أقوالهم
للرئيس الفرنسي الأشهر شارل ديجول أقوال مأثورة، منها قوله، وهو في خضم أزمة سياسية كادت تعصف به، “كيف يمكن لأي شخص أن يحكم دولة بها 246 نوعاً من الجبنة”، ومنها قوله “لا تبحثوا عن أسباب الحرب في براميل البارود بل في أهرامات القمح”، وقوله “يولد الإنسان الغربي ليتحول إلى وحش مستهلك.” وجاء في تقرير لإحدى المؤسسات الأوروبية في الثمانينيات (ضاع مني إسمها ومرجعها) أن الغرب يستهلك سبعين في المائة من خيرات كوكبنا. وهكذا، البعض من قادة الغرب ومؤسساته يصدعون بالحقيقة مرةً في لحظة صحوة ضمير ومرات في لحظات زنقات السياسة. على أن مثل هذا الذي يجود به الخطاب السياسي الغربي وبعض مؤسساته حول ظاهرة الإستهلاك هو إعتراف صريح بوجودها كجانب سلبي يرقى أحياناً إلى مستوى الأزمة في المجتمع الغربي ومنظومته الرأسمالية، لكنه يظل خطاباً داخلياً يرجو المعالجة دون أن يمس الأصل والمنبع، وهما المنظومة نفسها وإرتباط الإستهلاك بها كضلع أساسي في هيكل البنية الرأسمالية والتي لا تستقيم وتتطور إلا بنماء هذا الضلع وتمدده.
الإستهلاك كثقافة وآيديولوجيا
ولقد أرسى منظرو الرأسمالية في خمسينيات القرن الماضي، أي لحظة إنطلاق موجة العولمة الإمبريالية الراهنة، قاعدة هذا الإرتباط العضوي الإستراتيجي بين الرأسمال والإستهلاك ليصبح منهجاً مستقراً في سلوك المجتمعات والأفراد كثقافة. يقول الإقتصادي الأمريكي فكتور ليباو (1955)، “يتطلب الإنتاج الهائل لإقتصادنا أن نجعل من الإستهلاك أسلوباً لحياتنا our way of life وأن نحوّل شراء وإستخدام السلع إلى طقوس ثابتة، وأن نلتمس إكتفاءنا الروحي وإشباع غرورنا في الإستهلاك؛ نحتاج أن نرى الأشياء تُستهلك، تحترق، تُبلى، تُستبدل ومنبوذة، وذلك بمعدلات متزايدة على الدوام.” كذلك إقترح جون بوقاس، وهو الرجل الثاني في شركة فورد للسيارات، إستخدام مصطلح الإستهلاك/الإستهلاكية consumerism بدلاً عن مصطلح الرأسمالية capitalism كوصف دقيق للإقتصاد الأمريكي. من هنا جاء إتفاق أغلب الباحثين إن لم يكن جلهم حول تعريف مفهوم الإستهلاك بأنه إنتاج سلع فائضة عن الحاجات الأساسية للإنسان وإغرائه على إستخدامها كضرورة من أجل إستمرار دوران عجلة إنتاجها وإزدياد أرباحها.
هذا ولقد صار للإستهلاك أدبياته ومؤرخوه وتنوّع منظروه بين محلل وناقد ومؤيد، وجميعهم يجمعون على جذوره الطبقية والتوسّع الرأسمالي وإزدياد إنتاجية السلع. وما يميزالطرف الناقد للإستهلاك هو وضوح المنظور الآيديولوجي لمنظريه ونشأة الأجسام والتنظيمات الناشطة في مقاومته وكشفه من خلال برامجها وفعالياتها والمنتشرة في الغرب وبعض البلدان الأخرى. وجاء النقد تركيزاً على إستنزاف الموارد الطبيعية والمضار الإجتماعية العميقة وإستهداف الإنسان بإستغلال كل الوسائل للتحكم في أسلوب حياته وسلوكه، ونورد بعض الأمثلة التي يتناولها الباحثين في أمر الإستهلاك.
