صدر بالأمس (4 فبراير 2026) الإعلان المشترك للاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين جمهورية مصر العربية وجمهورية تركيا، وذلك خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر بعد مغادرته السعودية، وهو المجلس الذي صدر إعلانه الأول بعد الاجتماع في أنقرة في (4 سبتمبر 2024) برئاسة مشتركة من رئيسي الدولتين. وبالطبع كانت القضية السودانية من ضمن المحاور الرئيسة للإعلان، والتي جاءت الفقرة الخاصة بها على النحو التالي: (يعيد الطرفان التأكيد على احترامهما والتزامهما بسيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، وكذلك دعمهما للمؤسسات الوطنية السودانية ورفضهما القاطع لإقامة أي هياكل حكم موازية في السودان. ويؤكد البلدان دعمهما لجهود الفاعلين الإقليميين والدوليين، بما في ذلك الرباعية، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، لإيجاد حل سياسي للصراع والتخفيف من معاناة الشعب السوداني. كما يشدد الطرفان على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل مستدام ودون عوائق، وزيادة حجم المساعدات الإنسانية إلى السودان والدول المجاورة، فضلاً عن الحاجة إلى إنشاء ملاذات وممرات آمنة لتعزيز حماية الشعب السوداني وتيسير وصول المساعدات الإنسانية). انتهى الاقتباس من الإعلان.
وقد لفت انتباهي ذكر أن الدولتين في إعلانهما يؤكدان دعمهما لجهود الفاعلين الإقليميين والدوليين، بما في ذلك (الرباعية والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية)، وذلك بخلاف البيان المشترك السعودي التركي، الذي صدر في ذات اليوم ولم يأت على ذكر أي من هذه الجهات والمبادرات. وكان تقديري أن ذلك يرجع لتحفظات تركية أو أن بعض مقترحات حل القضية السودانية التي تحملها هذه الجهات والمبادرات – بخاصة الرباعية- لا تتوافق والرؤية التركية، إلا أن الإعلان المصري التركي جعلني أعيد التفكير في موقف السعودية ومصر تحديداً من الجهود المشتركة والمبادرات المختلفة وخاصة الرباعية على ضوء التطورات في العلاقات الإقليمية والدولية بينهما وبين الإمارات إحدى دول الرباعية.
وهنا استعرض بالتحليل بعضاً مما قد يكون محاولة للإجابة على هذا السؤال: لماذا ذكر الإعلان التركي المصري الرباعية؟ على أننا قبل الإجابة على هذا السؤال علينا مراجعة الموقف المصري في مجمله من الصراع الذي يدور حالياً في السودان.
منذ اندلاع الحرب في السودان، كان الموقف المصري الأكثر وضوحاً على ما عداها من دول، فيما يتعلق بدعم القوات المسلحة السودانية سياسياً، هذا خلاف دول ومجموعات أخرى، بعضها كان موقفه متذبذباً وبعضها ساند الدعم السريع بشكل صريح وعبر مواقف واضحة، وبعضها اتخذ موقف الوسيط المحتمل لحل الأزمة.
أما عسكرياً، فقد اتهمت قوات الدعم السريع مصر صراحة بمساندة القوات المسلحة السودانية في أكثر من مناسبة من بينها خطابات قائدها دقلو حميدتي، وقد سبق بحسب الجزيرة نت في (3 يونيو 2025) ” أن اتهم قائد قوات الدعم السريع مصر قبل أشهر بالمشاركة في الضربات الجوية على قواته في منطقة جبل موية بولاية سنار وسط البلاد. كما اتهم حميدتي القاهرة بتدريب الجيش السوداني وإمداده بطائرات مسيّرة” الأمر الذي نفته مصر. ومن بينها كذلك خطابه في يونيو 2025 الذي جاء فيه بحسب المصدر نفسه بذات التاريخ ” أن القاهرة زودت الخرطوم بـ8 طائرات يقودها طيارون مصريون، قائلا إنها تقلع من مدينة دنقلا لقصف دارفور وكردفان، واصفا الأمر بـ”العدوان السافر على الشعب السوداني”. انتهى. ومن ثم تطور الموقف المصري حتى وصل إلى مرحلة أن أعلنت ما أطلقت عليه (الخطوط الحمراء) بشأن الأزمة في السودان، وحذرت وفق صحيفة الشرق الأوسط “من تجاوزها باعتبارها «تمس الأمن القومي المصري». ولوّحت باتخاذ كافة التدابير التي تكفلها «اتفاقية الدفاع المشترك» بين البلدين” وذلك خلال زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى مصر ولقاءه الرئيس المصري في ديسمبر الماضي.
هذا هو مجمل الموقف المصري وفقاً للمعلومات المتوفرة وعبر محطات رئيسية محددة وليس تفصيلاً، ولكن بالعودة للإجابة على السؤال لماذا ذكر الإعلان التركي المصري الرباعية والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، أبدأ بالقول إن الرباعية ليست إطارًا أممياً (الأمم المتحدة) ولا أفريقياً (الاتحاد الأفريقي) وليست كذلك إطاراً إقليمياً (الجامعة العربية)، بل هي آلية تنسيق سياسي بنيتها المؤسسية قائمة على ارتباطات سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو حدودية، أو كل ذلك أو بعضه معاً، بين دولها الأعضاء والسودان، وهي قد نشأت استجابة لتفجّر الحرب وتعثر المساعي والمبادرات المختلفة لإيقافها/إنهائها، ولذلك أجد أن ذكرها مع الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية فيه تعمد بائن.
وبعد إعادة التفكير في: لماذا أورد الإعلان المصري التركي الجهود الإقليمية والدولية لحل الأزمة في السودان في حين صمت عن ذلك البيان السعودي التركي، أجدني ميال إلى أن السعودية تشعر بأنها تقود عمليًا مساراً مستقلاً وواضحاً ومقبول نسبياً ويمكن العودة إليه في أي وقت، وهو كذلك كمرجعية، مؤثر في جميع المبادرات والتحركات وهو منبر جدة. كما أنها شريك أساسي في الرباعية ليس بشكل عرضي، ولكن لأنها موجودة منذ بداية الصراع في قلب المبادرات المختلفة، كما أنها تحظى بقبول دولي كوسيط، ولم تجرؤ أي جهة على اتهامها بالانحياز السلبي في خضم الصراع السوداني، هذا على عكس الموقف المصري الذي جرى ذكره أعلاه.
ولكن لماذا اختارت مصر تركيا؟ إن الحديث عن السودان وأزمته بصفة خاصة في الإعلان مع تركيا له دلالات تاريخية، تتصل بالدولة العثمانية والاحتلال التركي المصري الذي لديه رمزية ثقافية عالية لدى النظام التركي القائم حالياً، وكذلك يشي مثل هذا الحديث بمغازلة لتركيا من الجانب المصري بأن بوابة السودان والبحر الأحمر متاحة للدخول لأفريقيا عبر شرقها، وبالتالي إمكانية تحقيق بعض المصالح من هذا المدخل، خاصة مع الوضع في الاعتبار أن تركيا بدأت هذا المسار من قبل مع السودان ومع بعض الدول الأفريقية المتاخمة، ومع الوضع في الاعتبار كذلك التقارب التركي السعودي الذي لولاه لكانت المهمة في منطقة البحر الأحمر وشرق أفريقيا أصعب.
ولكن الهدف المهم في رأيي لمصر من انخراط تركيا خاصة فيما يتعلق بالشأن السوداني، هو السماح بدخول ظهير إقليمي جديد، ليس لديه أغراض أو مصالح من تمدد الصراع السوداني، وكذلك هو بعيد نسبياً من الصراع الخليجي أو الإقليمي في السودان، وربما تتجه مصر في مقبل الأيام إلى استيعاب ظهير جديد أو يتجه ظهير جديد للانخراط من أجل توسيع مظلة العمل والقرار.
أما بالنسبة للجانب التركي، فالواضح أنها تعترف بالرباعية وسائر المبادرات الأخرى كأمر واقع أو موضوعي، ولكنها تحاول ألا تجعلها المرجعية الوحيدة لحل القضية السودانية، وهي ودول أخرى تسعى لتوسيع المظلة لكيلا تكون مثل هذه المبادرات محتكرة لأطراف محددة.
إن المشتركات والتقاطعات بين مصر وتركيا في القضية السودانية متعددة ومنها ما هو متداخل مع دول أخرى كالمملكة العربية السعودية كمثل موضوع إيصال المساعدات الإنسانية، ومنها ما هو أكثر حدية، كمثل موضوع المحافظة على مؤسسات الدولة ورفض أي سلطة موازية ورفض دعم أي طرف بخلاف السلطة المركزية والمرونة مع وجود إسلاميين في السلطة الحالية أو الانتقالية وفي مستقبل الحكم في السودان. أما ما هو متوازٍ بين مصر وتركيا مقابل دول مثل الإمارات وبريطانيا وكينيا وأثيوبيا، فهو النظر للصراع ببراغماتية محضة، والمرونة تجاه التعامل والتعاون مع سلطات أخرى بخلاف السلطة المركزية، والضبابية في الرؤية حول شكل الدولة السودانية ما بعد توقف الحرب.
الخلاصة:
مصر ليس من أهدافها من وجهة نظر الكاتب، عرقلة الرباعية ولا تعوِّل عليها كذلك بشكل كامل. إن مصر تحاول تعديل مسار الرباعية من داخلها ولا تريد تفكيكها أو نسفها- على الأقل في الوقت الحالي- وذلك لوجود مصالح لها مع أطرافها برغم تباينهم، وهي لذلك تحاول وتتجه نحو توسيعها لتشمل حلفاء أكثر قرباً ودعماً لمواقفها ورؤيتها، خاصة مع التجاذبات المتوقعة داخلها، والتي بدأت بعض ملامحها تلوح في الأفق كمثل المشاحنات المكتومة بين السعودية والإمارات في ملفات أخرى كالملف اليمني، والتي ربما تنسحب على الملف السوداني.
إن وجود مصر داخل الرباعية في اعتقادي، له هدف محدد وهو كبح أي تسوية أو حلول تعطي شرعية للدعم السريع مع الحرص على حماية موقف الجيش السوداني والمساهمة في رسم مسار تفاوضي في صالحه، وكذلك لديها هدف آخر وهو تأطير من سيشارك في الحكم الانتقالي حتى يكون لديها عليه يد أو تأثير. إن مصر تقف هذا الموقف كذلك ليس من أجل عيون القوات المسلحة أو الشعب السوداني، بل من أجل رعاية مصالحها في السودان بشكل أكثر موثوقية، والتي تشمل الموارد والأرض ومياه النيل والحدود والعلاقات الإقليمية والدولية، ولا ضمان لتحقيق هذه المصالح بالشكل الأمثل إلا عبر قوى تخضع للدولة المصرية إما لأسباب وارتباطات تاريخية(الجيش) وإما لوقوع بعض هذه القوى تحت ما يسمى في علم النفس ب(دائرة الذنب) بحيث تصبح السيطرة على مثل هذه القوى سهلة وإذعانها متاح، وهذه القوى تمثلها بعض التيارات الإسلامية وبعض القوى السياسية المدنية وبعض القوى العسكرية المرتبطة بالجيش.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم