى عن أهدافه الكبرى. أما كيّ الوعي، فيعمل على تقليص الأهداف تدريجياً، وتبرير التنازلات، وإعادة تعريف الهزيمة بوصفها شكلاً من أشكال النجاة. وبين هذين المسارين، تتشكل منطقة رمادية كثيفة، يُعاد فيها إنتاج الخطاب العام، حيث تختلط مفردات الصمود بممارسات الانكفاء، وتُستبدل لغة المشروع الوطني بلغة إدارة الأزمة.

ولعل أخطر ما في هذه العملية هو ما يمكن تسميته بـ“وهم الإنجاز التراجعي”، حيث يُعاد تسويق التراجع بوصفه تقدماً، وتُنتج لحظات الفرح من داخل سياقات الانكسار. في مثل هذه الحالة، لا يحتاج الفاعل في الحرب إلى تحقيق انتصار حاسم، بل يكفيه أن يُعيد تشكيل إدراك المجتمع بحيث يصبح مستعداً لقبول شروط لم يكن ليقبلها في ظروف طبيعية. وهنا تتحول الحرب من صراع على الأرض إلى صراع على تعريف ما يُعتبر نصراً في المقام الأول.

غير أن هذا المسار ليس قدراً مغلقاً. فبقدر ما تتعمق آليات كيّ الوعي، تنشأ في المقابل أشكال من “المقاومة الإدراكية”، حيث يسعى فاعلون مدنيون، أفراداً وجماعات، إلى الحفاظ على الحد الأدنى من المعنى في مواجهة التفكك. هذه المقاومة، وإن بدت هامشية في ميزان القوة، إلا أنها مركزية في ميزان المعنى؛ إذ تمنع الانزلاق الكامل نحو تطبيع الكارثة، وتحافظ على إمكانية استعادة المشروع الوطني في لحظة ما بعد الحرب.

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس متى تنتهي الحرب، بل: بأي وعي ستنتهي؟ هل يتوقف النزاع عند نقطة يكون فيها المجتمع قد أعاد تعريف طموحاته إلى الحد الأدنى، أم عند نقطة يظل فيها قادراً على استعادة أفقه التاريخي؟ في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ“الخيال الأخلاقي الاستباقي”، بوصفه أداة لإعادة بناء الأهداف الكبرى خارج شروط الحرب، لا داخلها. إنه خيال لا يكتفي بردّ الفعل، بل يعيد صياغة الفعل ذاته، ويستعيد مركزية الإنسان بوصفه غاية، لا مجرد ضحية.

إن أخطر ما يمكن أن تفرزه الحالة السودانية ليس فقط دمار المدن، بل إعادة تشكيل الإنسان السوداني على نحو يقبل بالدون بوصفه كافياً، وبالمؤقت بوصفه دائماً. ولذلك، فإن المعركة الحقيقية لا تدور فقط في ساحات القتال، بل في فضاء الوعي ذاته: إما أن يُعاد تشكيله تحت ضغط الكارثة، أو أن يُعاد بناؤه بوصفه أداة لمقاومتها. وفي هذا الفارق الدقيق، يتحدد ما إذا كان السودان سيخرج من هذه الحرب بوصفه دولة جريحة قابلة للتعافي، أم مجرد جغرافيا نجت من الانهيار لكنها فقدت معناها.

هامش (بسط المفاهيم):

كيّ الوعي: عملية منهجية لإعادة تشكيل إدراك الأفراد والجماعات بحيث يقبلون بتنازلات أو أوضاع أدنى من أهدافهم الأصلية تحت ضغط الخوف والتكرار والصدمة.

النقد الإدراكي-البنيوي: منهج تحليلي يدمج بين تحليل البنى المادية والرمزية لفهم كيفية إنتاج المعنى داخل سياق الصراع.

الإرهاق الإدراكي الجمعي: حالة من التشبع بالصدمة تفقد المجتمع قدرته على التحليل النقدي، فيميل إلى قبول الحد الأدنى.

وهم الإنجاز التراجعي: شعور زائف بالانتصار ينتج عن تحسن نسبي داخل سياق متدهور.

المقاومة الإدراكية: جهود للحفاظ على الوعي النقدي ومنع تطبيع الكارثة.

الخيال الأخلاقي الاستباقي: قدرة على تصور مستقبل يتجاوز شروط الأزمة ويعيد بناء الأهداف الكبرى.

هامش (مراجع ومصادر ذات صلة):

يوهان غالتونغ، نظريات “العنف البنيوي” و”بناء السلام”.

أدبيات علم النفس السياسي حول “إدارة الإدراك” و”الحرب النفسية”.

دراسات “اقتصاد الصدمة” و”التطبيع مع الكارثة” في النزاعات الممتدة.

تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي حول أثر النزاعات على الدولة والمجتمع.

أدبيات العدالة الانتقالية وإعادة بناء الدول الخارجة من الحروب

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

تأليف الوطن بالمعاني الحسان: كيف نعيد كتابة أنفسنا كقصةٍ تستحق البقاء

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو في اللحظات التي تبلغ فيها الأمم حافة الانكسار، لا يعود …