جاء مثلاً في تقرير لمجلة New Scientist نقلاً عن مجموعة من العلماء أنه على الرغم من إعتقاد البشر بأنهم كائنات مفكرة إلا أنهم مدفوعين دون وعي منهم بالنزعة نحو البقاء والسيطرة والتوسع، والآن تجد هذه النزعة التعبير عنها في الفكرة القائلة بأن النمو الإقتصادي المستمر دون توقف هو الحل لكل الأزمات، وأنه مع الوقت سيعالج كل ما يكتنف العالم الآن من أشكال عدم المساواة. ويلخص أحد هؤلاء العلماء الأمر في صيغة مأزق لا فكاك منه، يقول “بشكل أساسي لن يعمل النظام الإقتصادي وهناك حماية للموارد الطبيعية، كذلك لن يعمل النظام السياسي في حالة تصحيح هذا النظام الإقتصادي.” وجاء في أحد التقارير السنوية للجمعية الأمريكية للبيئة أن “المجتمع الإنساني الآن في حالة من الإفراط عالمياً global overshot، فهو يستهلك ثلاثين في المائة من الموارد أكثر من ما يتوفر في موارد العالم، وأن خمسة وثمانين بلداً يتجاوزون إمكاناتهم ويعوضون نقص مواردهم بإستنزاف مخزون البلاد الأخرى والتي لها فائض في مواردها بسبب قلة إستهلاكها.” لكن يبدو أن أكثر المهددات بعيدة الأثر والتي يوليها الباحثون الكثير من الإهتمام هي المساس بالبنية الثقافية والسلوكية للإنسان وتحويل الإستهلاك إلى آيديولوجيا ليصبح أكثر قدرة وشراسة في هيمنته على الفكر والمسلك. يرى هؤلاء الباحثون أن من الظواهر التي رافقت إزدهار الإنتاج السلعي في ظل الثورة الإلكترونية، أن التقنيات الجديدة والعلاقات الإجتماعية التي شكلت وسائط الإعلام في العالم جعلت من السهل أن يصبح نمط السلوك الإستهلاكي الجديد موضوعاً مهيمناً في هذه الوسائط والتي صارت بمعدّل إستثنائي وسيلة فعالة في نشر ثقافة الإستهلاك على مستوى العالم. كذلك صاحب هذه التقنيات المتقدمة إعداد الخطط والدراسات والبرامج التي إستثمرت في مباحث العلوم الإجتماعية والإنسانية مثل علم النفس وعلم النفس الإجتماعي وعلم الجمال والإعلام، إلخ. فمثلاً يكاد يتلاشى الخط الفاصل في الميديا بين المعلومة المرسلة وعنصر الإستمتاع وترويج المنتجات. وتتحول مراكز التسوق والمولات إلى منصات تشكيلية بصرية يبدع مهندسوها في إنشائها لإبراز السلع ضمن بيئة جمالية تخاطب الذوق وتستهدف غريزة التملّك والدوافع الإجتماعية والنفسية في الأفراد. ويجتهد مصممي هذه المراكز في تقديم مسوّغ منطقي لوجودها وتوجيه سلوك المتسوّق من خلال ترتيب وخلق إطار مكاني جاذب ورموز تستثير تداعيات وأمزجة وميول المتسوق. كذلك التنوع الهائل للسلع المعروضة والأسفار وأشكال الترفية تتيح الفرصة عملياً لأي إنسان ليجد شيئاً ما يلبي رغبة أو طموح خاص حتى لو جاء ذلك وليد لحظة تسوقه، وذلك بغض النظر عن العرق أو العمر أو الجنس أو الطبقة. من الواضح، إذن، أن نجاح ثقافة الإستهلاك يمكن مشاهدته في كل العالم، إذ يهرول الناس إلى المولات ينفقون نقودهم في شراء المنتجات عن طريق بطاقات الائتمان credit cards وينتهي بهم الأمر مطوّقين ضمن المنظومة الرأسمالية العالمية. وهذا بالضبط ما يحقق دعوة فكتور ليباو وآخرين في تحويل فعل الإستهلاك وشراء المُنتج إلى طقس ثابت وأسلوب حياة.
