فيكتور جارا .. أغان باقية .. بقلم: محمد السيد علي

 

(إنّ صراع الإنسان مع الذاكرة هو صراع الذاكرة مع النسيان) ميلان كونديرا

أكثر من (44) عاما مضت على إغتياله ولا تزال ذكراه وأغانيه باقية في وجدان الشعب الشيلي .. فيكتور جارا مارتنيز ، ذلك الفتى الشاب الذي ظهر على المشهد الفني والثقافي في بلده في حقبة الستينات ونجح بفضل مواهبه المتعددة في أن يفرض وجوده على الساحة الفنية كمسرحي ، شاعر ، مغني ، أكاديمي وكناشط سياسي كذلك .. لم يحتمل نظام بينوشيه القمعي أن يكون أمثاله على قيد الحياة ، فقام بتصفيته بشكل وحشي ، ليس لأنه ظاهر حكم الليندي فقط ، بل لأنه كان منحازا بكلياته إلى هموم الشعب وقضاياه وصوتا معبرا عن طموحاته . بعد إعتقاله عمد النظام إلى تعذيبه أولا ثم قتله . لم يك الأمر يحتاج سوى إلى طلقتين أو ثلاثة ، لكنهم أمطروا جسده بأكثر من أربعين طلقة ، كأنما أرادوها أن تساوي سني عمره وتزيد ، ثم ألقوا جثته المشوهة في إحدى شوارع سانتياغو وبصعوبة تم التعرف عليه من قبل إصدقائه . حدث ذلك في السادس عشر من سبتمبر عام 1973 ، أي بعد أيام قلائل من إنقلاب بينوشيه المشئوم على الرئيس المنتخب سلفادور الليندي . بعد ذلك قام النظام بإحراق كلما وقعت عليه أعينه من تسجيلات غنائية لحجب صوته ، لأن الطغاة كالعهد بهم لا يريدون أن يسمعوا سوى صدى أصواتهم .

ولد مارتينيز في لوكينا خارج العاصمة سانتياغو في بيئة فقيرة في العام 1932 . كان والده أميا مدمنا للشرب ، لم يحفل كثيرا بتعليم أبنائه ، بعكس (اماندا) والدة مارتينيز التي كانت تحض أبنائها على التعليم وكافحت كثيرا في سبيل تربية أبنائها ، لكنها فارقت الحياة وكان مارتينيز وقتها في الخامسة عشر من عمره ويبدو أن رحيلها ألقى بظلاله على نفسه فإلتحق بمعهد ديني ، لكنه بعد عامين غادره ووجد أن نفسه تواقة إلى عالم الموسيقى ، لا سيما الموسيقى الشعبية فكان إن أنخرط في هذا المجال بكلياته وأصبح الجيتار أنيسه الذي لا يفارقة ، ثم إلتحق بجوقة المنشدين بجامعة شيلي في سانتياغو وبدأ يكتسب فهما أكبر في الموسيقى وأبعادها فكان أن إستقل بعدها بمفرده ليقدم أول أعماله في 1966 ، ثم أخذ يكتسب مزيدا من الثقة بنفسه بعد نجاح العديد من أغانيه فشارك في مهرجان غنائي أقيم في سانتياغو عام 1969 ونال الجائزة الأولى . إمتازت أعماله بالغناء للوطن ، الثورة ، الحرية وضد الظلم والقهر والفقر . شارك مع أخرين في إعادة تشكيل قوالب الغناء الشعبي بإدخال السياقات الإجتماعية السياسية في مضامينها . جذبه المسرح وقدم العديد من الأعمال كمخرج مسرحي ومن خلالها ساهم كذلك في تطوير المسرح التشيلي . إستهواه خط اليسار فتبناه عقيدة فكرية وعند إنتخاب الليندي رئيسا لشيلي ، تطابقت رؤاه مع رؤى النظام الجديد الذي تبنى أغاني مارتينيز كغناء وطني . نتيجة لذلك إتسعت شعبية مارتينيز ووجد قبولا واسعا خاصة بين الشباب وطاف أمريكا اللاتينية مبشرا بالفكر اليساري وملهبا حماس الشباب بأغانيه الثورية .

