في نشأة حركة الإخوان المسلمين .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
إنَّ الطوائف المتعسكرة لشيء طبعي في الإسلام، ولها من القوَّة التي بها تستطيع أن تحوِّل العداء الطبيعي إلى تزمُّت. ففي القرن الثامن عشر الميلادي أفلح زاهد متعسكر أن يؤلِّف أتباعاً وأشياعاً في قلب الجزيرة العربيَّة. إذا تحالف محمد بن عبد الوهاب مع أسرة سعود عن طريق المصاهرة، وانطلقت جنود الحركة الوهابيَّة من الداخل واستولت على مكة المكرَّمة العام 1807م، ولكن سرعان ما خبَّت روح الوهابيَّة لأنَّها لم تكن تملك شكلاً أو اتجاهاً، عكسما كانت عليه الحال بالنسبة لحركتي الدَّراويش في السُّودان أو الأناضول. بيد أنَّها ظلَّت هامدة، ولم تمت بعد. كانت القوى الاستعماريَّة – الفرنسيُّون في إفريقيا والبريطانيُّون في الهند والروس في آسيا الوسطى – تدرك بحدة حجم الأخطار الكامنة في القبائل الإسلاميَّة. وكان أكثر ما ارتعبت منه هذه القوى هو احتمال بروز قائد يستطيع أن يحوِّل هذه القبائل المتفرِّقة المتحاربة إلى جيش عقائدي حقيقي يطيع له أمراً.
في مصر كان الشيخان رشيد رضا ومحب الدِّين الخطيب يرهنان على عبد العزيز آل سعود، ومن خلال الشيخ المصري حافظ وهبة، مستشار الملك عبد العزيز وأحد المقرَّبين له، ومن ثمَّ سعى الشيخان للقاء الملك والعمل من أجل مشروعه السياسي والفكري معاً. وفي صورة أشبه بالانقلاب أو التمرُّد على فكر أستاذهما الشيخ محمد عبده المنفتح ومذهبه الحنفي الأشعري، تبنَّى الشيخان مذهب المملكة العربيَّة السعوديَّة الوهابي الحنبلي مع ما فيه. ثمَّ تبنَّيا تجربة جيش الإخوان الوهابي. ومن ثمَّ التقى الشيخان بحسن البنا (1906-1949م)، ولمحا فيه الحماسة والحمية وأُعجِب الأخير بتجربة الإخوان بالمملكة العربيَّة السعوديَّة، ومن ثمَّ أسَّس البنا جمعيَّة الإخوان المسلمين العام 1928م، وكان غرضها الأساس هو الدَّعوة إلى الله، ولا شيء غير الدَّعوة فقط.(5) فقد أذاع البنا في أشياعه: “بأنَّكم لستم جمعيَّة خيريَّة، ولا حزب سياسي، ولا منظَّمة محليَّة ذات أهداف محدودة؛ ولكن أنتم روح جديدة في قلب هذه الأمة لتمنحوها الحياة عن طريق القرآن.” وحينما سُئل إلام أنت له داعٍ؟ كانت إجابته: “الإسلام، رسالة محمد.” وقد حمل البنا في رسالته، التي أذاعها في الناس، بأنَّ من يقف ضدهم ويعترض سبيلهم فإنَّ الله يسمح لهم بأن يدافعوا عن أنفسهم ضد الظلم! كان هذا القول تهديداً مبطَّناً ضد من لا يتَّفق معهم ومع منهجهم.
إذاً، لِمَ عادت الوهابيَّة وانتشرت وعمَّت أجزاءً كبيرة من العالم الإسلامي برغم من الاستقبال البارد – أو بالأحرى – الذي حُظِيت به في أول الأمر وفي نشأتها الأولى؟ ثمَّ لماذا أخذت تتمدَّد في شكلها الإرهابي في الدول الغربيَّة؟ وكذلك دعنا لا ننسى الدور الذي لعبه آل سعود في تكامل الوهابيَّة مع المجتمع الإسلامي، وجعلها في مكانة أصوليَّة متزمِّتة. ولا شك في أنَّ الدولارات النفطيَّة التي يتم إنفاقها في تشييد المساجد حول العالم، والصرف على تمويل وتدريب الأئمة والدعاة الوهابيين، قد ساهمت على تقوية شوكتهم وانتشارهم.
لا توجد تعليقات