فوق مائدة اللئام
في العام 1884 إنعقد مؤتمر برلين بحضور ثلاثة عشر دولة أوروبية إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وأجاز ما عُرف بالمرسوم العام لمؤتمر برلين General Act of Berlin Conference. وهو المؤتمر الذي أسس وقنّن وشرعن للقوى الرأسمالية في مرحلة نهضتها الإمبريالية في ذلك الوقت تدافعها المسعور نحو أفريقية وتقسيمها القارة في ما بينها، وذلك من خلال غزو عسكري غاشم وممنهج وشامل حتى كتب عنه أحد الكتاب الأفارقة المعاصرين داعياً إلى وجوب وصفه تاريخياً بالحرب العالمية الأولى وليس تلك الحرب التي وقعت في أوروبا بين عاميْ 1914 و1918، لأن كل الدول الأوروبية غزت القارة بأساطيلها من كل إتجاهاتها وأخضعت شعوبها بجبروت سلاحها المتفوق. وكان الهدف بالطبع موارد المواد الخام وتسريع دورة الإنتاج والإستهلاك. ومع التمدد الإمبريالي والتحولات الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية، خاصةً التحول من الأستعمار الإحتلالي إلى أشكال الهيمنة الإقتصادية، ومع تصاعد حدة التنافس بين القوى الإمبريالية وضرورات خلق وإزدهار الأسواق و”صناعة” الإنسان المستهلك في كل بقاع الدنيا حتى في أفقر مجتمعاتها، نتج عن كل ذلك تجاوز إستهلاك العالم لمقدرات حياته بنسبة 30% كما أشرنا وتناقص الموارد الكافية لحياته مما وضع البلاد صاحبة الموارد، وبلدنا على رأسها، فوق مائدة اللئام كما يبدو جلياً في التقرير التالي الذي أوردته صحيفة الراكوبة الإلكترونية بتاريخ 22 أغسطس 2021 :
يكشف تقرير لمنظمة قرين (GRAIN) المختصة في كشف الأراضي الزراعية المنهوبة في العالم، أن الأراضي التي خُصصت لجهات أجنبية بواسطة النظام البائد في عام 2016 فقط، كانت 780 ألف هكتار للإدارة التركية العامة للأعمال الزراعية، 132 ألف هكتار لشركة وفرة المصرية، 100 ألف هكتار لشركة حصاد القطرية، 87 ألف هكتار لشركة GLB اللبنانية، 55 ألف هكتار لشركة أمطار الإماراتية، 40 ألف هكتار للشركة السودانية المصرية للتكامل، 40 ألف هكتار لاتحاد الفلاحين المصريين، 29 ألف هكتار لصندوق أبوظبي للتنمية، 25 ألف هكتار لنادك السعودية، 20 ألف هكتار لشركة جنات التابعة لاستثمارات الراجحي السعودية، 12 ألف هكتار لشركة مجموعة بينسو البرازيلية، و10 آلاف هكتار لشركة المراعي السعودية. كما تكشف دراسة علمية أجراها بروفيسور (باولو دودوريكو) بجامعة فرجينيا أن 23 في المائة من الأراضي الزراعية في السودان تم بيعها أو إيجارها لمدد طويلة جداً لمستثمرين أجانب، وهي تبلغ حوالي 10 في المائة من جملة الأراضي المستولى عليها على نطاق العالم، وأن السودان هو أكثر الدول في العالم التي تم الاستيلاء على أراضيها الزراعية بعد جمهورية الكونغو الديمقراطية وإندونيسيا والفلبين.
كذلك روى أحد الزراعيين السودانيين المقيم في أمريكا أنه في العام 2015 جرى إستدعاء مائتين من الخبراء في الإنتاج النباتي والحيواني إلى جامعة هارفارد للتباحث حول سبل تدارك النقص في الغذاء العالمي وتلافي وقوع مجاعة كونية في الحقب القادمة بسبب الإنفجار السكاني وإرتفاع مستوى المعيشة ووتيرة الإستهلاك وضعف إنتاجية الأرض وتلوث المياه. وجاءت توصيات هذا اللقاء بالإتجاه إلى أفريقية وعلى رأسها السودان. ففي أفريقية 93% من الأرض الزراعية غير مُستغلة، وفي السودان 80 مليون هكتار من الأراضي الصالحة أُستغل منها 30% فقط، وله من الثروة الحيوانية مائة وثمانية مليون رأس من الماشية.