بعد إنقلاب بينوشيه المشئوم عام 1973 عاشت شيلي أسوأ أيامها تحت ذلك الحكم القمعي شديد الضراوة . كان كل من ينبس ببنت شفه ضد النظم يتم إعتقاله . زج بالألاف من الشباب في السجون والمعتقلات .. إختفي البعض ومات الكثيرون تحت وطأة التعذيب وقاست العائلات ما قاست وهي تفقد الأحباء والأبناء وغرقت في أحزانها ودموعا .. لكن برغم كل ذلك فإن إرادة الشعب التشيلي لم تنكسر .. فقد أخذت المقاومة ضد النظام تتنامى يوما بعد يوم ، ومثلما يستمد النهر قوته من روافده ، كانت المنشورات السرية ، الأشعار الوطنية والأغاني الوطنية الي تبث سرا تفعل فعلها وتمنح الشعب الشيلي القوة والصمود والترياق ضد الخضوع . في النهاية نجح الضغط الشعبي والعالمي في إجبار بينوشيه على التنحي عن الرئاسة ليكون وزيرا للدفاع في العام 1990 ، ثم تراخت قبضته على الحكم وأشتد عليه المرض وتخلى عنه الجميع وبات يستعطف العالم بمرضه وكرسيه المتحرك بأن لا يحاكم حينما برز ذلك الإتجاه ، إلى أن جاءت النهاية وأزفت الأزفة ورحل بينوشيه غير مأسوف عليه تلاحقه لعنات شعبه في العام 2009 بعد أن أرتكب أفظع الجرائم وسوّد صفحته في التاريخ ، لتتنفس شيلي الصعداء . في اواخر عام 2009 أعيد نبش قبر مارتينيز بمعرفة إبنته (اماندا) وأعيد إليه الإعتبار كمغن كان بمثابة حنجرة الشعب . سار في موكب تشييعه المهيب الالاف من أبناء الشعب الشيلي وأستدعى الذين عاصروا تلك الفترة الذكريات التي إمتزجت بالدموع ، أضيئت الشموع وسار المشيعون يرددون كلمات أغانيه التي طالما بثت الحماس في أوساط الجماهير .

إنزاح الكابوس وإنتصرت إرادة شيلي القوية .. عادت الفرحة إلى مغناها والكلمة إلى معناها
والروح إلى مسراها .. عاليه تحلق مع طائر الكوندور في شواهق شيلي وعادت أغاني مارتينيز تبث في كل مكان وكذا ملصقاته التي يظهر فيها وهو يحتضن جيتاره الأثير . في الساحات العامة وعلى المقاهي أخذ الأباء يحكون للأبناء عن أيام شيلي العصيبة وكيف إجتازوها .. عن صمود الليندي . أشعار نيرودا وأغاني مارتينيز .. عادت أغانيه التي أحتفظ بها الأصدقاء والتي كانت بمعية زوجته لتعيد الأيام الخوالي التي كان له فيها السطوع ، من البوماته العديدة مثل : الحق في العيش بسلام ، العيش بحرية وغيرها فيما حظيت أغنيتي (أماندا) و (مانيفستو) بالنصيب الأكبر من التعاطف . كانت (مانيفستو) هي أخر أغنية كتبها مارتينيز وبلحنها البسيط وكلماتها العميقة ، بدأ وكأنه يعاهد الشعب بأن لا يغني إلا لسواه : أنا لا أغني لأجل حب الغناء .. ولا للتباهي بصوتي .. ولكني أغني من أجل التعابير التي يصنعها جيتاري الصادق .. إن جيتاري ليس للقتلة والطامعين للمال والسلطة .. ولكنه للشعب الذي يكدح لكي يزدهر الغد .. للأغاني التي تأخذ معنى حينما يغنيها رجل سيموت غناء .. حينما يغني بصدق أغانيه .. أنا لا أهتم بالتزلف أو أن يبكي الغرباء .. أنا أغني لقطاع نائي في بلدي .. ضيق لكنه عميق بلا نهاية .. للأرض التي منها أتينا وإليها ننتهي .

msaidway@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً