فَلسَفة واسْتراتِيجيّة تَعْديل الوثِيقَة الدستُوريَّة في إطار إعَادة رسِمْ المَسار الانْتِقَالِي في السُودان .. بقلم: د. سَامِي عَبد الحَليم سَعيد

advosami@hotmail.com
لقَد تَناولت العَديد من المُبادرات الوطَنية و الدُولية، مُقترحات بِرسم إطار يُساعِد في العَودة لِمَسار التَحوُل الديمُقراطي في السودان، بعد أن إنهَارت التَوافُقاَت و التَحالُفَات التي قَامت عَليها الفِترة الانْتقالية، و إسْتَحَال المَضيّ فَي تنفيذ الوثِيقة الدستُورية، بعد أن تَمْ تَعْطِيلها بِواسطة انقِلاب 25 اكتَوبر 2021 و بقرارالقَائد العَامْ للقُوات المُسلحة. تلك المُبادرات نَادت بِدون استثناء الى اقَامة قَواعِد دستُورية جَديدة لِتحكُم مَسالة الحُكم و التحَول الديمُقراطي خِلال الِفترة الانْتقالية. و نَادت بَعضها بتعديل الوثيقة الدستُورية، بينما نادى البعض الاخر بِصياغة مُسودة دستورية جَديدة، و اجمعت جميع المُبادرات و المُقترحات على ان الوثيقة الدستورية لعام 2019 لم تَعُد مُناسبة لِتكون الاطار الدستُوري للفِترة الانْتقالية.
إن مِسالة صِياغة أحكام دستُورية للتَحول الديمُقراطي و بِناء السَلام، و تَأسيس استقرار الحُكم، من الامور المُعَقدة جداً، و تِحْتاج في البدء الى الاتفاق على فَلسفة و استراتِيجِية لِبناء تلك القواعِد الدستُورية الجَديدة، و التي عَليها ان تَفِي و تُلبِي أغْراض و اهْداف التحَول الديمُقراطِي. تَساعد الفَلسفة في إعْتِماد رُؤية عامة بِخصُوص الحُكم و مَسارات و إجراءات التحَول الديمُقراطِي، بينما تَساعد الاستراتيجية في جَعل تلك الفلسفة مُطبقة بِصورة مُوحدة و مُتوزعة في كُل الاحْكَام الدستُورية. و تطبيق الفَلسفة على صَعِيديها الموضُوعي و الاجرائي، يُساعد في تَبني إجراءات لصناعة الدستُور مُستلهمة من القِيم و المَبادئ و الاحكَام التي يَعمل الدستُور على تَأسيسها. فالدستُور الذي يَعمل (مَوضُوعياً) على تَأسيس الديمُقراطِية، عليه أن يَعْتمد (إجراءات) ديمُقراطِية في صِناعة الدستُور.
في خمس مَحاور أحاول عَكس فَلسفة و إستراتيجية بِناء دستُور للفترة الانتقالية، و يُساعد في تَحقيق الاهْداف و الغَايات الانتقالية التي يَتوافَق حَولها أطراف العَملية السِياسية في السُودان. و بالتالي ليس هو بَحث بِهدف إعْطاء وصفة جَاهزة لصناعة دستور إنتقالي للسُودان، و إنما يَستهدف المهُساعدة في صِناعة مَسار ديمقراطي لِصناعة ذلك الدستُور. لِمعالجة أهْداف تِلك المَحاور نَستعين بِتحليل النُصوص و المُمارسة الدستُورية التي تَمت خِلال الفِترة الساِبقة من التَحول الديمُقراطِي في السُودان، عَسى ذلك يُساعد في مُناقشة فكرة صناعة دستور انتقالي للسودان.
(1)
الدستور الانْتقالي هو حَجر الزاويّة في بِناء الدولة الديمُقراطِيّة
بَعد انقلاب 25 اكتوبر 2021، ظَل السُودان يَعيش حالة (غِياب الدستُور) بِصورة جَلية جداً. و بدأ النِقاَشْ يَدور حَول الوثِيقة الدستُورية لِعامْ 2019 في اكثر من مِحور، فهُناك من يَقترح اعادة الاعتْبار للوثيقة و ذلك بِاعادة تفعيلها و اعْتِبارها المَرجعية الدستُورية للمرحلة الانتقالية، و هُناك من يرى ضَرورة تَعديلها بِهدف استيعاب التَحديات الحَقيقية التي ظلت تَواجه المَرحلة الانتقالية في السُودان. و كَانت الوثيقة الدستُورية قد خَضعت للتَعديل بَعد توقِيع اتفَاقْ جُوبا لسَلام السُودان في اكتوبر 2020. مَهما يَكن من حَال ان اعادة مُناقشة الاطار الدستُوري الذي يَحكم ما تبقي من فَترة انتقالية يَجب ان يَراعِي بِصُورة دَقِيقة المَعايِير التي تُؤهل تلك الوثيقة في مُساعدة الدولة و المُواطِنين في بِلوغ الاهْداف و الغَايات التي تَسعى اليها الفترة الانتقالية في السُودان.
ما هو الغَرض الاساسي من صِناعة دستُور انتقالي في السُودان؟، ان الاجابة على هذا السُؤال ستُساعدْ في وضع الاجراءات المُناسبة و في تبني القِيم و المَبادئ الدستُورية الصَحيحة. إن استيعاب مَهام عَملية الانتقال السياسي نَحو الديمقراطية في السُودان، سَيسهم بِصورة كبيرة، في رسم السياسات العَامة التي مِن خِلالها يتم تحفِيز القيم الديمقراطية و تطبيقها أثناء مُمارسة السلطة في الفترة الانتقالية. و بالتالي أي تَوافُق سياسي في هذه المَرحلة يَجب (من خِلال التدرج في الاجراءات و التمرحُل بالاهداف، من الاهداف الجزئية الى الاهداف الكلية)، مَحاولة الوصُول في خاتمة المَطاف الى أهداف المرحلة الانتقالية. ذلك التدرج يعكس مَعني الانتقال، و يعمل على تجديد اساليب العمل بناءاً على مَا تم انجازه في المَرحلة السابقة. و تتحقق مَهام المرحلة الانتقالية في السُودان باعطاء وقت كَافي للتحليل الدستُوري الدقيق للاجراءات المُقترحة و التنبُؤ بقدرة تلك الاجْراءات في تَحقيق الانتقال الديمقراطِي، فَتحقيق العَدالة عَلى سبيل المِثال لابد ان يتم عبر اصلاحات مُؤسسية و تَشريعية طويلة، و بالتالي فان العَدالة التي تَمارسها المُؤسسات النَمطية قد لا تساعد في تحقيق العَدالة بصورتها المُستهدفة، لذلك تم ابْتَدار صِيغ العَدالة الانْتقالية كَتعبير عن التمرحُل بتطبيقات صيغ العدالة للوصول للصيغة المُثلى التي يجب ان تَسود في المُجتمعات الديمقراطية. و باستيعاب ذلك التمرحُل في الوصول الى الغَايات الدستُورية في المَرحلة الانتقالية، يتم استيعاب الفَرق بين اهداف الدساتير المُؤقتة عن اهداف الدساتيرالدائمة. انه الفرق ما بين التخطيط قَصير المَدى و التَخطيط طَويل المَدى.
و تأسِيساَ على ما سَبق، يَجدر القَول بان الدساتِير الانْتقالية، يتم عَملها، إجرائياَ و مَوضُوعياَ، من خِلال عملية ابداع دستوري دقيق، و هي بالتالي إستجابة فَريدة للمُتطلبات الوطنية في تِلك الفِترة الزمَنية، و بالضرورة ليس حالة منقُولة او مُقتبسة من مَناخات دستورية انتقالية أخرى، مثلما لا يمكن ان تكون احكاماً مُكررة او مُستعارة من دساتير وطنية سابقة. و بالتالي من المُتصور ان تختلف الدساتير الانتقالية عن بعضها البعض حسب ظروف الانتقال في كل بلد، كما تختلف عن الدساتير الدائمة في نفس البلد. و هذا الاختلاف يكون في اجراءات صناعة الدستور، و في الموضوعات الدستورية التي يعالجها، و في المؤسسات الدستورية التي يقوم بانشائها. و من المتصور ان يكون الدستور الانتقالي مرنا، و تفصيليا في احكامه، يحتوي على تفسيرات دقيقة، كما قد يشتمل على جداول اجرائية و زمنية و ملاحق تفصيلية للاحكام العامة.
إن صناعة دستُور انتقالي للمُجتمعات التي تَعيش ظِروف الحَرب و الدكتَاتُورية و الفَساد و التَخلف، أمر في غَاية التَعقيد، إذ لا يَمكن اعْتبارها عَملية قَانُونية مَحضة و لا سَياسية مَحضة، بِقدرما هِي تَفاعل مَجموعة إعتبارات. إن عدم إحَكْام صِناعة الدستُور الانْتقالي للسُودان في عَام، و إسْتعجَال انجازه، و عدم مَراعَاة اشْتَراطَات و مَعايير صِناعته، أسهم بقدر مَلحُوظ في اضطراب المَرحلة الانْتقالِية و تَهْديد التَحول الديمُقراطي، كما شَهدنا لاحقاَ.
و بِنَجاح الدستُور الانْتقالي في رسم اطْار الانْتقال نَحو السَلام و الديمُقراطِية، و بنجاح المؤسسات الانتقالية في تنفيذ احكام الدستور الانتقالي تكون الدولة و المواطنين في حَالة استعداد مَوضُوعِي و هَيكلي لِصياغة دستُور ديمقراطِي دائم لدولتهم، حَيث ان الدستُور الانُتقالي و مُؤسساته قد وضعت الاساس للدولة الديمقراطية الجديدة. و حتى يتم ذلك على الصَعيد الواقِعي، يتطلب وجود قيادة سياسية راغبة في ذلك، و قَادرة على قِيادة الدَّولة و المُجتمع في هذا الاتِجاه.
(2)
التَشارُكِية في صِناعة الدستُور الانْتقالي لتاكيد المُمارسَة الديمُقراطِية
من المُهم في حالة السُودان الراهِنة ان تتم مُمارسة إجراءات الديمُقراطية من خِلال سًلوكِيات و إجراءات ديمُقراطية، و ذلك كَجُزء من التدابير المهمة في تعزيز المُمارسة الديمقراطية على الصعيد المؤسسي و على صعيد المواطنين. في إطار الحديث عن صناعة دستور جديد ( او تعديل الدستور الانتقالي) من المهم تعزيز ممارسات المشاركة و التوافق من خلال الحوار الديمقراطي الشفاف. إن الدستور الانتقالي بطبيعته يستهدف الانتقال من حالة الدكتاتورية الى الديمقراطية، و هذا يتطلب ان تتم صياغة إجراءات صناعة الدستور بحيث تساعد في بناء المفاهيم الديمقراطية ة في ترسيخ المبادئ و القيم الديمقراطية. و لتعزيز بناء الثقة بين الفاعلين، و بناء الشعور بالملكية الشعبية للدستور كان من المهم الخروج بإجراءات صناعة الدستور من الغرف المغلقة، و اللجان الفنية، إلى الحوار الشعبي الديمقراطي المفتوح حول الدستور، و الشروع في بناء توافق شعبي عريض حول موضوعات الدستور. إن إتباع سبيل ديمقراطي في صناعة الدستور للانتقالي أمر في غاية الاهمية، لكونه يعمل على بناء التوافق السياسي، و السلام الاجتماعي و يساعد في تعزيز بناء الديمقراطية في السودان.
ليس هناك نَمط واحِد، او إجراءات نَمُوذجية لصنَاعة الدستُور الانْتقالي و بالنَّظر للحَالة السُودانية فان كُل التدابير المُتصلة برسم السياسات العَامة في الفِترة الانتقالية يُفضل ان تتم بـ (التوافُق)، و من بين ذلك بِلا شَك اجراءات صناعة الدستور الانتقالي. و التوافُق في السياق الانتقالي لا يتحقق إلا بمشاركة المجموعات الفاعلة و المؤثرة في فضاء التحول الديمقراطي، فـ (التشارُكية) تؤسس للممارسة الديمقراطية في إجراءات صناعة الدستورالانتقالي، كما تعزز (المِلكية) الوطنية للدستور الانتقالي و يعمق الايمان و الوعي به. و لضمان الملكية الوطنية من المهم ان تشمل عملية التوافق و المشاركة أكبر قطاعات الشعب بالقدر الذي يمكن ان نطلق عليه صفة (الشِمُول).
إن عَملية تطبيق التوافُقية و التشارُكية، غَالبا ما تَمر من خِلال اجراءات طَويلة و مُعقدة، و في ثَناياها قد تمر عَملية صِناعة الدستُور الانْتقالي بالمزيد من الاختلافات و التعقيدات، و في ذلك تكمن الفائدة حيت يتم حسم الخلافات بصورة مبكرة و يتم التوافق من مرحلة مبكرة ايضا. و الجدير بالذكر ان التوافق بيس عملية قسرية، او فرض سياسة الامر الواقع، بقدرما ما هي اجراءات تتسم بـ (الرِضَا) بالقدر الذي يمكن ان نطلق عليه تعاقد دستوري يمضي فيه الناس بوعي و علم و ادراك حيث انها يجب ان تكون اجراءات (شفافة). في هذا الجانب من المُهم النظر الى الاجراءات و الطرائق المُتبعة في تاسيس قواعد دستورية في سياق التحول الديمقراطي، و الحرص بان تكون مُنسجمة مع المَبادئ الديمُقراطية، فلا يمكن صناعة ديمقراطية في دولة ظلت تعيش فترة طويلة مع الديكتاتورية الا بتعزيز المُمارسة الديمقراطية و مُحاربة القيم و الممارسات الدكتاتورية.
و بالتَالي مِن المُهم في إطَار مُمارسة الديمُقراطِية في اجْراءات صِناعة الدستُور ان نَعمل عَلى مُمارسة اشْراك المُواطنين بِدون تَمييز و بِدون اقصَاء – بِحيث يَرى الجَميع نَفسُه فِي تلك الاجْراءات و مَع ضَرُورة ضَمان تَحْقيق مُستوى رِضا شَعبي عَالي من خِلال التَوافُق عَلى المُبادئ الدستُورية الجَديدة. يَشْكر للسيد وزير العَدل الانْتقالي السَابق، الدكتور نَصر الدين عَبد البَاري إنه قَد انتهج طَريقة يَقُوم مِن خِلالها بِنشر مَشرُوعات القوانين قبل إيداعها للمصادقة للسلطة التشريعية الانتقالية، و عرضها للجمهور و المجتمع المدني و المؤسسات الاكاديمية، لمناقشة مشروعات القوانين و لإبداء الرأي حول تلك المشروعات قبل المصادقة عليها بصورة نهائية، و هذا ما قام بعد صياغة مشروع قانون انشاء مفوضية الانتخابات و مشروع قانون صناعة دستور السودان، مما أكسب الاجراءات صفة الديمقراطية ووسع المشاركة الشعبية في صناعة التشريعات.
بالتَالي ليس من المُتصور ان تَتم إجراءات صناعة الدستور الانتقالي في غُرف مُغلقة و بعيداً على القِطَاعات الشَعبية. لِذا كَان الحِوار المُجتمعي الواسِع حَول الدستُور الانْتقالي من خِلال المُؤتمرات و الاجْتماعات الشَعبية و الحُوارات الشَفافة، هو السبيل الديمقراطي في صناعته و ليس من خِلال اللجان الصَغيرة، و لا من خلال النقل الاعْمى للتجارب الاجنبية. مثل هذا الحِوار، كان دائماً يستهدف بِناء الديمقراطية و بِناء السَّلام المُستدام. ترتبط عملية صناعة الدستور الانتقالي بصورة مُباشرة بعمليات بناء السلام و تَنمية الديمقراطية في الدولة المَعْنِية، و بالتالي من الأهمية بمكان أن يُدرك وسطاء السلام وخبراء الدستور أهمية ترتيب عملية التسوية السياسية و التوافق حولها وفق قواعد دستورية تعمل على ضمان نجاح عمليات الانتقال من النزاع المسلح و عدم الاستقرار السياسي إلى نظام دستوري ديمقراطي مُستقر، و بالتالي يَكُون الدستور مُعبراً بِصورة كبيرة عن طبيعة الانتقال.
(3)
التَحْليل الواقِعِي لِفضاء الانْتقال
من المُهم جِداً ضمن إجْراءات الشُروع في صِناعة دستُور للفترة الانَتقالية في السُودان، دراسة العَوامِل الفَاعلة و العَناصِر المُحركة للاوضاع الدستُورية في السُودان خِلال الفِترة الانْتقالية، لان مُهمة الدستُور الانتقالي تتلخص في مُساعدة المُواطنين و الحَاكمين في الانتقال إلى الدولة المَدنية الديمُقراطية من خِلال إجراءات سِلسة بِقدر الامْكَان و ضَمان الوصُول الى الاهْداف النِهائية للفِترة الانْتقالية.
إن عَدم التَوفيق في إجراء تَحليل عِلمي و مَوضُوعي يَفضي في أحسن الاحْوال الى إضطراب الفِترة الانْتقالية، و في أسوأ تَقدير إلى فَشل الانتقال السياسي. يساعد التحليل الجيد للاوضاع السياسية و الاجتماعية، إلى تقدير جاهِزية المُؤسسات المُجتمعية و الرسمية في الاضطلاع بمهمة الانتقال الديمقراطي، و يساعد في التوقع المُبكر للازمات الدستورية، و بالتالي يحد من أثر الازْمَات على المَسار الديمقراطي و كَذلك يعمل على توفير مُؤسسات قوية و مُؤثرة لحل النِزاعات الدستُورية و بمقدورها ان تفرض الحلول التي تقترحها.
لَيس مِن اليَسير الانْتقال بالسُودان إلى الديمُقراطية بَعد أكثر مِن ثَلاثين عَاماً من الدكتاتُورية الصَماء، التي خَلفت حَرب أهلية طَويلة و نِزاعات إجْتماعية و سَياسية عَلى كافة المُستويات، أسهمت في غَرس قَيم الدكتاتورية و إنتهاكات حقوق الانسان، و جعلت منها سلوكاً و نمطاً في حياة الأفراد و المؤسسات المجتمعية، بجانب التدهور المُؤسسي المُريع و التهجير المُتعمد للكوادر و الكَفاءات السُودانية، تحت سياسة ما عُرف (بالتَمكِين). و بالتالي من المُهم إعطاء تلك التَحديات، التَقدير الذي تِستحق، دون القَفز من فَوقِها، و تحديد العناصر المُؤثرة في تلك التَحديات، سِلباً و إيجاباً، و العَمل على إستيعابها في التنظيم الدستُوري للمرحلة الانتقالية. و من المُتصور بِمُوجِب ذلك أن يكون الدستُور الانتقالي، مُختلفاً في بَعض موضُوعَاته، و في تنظيمه للعلاقات الدستورية، عن الدساتير الدائمة، و ذلك ببساطة بسبب أن الدستور الانتقالي يُعالج موضوعات ذات صفة مؤقتة و ذات طبيعة إستثنائية، لا تعبر بالضرورة عن الصورة المُثلى للدستور الديمقراطي المَأمُول، و الذي يُفترض أن يتم التأسيس له بعد إستقرار المُجتمع و مُؤسساته، في ظُروف و عَبر مُؤسسات ديمقراطية.
أهم الالتزامَات السِياسية و التَرتيبات المُتصلة بالمَرحلة الانْتقالِية:
من أهم الموضوعات الدستورية التي يجب مُناقشها، هي بلا شك مهام و أولويات المرحلة الانتقالية التي نصت عليه المادة الثامنة من الوثيقة، و التي يتطلب تحقيقها التوافق حول تلك الاهداف بصورة دقيقة. و بالتالي من المهم رسم إستراتيجية لتحقيق تلك الاهداف، من خلال تثبيت المبادئ و تأسيس المؤسسات التي ستضطلع بتلك المهام. و في هذا الصدد من الضروري تنظيم دور المؤسسات التي تعمل على تحقيق تلك الاهداف الانتقالية بصورة منسجمة و متسقة، بالقدر الذي تتكامل فيه دور المؤسسات.
من المهم مراجعة تأثير إتفاقية (او اتفاقيات) السلام على إستقرار الدستور الانتقالي، و مما لا شك فيه إن لاي إتفاق سلام تبعات دستورية، فاتفاق السلام غالباً ما ينظم موضوعات إقتسام السلطة، و الذي هو أمر دستوري بإمتياز. هناك نقطتين يجب معالجتهما بصورة محكمة، بهدف صياغة الدستور و حماية التحول الديمقراطي و السلام. الأولى متعلقة بالموضوعات التي لا يجوز المساس بها خلال التفاوض من أجل السلام، مثل موضوعات حقوق الانسان و نظام الحكم. الأمر الثاني، عدم تعارض التدابير التي تضعها الاتفاقية مع التدابير الموضوعة للتحول الديمقراطي في الدستور الانتقالي، فعلى سبيل المثال، حينما تقرر الوثيقة الدستورية الانتقالية تدابير للمؤتمر الدستوري و مناقشة بعض القضايا القومية، لا يجب ان يتم وضع تدابير في اتفاقية السلام تتعارض مع أهداف ذلك المؤتمر الدستوري، فموضوع نظام الحكم على سبيل المثال يظل شأن قومي يناقشه كل الاطراف في المؤتمر الدستوري، و بالتالي لا يجب لاتفاقية السلام ان تستبق المؤتمر الدستوري و تضع إحكام نهائية بهذا الخصوص.
أصبحت إتفاقية جوبا للسلام، أحد أهم المُحددات التي يجب مُراعاتها عند صياغة الاحْكام الدستُورية للمَرحلة الانتقالية. فالإتفاقية وضعت إلتزامات إنتقالية للمساعدة في الوصول الى سلام شامل و نظام ديمقراطي للحُكم. و من المُهم ان تُفَصِّل الوثيقة الدستورية الانتقالية الاحكام العَامة التي وردت في الاتفاقية إلى أحكام تفصيلية تساعد في تنفيذ الالتزامات، و بما ينسجم مع الأهداف الكلية للدولة السُودانية. و بالقول أن أتفاقية جُوبا قد وضعت أحكاماً و إلتزامات )إنتقالية(، نقصد أن الاتفاق قد تم مع مؤسسات الحُكم إنتقالي، و بالتالي من المهم الوضع في الاعتبار أن الترتيبات المستقبلية الدائمة للنَظام الديمُقراطِي و آليات الحُكم فيه، تَتم من خِلال مُؤسسات دِيمُقراطِية تتم فِيها الحِوارات الدستُورية عَبر إعْتِماد مَبادئ (الشِمُول و التَشارُكِية و التوافُق و الشَفافية)، او من خلال المؤتمر الدستوري، حتى تَضمن سَلام مُستَدامْ يُخاطب جُذُور أزمة الحُكم و الديمقراطية في السُودان. مُلخص مَا تَّم ذِكْره، أن إتفاقية سَلام جُوبا تَظل هِي أحْد أهمْ الوثَائق التي تُؤطر أي تَفْكِير في تَعديل الوثيقة الدستُورية للفَترة الانْتقالية. و بالنظر للتداعيات التي ظهرت بعد توقيع اتفاق جوبا، يرى العديد من شركاء الحكم و الفاعلين في الفترة الانتقالية أن تلك الاتفاقية عمدت على التأثير بصورة سالبة على مسار التحول الديمقراطي و في إنجاز سلام شامل في السودان.
كذلك من الوثائق الهَامة التي ظلْت تُؤطر العِلاقات خِلال الفِترة الانْتقالِية، كَان الاتفَاق السياسي بين قُوى اعلان الحُرية و التَغيير و المَجلس العَسكري الانتقالي المُوقع في يوليو 2019، و بالنَتيجة الوثيقة الدستورية التي تم تأسِيسَها بِنَاءاً عَلى نَظرِيَّة (الشَّراكة) التي جَاءت في الاتفَاق السِياسي. أهْمية الوثيقتين في أنهُما أسَستَا لِمبدأ إشْراك (المُؤسَسة العَسكرية) في الحُكم خِلال الفترة الانتقالية. و اذا كَان المَقْصَد النِهائي مِن الاتِفَاقْ السياسي هو ضَمان إستِقْرار الفِترة الانْتقالية دُون نِزاع بَين مُؤسسات الدولة و المُجتمع، و كَذلك لضمان توحِيد الجُهود الوطنية للوصُول للغَايات خِلال الفِترة الانْتقالية و التي عَلى رأسها تحقيق السَّلام و تَفْكيك بِنية الدولة الدِكْتاتُورية و الحَد من الفَساد و بِناء مُؤسسات الدولة الديمُقراطية. إن التَحليل العِلمي الدقِيق للاوضَاع السياسية و الاجْتماعية يُساعد بِشكل كَبير في تَحديد آليات الوُصُول الى تِلك الاهْداف الكَبيرة.
نِستقرأ من إتفاق جُوبا، و الاتِفْاق السِياسي، و الوثِيقة الدستُورية، المَوضُوعات التي توافَقت عَليها العَناصِر المُؤثرة في مَسار التحول الديمُقراطي، بِرغْم ما شابَها من ضُعف في إدراك مُتطلبات الواقِع السُوداني، إلا انها ظَلت تُعبر خِلال فِترة الانْتقال و قَبل انقِلاب 25 إكتوبر 2021 عن حَالة من التوافُق حول تِلك الوثَائق. و يَختلف الاتفَاق السياسي بَين الفَريق عَبد الفتاح البُرهان و الدِكتُور عَبد الله حَمدُوك، عَن تِلك الوثَائق، في أنه كَان تَعبيراً عن الأزمَة السياسية بين مُكونات الحُكم و لم تكن تَعبر عن حَالة توافُق سياسي و بالتَالِي كَانَتْ سَبباً في تَشظِي الوَّضَع الدستُوري بِشكل تَام.
(4)
إعْتِمَاد المَبادِئ و تَأسِيس المُؤسَسَات الانْتقَالِيّة
تِحتاجُ عَملية إعَادة صِياغة المَبادئ الدستُورية التي تَحكم المَرحلة الانْتقالية في أي بَلد، و تَيسِر إنْجاز التَحَول الدِيمُقراطِي و السّلام الدائم فيه، إلى عّملية إمْعَان النَظر في أهْداف المَرحلة الانْتقاليِة، من خِلال قراءة كُل العَناصِر المُؤثرة في مَسار التحول الديمُقراطي، بما فِيها السِياسِية و الاجْتماعِية و الاقْتصادِية. و هذا يَعود بِنَا الى الحَديث مرة أُخرى إلى أهْمية التَحليل العِلمي المُستوعب للاوضاعْ الدَستُورية المَطلُوبة فِي المَرحلة التَاريخية الراهِنة في السُودان. و كذلك يَعود بِنا للحَديث الى ضَرورة إنتهاجْ وَسائل ديمقراطِية في التوافُق حَول دَستُور إنْتقالي، من خِلال توسيع مَنهج التَشارُكِية في صِناعة الدستُور الانْتِقالِي.