سلة غذاء العالم ؟
مقولة “السودان سلة غذاء العالم” وإيحاءاتها التي لا بد تستدعي لدى البعض مشاعر الغبطة والإحساس السعيد بما نملك من سعة في الأرض والماء، لكنها تحجب جملة من المخاطر الداهمة، أهونها تدفق لا يكل من مستوطنين وافدين عبر فجاج حدودنا الهاملة شمالاً وشرقاً وغرباً؛ بعضهم إستقر “بوضع اليد” كما في الفشقة، وبعضهم إستقر “فهْلوة وحُمرة عين” كما في حلايب، وبعضهم إستولى وإستقر في الأرض بعد تطهيرها من أهلها بغشامة الكلاشنكوف وبأسه كما في دارفور. وأعظم هذه المخاطر أن هذا البلد ومنذ القرن التاسع عشر كان في مرصاد القوى الإمبريالية وأصبح من نصيب بريطانيا عند تقسيم الكيكة الأفريقية ولم يتحررمن طوق المحور الإقتصادي لهذه القوى إلى يومنا هذا رغم نيله لإستقلاله لأكثر من ستة عقود. لكن، وإن كان هذا الطوق الإقتصادي مؤهلاً أصلاً برصيد متكامل من التخطيط السياسي والدبلوماسي والمخابراتي إلا أن “الوسيط” الثقافي الآيديولوجي كعنصر هام في خلق المستهلك وتكريس ثقافة الإستهلاك يجد مكانه اللائق به ضمن هذا التخطيط. وكما هو معلوم تاريخياً، يتطابق ويتكرر المشهد في كل الدول المُستعمرة: يبدأ المستعمر بتدمير البنية الإقتصادية الموروثة للمجتمعات المستعمَرة وخلق بنيات جديدة وإلحاقها بالمنظومة الرأسمالية، ويترافق مع هذا تحولات إجتماعية عميقة أبرزها نشوء سُلم طبقي أعلاه شريحة رأسمالية جرى تغذيتها وربطها بالمنظومة الرأسمالية، تليها طبقات وسيطة تتخلق تدريجياً مع عمليات التحديث ويلي في أدنى السلم بقية الكم الهائل من القوى الكادحة من عمال ومزارعين وحرفيين ورعاة. كذلك ينموا ويتسع طردياً مع هذه التحولات الإقتصادية والإجتماعية سوق وإستهلاك الوارد من منتوج العالم الرأسمالي، وتنبثق بشكل أهوج ثقافة الإستهلاك عند الطبقة الإجتماعية في رأس السلم لتتنزل إلى الطبقات الأخرى بما فيها الأكثر فقراً. وهكذا تنداح دائرة ثقافة الإستهلاك من خلال شبكة متداخلة من العوامل يلعب فيها الوضع السياسي والإقتصادي ووسائل الإعلام إلى جانب أشكال العلاقات الإجتماعية والمؤثرات النفسية دوراً رئيسياً في إزدهارها. هذا المشهد تكرر، وما زال، في أكثر صوره إنحطاطاً في هذا البلد. ففي عهد الإنقاذ ومع إلغاء الدولة ومسئولياتها وبعثرة مرافقها وتسيُّد شركات ومؤسسات الحركة الإسلامية وبروز طبقة طفيلية غير مسبوقة في فحش ثرائها جرى تسليع كل مرافق حياة الناس وإستشرى الكثير من السلوك الإستهلاكي التفاخري الأخرق مما أشار إليه عبدالجبار عبدالله بالبوبار، وإنتشر الكثير من الظواهر الشوهاء كما في بدعة “تخريج” أطفال الروضة وتكاليف مستلزماته فهي نموذج فاضح للكيفية التي تحاصر بها ثقافة الإستهلاك وسماسرتها من إفراز الإقتصاد الطفيلي أفقر الأسر. ولنا في مثال المولات الباذخة والقائمة كنبت شيطاني في بيئة من الخراب وضنك المعيشة، وكذلك في موديلات عربات البرادو والتي لا نراها حتى في طرقات المدن الأوروبية أفضل نموذج في إتساع الهُوّة بين طبقة متخمة وطبقات معدمة. السودان، إذن، ليس سلة غذاء لجوعى العالم، بل سلة غذاء لقوى رأسمالية مسعورة، عالمية وإقليمية ووطنية، وأرضاً عذراء أضحت نهباً لهذه القوى تستبيحها مدعومةً بشريك لصيق بها كان وما زال إلى يومنا هذا ممسكاً بمفاصل السلطة السياسية ومقدرات البلاد الإقتصادية.
abusabib51@gmail.com
///////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم