فَاطْنَة أم زُمَيِّم ومَحَمَّد الأربَاب
ترويها مَيْ زُمراوي
حررها عادل سيد أحمد
سنحكي عن فاطنة أم زميم، وسميت بأم زميم لأنه كان عندها زُمام معلَّقٌ في أنفها، وكانت فاطنة بنت جميلة جداً، وشقيها اسمه محمد الأرباب. وكانا يتيمَي الأب والأم، ويسكنان في طرف القرية في الخلاء.
اعتاد محمد أن يخرج في المساء للصيد، على أن يعود لأخته في اليوم التالي فجراً، وهو محمل بما اصطاد من أرانب وغزلان وطيور، فيقف أمام الباب ثم يهزج لأخته ويقول:
- فاطنة أم زِمَيِّم
خُدرة الوادي المِغَيِّم
افتحي لي الباب
أنا محمد الارباب
أغديكِ وأعشيكِ
وأصايد الليل أخليكِ
فتفتح له (فاطنة أم زميم) الباب، وتحمل عنه الصيد فتطبخه ثم يأكلان ويشربان الشاي ويتآنسا وبعد ذلك ينام (محمد الأرباب) قليلاً قبل أن يرجع للصيد في المساء مرةً أخرى ويتركها وحيدة.
وجد محمد أثناء الصيد شبلاً صغيراً، وفي مرةٍ ثانية وجد نمراً صغيراً وجرواً وفي الأخير وجد مرفعين (ضبع). وأخذ هذه الحيوانات الصغيرة ووضعها في كهفٍ في الجبل، وهناك ربطها بالجنازير وصار يقدم لها، يوميَّاً، طعاما جيداً من الصيد الذي يظفر به في رحلاته الليلية. فآلفته وصارت تعرفه وتعرف صوته، وتنتظره فتبدي له علامات الفرح حين يقدِّم لها الطعام.
وحدث أن سمع الغول بقصة محمد الأرباب وأخته فاطنة أم زميم، وقرر أن يذهب لفاطنة ويقلد أخوها، حتى تفتح له الباب، فيأكلها.
وفعلاً جاءها، ووقف أمام الباب، وقال لها بصوته الأجش والقبيح: - فاطنة أم زِمَيِّم
خُدرة الوادي المِغَيِّم
افتحي لي الباب
أنا محمد الارباب
أغديكِ وأعشيكِ
وأصايد الليل أخليكِ
فعرفت فاطنه إن هذا الصوت ليس صوت أخيها محمد الأرباب، وإنما هو صوت الغول، فرفضت أن تفتح له الباب، وقالت له: - أمشي! حِسَّك حِس كَلَس
وحِس محمد أخوي حِس جَرَس
وأراد الغول أن يحسن صوته ليصير كصوت محمد فذهب إلى حداد يعمل في السوق، وقال له: - أريدك أن (تطرِّق) لي صوتي ليصير كصوت محمد الأرباب ناعماً ذا جرس، ولو لم تقم بذلك سأقتلك وآكلك.
فطرَّق له الحداد صوته، تحت التهديد، حتى صار كصوت (محمد الأرباب) بالضبط. ولكن الغول في طريقة إلى بيت فاطنة أم زميم وجد دجاجة ميتة ملقاة في الطريق، أكلها فرجع صوته أجشاً قبيحاً مرةً أخرى. وذهب على هذا الحال لفاطنة ووقف أمام الباب وقال: - فاطنة أم زِمَيِّم
خُدرة الوادي المِغَيِّم
افتحي لي الباب
أنا محمد الارباب
أغديكِ وأعشيكِ
وأصايد الليل أخليكِ
فرفضت فاطنة أن تفتح الباب، وردت عليه:
قامت قالت له: - أمشي! حِسَّك حِس كَلَس
وحِس محمد أخوي حِس جَرَس
فرجع الغول للحداد مرةً ثانية وقال له: - هذه المرة لو لم تطرِّق لي صوتي سآكلك يعني سآكلك.
فقال له الحداد: - ياخي! بعد أن أطرِّق لك صوتك، سأركب فوق ظهرك ومعي هذا السوط، وبمجرد أراك تنزل لتأخذ حيواناً ميتاً من الأرض لتأكله فسأجلدك بهذا السوط حتى لا يرجع صوتك قبيحاً وتحافظ على نبرة محمد الأرباب فيه. ووافق الغول على شرطه.
فطلع الحداد فوق ظهر الغول وفي يده السوط، وسارا إلى بيت فاطنة، وكلما أراد الغول أن يأكل ميتة حتى يسارع الحداد بجلده بالسوط إلى أن وصلا بيت فاطنة محافظا على صوته الذي يشبه صوت محمد. فقال لها بطريقة محمد: - فاطنة أم زِمَيِّم
خُدرة الوادي المِغَيِّم
افتحي لي الباب
أنا محمد الارباب
أغديكِ وأعشيكِ
وأصايد الليل أخليكِ
وفتحت (فاطنة أم زميم) له الباب. وما أنا خطى خُطوات إلى داخل البيت حتى قال لها: - فاااطنة…
دمَّك جُغمة
ولَحمِك لُقمة
فقالت له: - عليك الله يا الغول ما تاكلني، أكل محمد أخوي.
- وينو محمد أخوك؟
فقالت له إن محمد أخوها سيأتي بعد قليل، وطلبت منه أن يختبئ في الزير، على أن تقوم هي بجعل محمد الأرباب يذهب ليشرب منه، وقالت له: - عندما يقترب أخي محمد من الزير تهجم عليه أنت وتأكله.
فوافقها الغول، وذهب فاختبأ فعلا في الزير.
وجاء محمد فصاح بها بندائه المعتاد: - فاطنة أم زِمَيِّم
خُدرة الوادي المِغَيِّم
افتحي لي الباب
أنا محمد الارباب
أغديكِ وأعشيكِ
وأصايد الليل أخليكِ
ففتحت له الباب، فدخل ثم أعطاها الصيد الذي كان يحمله فوق ظهره، وذهبت هي لتجهز الأكل.
فقال لها محمد الأرباب: - يا فاطنة، أنا عطشان داير موية.
ولم تعطه الماء كما عودته، ولكنها قالت له: - أمشي على الزير مويته باردة.
تريد منه أن يقترب من الزير، حتى يفترسه الغول. وفعلاً وبمجرد أن فتح محمد الزير حتى قفز الغول وهجم عليه قائلاً له: - محمد…
دمَّك جُغمَة
ولحَمَك لُقمَة
فقال له محمد: - خلاص، فقط أعطيني فرصة لأقول أربع كلمات بعدها أكلني.
ثم أخذ محمد يصيح بأعلى صوت: - (آ أَسَدُو
نا نِمِرُو
كا كَلْبُو
مرفعين الجبَّار
أب سِنُوناً طُوال
سيدكم كَتَلُو…
سيدكم كَتَلُو!)
وكرَّر (محمد الأرباب) نداءه هذا ثلاث مرات فسمعته حيواناته في الكهف فكسرت جنازيرها وجاءوا لنجده صاحبهم، الأسد والنمر والكلب والمرفعين كلهم كسروا الجنازير وجاءوا هاجمين. فقال لهم محمد: - يلا أُكلوا الغول دا وخلُّوا لي منه عصبة واحدة، وأُكلوا فاطنة أختي دي ذاتها وخلوا لي منها عصبة واحدة.
وجاءت حديَّة (حداة) لتتفرج، فقال لهم محمد: - وأُكلوا الحدية دي برضو وخلوا لي منها عصبة واحدة.
وبعد أن أنهت حيواناته المهمة، صنع (محمد الأرباب) من العصبات الثلاثة ربابة، وصار كلما يعزف بعزف على عصبة الغول تقول: - كان قايلُو كَدِي ما كُتَّ بَجِي
كان قايلُو كَدِي ما كُتَّ بَجِي
ويضرب على عصبة فاطنة فتقول: - أنا شِنْ سَوِّيت يا ضُو البيت؟
أنا حارسة البيت يا سيد البيت
أنا شِنْ سَوِّيت؟
وعصبة الحديَّة تقول: - جيت اتفترَّج فرَّجُوا بيَّا
كسرُوا جناحِي وحيَّرُوا بيَّا.
المهم، محمد الأرباب طبعاً بعد أن فقد اخته، صار يتجول بالربابة ويتنقَّل من بلدٍ لبلد، إلى أن وصل بلد فيها بنت السلطان مريضة، ولم يعرف لها أي أحد علاج. ولا يدري أهلها ماذا ألم بها وما هو مرضها… وسمع محمد أن أبيها وعد بأن يزوجها لمن يستطيع علاجها. بشرط إن من يدعى القدرة على علاجها سيقطع أبوها السلطان رأسه إن هو فشل.
وبنت السلطان صامتة لا تتكلم ولا تضحك ولا تأكل ولا تشرب، ولا تبادل أي أحد حديثاً أو مشاعر أو تستجيب لعلاج.
فقال لهم محمد: - أنا سأعالجها!
فقال له السلطان: - إن لم تستطع علاجها قطعنا رأسك، وإن عالجتها زوجناكها.
فوافق محمد على شروط السلطان وأكد له بأنه سيعالجها.
فدخل محمد على الأميرة الصامتة التي لا تبدي أي مشاعر أو اهتمام بما حولها. فاقترب منها وأخذ يعزف على ربابته. فقالت عصبة الغول: - كان قايلُو كَدِي ما كُتَّ بَجِي
كان قايلُو كَدِي ما كُتَّ بَجِي
وضرب على عصبة فاطنة فقالت: - أنا شِنْ سَوِّيت يا ضُو البيت؟
أنا حارسة البيت يا سيد البيت
أنا شِنْ سَوِّيت؟
وعصبة الحديَّة قالت: - جيت اتفترَّج فرَّجُوا بيَّا
كسرُوا جناحِي وحيَّرُوا بيَّا.
فلما سمعت بنت السلطان هذه الأهازيج انفجرت ضاحكة واستمرت تضحك، وتضحك، وتضحك… وبعد قليل طلبت من أهلها طعاماً وقالت لهم: - أنا جائعة!
فاحضروا لها طعاماً أكلته ثم قالت: - أنا عطشانة!
فجاؤها بالماء فشربت، ثم دخلت وتحممت وغيرت ملابسها، ورجعت لطبيعتها وهيئتها العاديَّة.
وعلى الفور أمر الملك بتزويجها لمحمد الأرباب إيفاءً لوعده، ونحروا الذبائح وقسَّموا الولائم وأقاموا الأفراح لمدة سبعة بلياليهم. وعاش محمد مع بنت السلطان حياةً هانئة وسعيدة، وأنجبا الأولاد والبنات.
انتهت الحكاية.
amsidahmed@outlook.com