و بالتَالي يَلعب الدستُور في المَرحلة الانتقالية دور المُيسر للوصُول للأهداف و الغَايات المَرحلية للدولة السُودانية، و التي بِمقدورها أن تُهيئ مُؤسسات الدولة و المَجموعات و الافراد للانتقال الكَبير، و أن تُعَبد الطَريق إلى الديمُقراطِية، و السلامْ، و الحُكم الراشِد و التَنمية المُستدامَة. و بالتًالي الدستُور الانْتقالي هُو أداة الشَعب و الحَاكمين في إدارة الفِترة الانتقالية بالصُورة التي تُحقق الأهداف و الغَايات المَرجُوة، من خلال المُؤسسات و الكَفاءات و المَوارد المُتاحة و المُمْكنة. و من الضرُورة ذِكر أن (الاهْداف و الغَايات) هي التي تُحدد طَبيعة المَبادئ و المُؤسسات التي يَجب أن يؤسسها الدستور الانتقالي. لقد نصت المَادة الثَامِنة من الوثيقة الدستورية، سِتة عَشر هَدفاُ للمرحلة الإنتقالية تحت عِنوان (مَهام المَرحلة الانْتقالية)، و هي نِصوص مُعمْمة، لا تحمل في طَياتِها أي تَفسير، او شَرح لاليات تنفيذ تلك المَهام. و حتى تكون تِلك المَهام قابلة للتنفيذ، لابد من إعْطاء المَزيد من النُصوص و الاحكام التي تُساعد في تَحقيق تلك الاهْداف بالصُورة التي تخدم أهداف التَحوُل الديمقراطِي. و في حَقيقة الأمر أفْتقرت الوثيقة الدستورِية لِمثل تِلك الاحْكَام، و بالتَالي لم يَعد من اليَسير تنفيذ تلك المَهام بالصُورة المَطلوبة.
تَأسيس المَبادِئ و الهَيئآت:
بِقراءة الاهداف و الغَايات الدستُورية التي نَصت عليها المَادة الثامِنة من الوثيقة الدستُورية لسنة 2019، يتضح بأن تلك الاهْداف تِتَلخصْ في ( العَدالة – السّلامْ الشَامِل – تَعزيز الديمُقراطية و تَفكيك بِنيّة الدكْتاتُورية و مُؤسَساتها – الاصْلاح القَانوني و المُؤسسي – انْعقاد المُؤتمر الدَستٌوري و صِياغَة الدستور – سياسة خَارجية مُتوازنة) ، المُلاحظ بإن (إجراء الانْتخَابات) لم يُكن ضمن مَجموعة تلك الاهداف الانتقالية الواردة تحت المادة الثامنة.
سِواءْ بالنَظر للاهْداف الوّاردة في المَادة الثامِنة، أو في غَيرها من المَواد، من المُهم التفكير في تأسِيس مَبادئ و قِيم دستُورية و مٌؤسسات و هيئآت و لِجان، تُؤسس مَع تِلك الاهداف مَشروع دستُوري مُتكامل. تكون مُهمة المُؤسسات الاعْتِكَاف على تحقيق تِلك الاهْداف وفق المَبادئ التي تُؤسسها الوثيقة الدّستُورية. و بالتَالي من الضروري إيلاءْ عِناية إضافية في صِياغة فَصل (الاحْكام العَامة) من الوَّثِيقة الدستورية، ففي تلك الاحْكام العَامة، يتم عادة تَضْمِين العَديد من الأحْكام العامة التي تحكم و توجه الابواب التي تتضمن أحكام و مَوضُوعات خَاصة. بإعادة النَظر إلى الفَصل الاول من الوثيقة الدستورية، نَجدها لا تُعبر بأي حَال من الاحوال عن طَبيعة أهداف التحول الديمقراطي في السُودان، بل أنها قد تكون أحكام عَامة مُقتبسة بصورة مُبتسرة من أي دستور سُوداني قَديم، أي ان الاحْكام الواردة فِيها لا تُعطي خُصُوصية لطبيعة المَرحلة الدستورية التي يَمُر بِها السُودان بَعد إسْقاط نَظامْ الحُكم الشِمُولِي في ابريل 2019.
قد يُحَاجج بَعضُنا، بأن هذا المنهج في التفكير الدستوري قد يُسهم في إنتاج وثيقة دستورية طَويلة. إلا إن الرد على ذلك يكون بأن تلك الوثيقة الانتقالية تَحكم فترة زمنية مُحددة، لا تمتلك معها مُؤسسات الحُكم الانتقالية الوقت الكَافي لانشاء قَوانين تُفَصِّل أحْكَام الدستور، و كذلك إن إعادة النقاش في المَواد الدستُورية قد يُجدد فتح إختلافات قديمة كان قد تجاوزها واضِعُو الدّستُور من خِلال توافُق سِياسي فِي ذلك الوّقْت، و مثل تلك الاختلافات تُعطل إنْتاج القوانين و تُعطل إنشاء المُؤسسات، و بالتالي من الضَروري أن يكون دستور الفِترة الانتقالية تَفصيلي و شَامل لِكُل الاحكامْ الهَامة و الضروُرية لانجاز مَهام التَحول الديمُقراطي. إن عدم مُعالجة إنشاء المُؤسسات من خلال الوثيقة الدستورية، و الإحالة إلى قوانين مُستقبلية لتكوين المُؤسَسات و لتحديد طريقة التعيين و الاخْتصاصات، عَيب كبير لا ينْسَجِم مع طبيعة المرحلة الانتقالية، و يُعطل تنفيذ مَهام الانْتقال الديُمقراطِي، و هذا ما حَدث بالفعل حين كان الحديث بِخصوص المَحكمة الدستورية (المَادة 31)، و كذلك بِخُصُوص إنشاء المُفوضِيات المُستقلة (المادة 39). و بالتالي نَرى انه كان يَستلزم وضع مَجموعة من التَدابير تَضمن تَنفيذ تِلك المَهام الانْتقالِية.
مُدة الفِترة الانْتقاليّة:
إن أكثر ما يُميز الدّساتير الانتقالية في ظَنِي، من ضمن مَجموعَة من العَوامِل، بِجانب إنها إنتقالية، يجب أن تكون مُحددة الاهْداف، و قَابلة للتنفيذ في الحَيز الزماني المُعين، و بالتالي قابلة للرصد و المُتابعة عند التنفيذ. فما قد لا نَجده من أحْكام في الدساتير الدائمة، قد نّجده في الدساتير المُؤقتة. و من بين تلك المَوضُوعات، التَوقِيتَات الزمَنية المُرتبطة بتنفيذ بَعض المَوضُوعات الانتقالية، و التي من بينها تَحديد أجل الفترة الانتقالية.
وُجُود التَوقِيتات الزّمَانية في الوّثيقة الدستورية لم يَكُن عَيباً، بِقدر مَا انها كانت من مُتطلبات الانْتقال، و مُتطلبات الدِقَة. و كان من الافضل عَمل مَصْفُوفَة زمانية يتم من خلالها تحديد الموضُوعات الدستُورية و مَواقِيت تَنفيذها و الجِهات و المُؤسسات التي عَليها واجِب تنفيذ تِلك المَوضُوعات. و لكن لَيس من حُسن التَخطيط وضع توقيتات جُزافِية في الوثيقة الدستُورية، و دون أي إعْتبارات مَوضُوعِية، لان ذلك سيقود بالنتيجة إلى عدم القدرة في الوفاء بتلك التوقِيتات بِسبب عَدم إمكانية الوفاء بِها في تلك الفِترة الزمنية التي حددتها الوثيقة. و كما أسلفنا، أن الدقة في تحديد الموضوعات، و قابلية التنفيذ من المَعايير التي يجب مُراعاتها في الاحكام الدستورية المُتصلة بِمواعيد تنفيذ تلك الاحْكام.
تلك التَقديرات الزَمانية لتنفيذ التَعْهدات الدستُورية الوّاردة في الوثيقة الدستُورية، كلها جَاءت بِصُورة جُزافِية دُون الرُكُونْ إلى أيّ تَحليل موضُوعي. تلك التوقِيتات تَناولت تنفيذ مَوضُوعات فِي غَاية الأهْمِيّة، لكن القابِضُون على الحُكم فَشلوا في ذلك ليس بِسبب غِياب الارادة السِياسية كَما أظن، و لكن بِسبب لا مَعقولية المَواقيت التي حَددتها الوثيقة الدستورية. بعد ثَلاث شُهور من بداية الفِترة الانتقالية فَشل قَادة التَحول الدِيمُقراطِي في تكوين المَجلس التشريعي الانْتقالي (الفقرة 4 المادة 24)، و تَلى ذلك، الفشل في الوفاء بكل التوقِيتات التي نَصت عَليها الوثِيقة الدستُورية، بمَا فِي ذلك المُتصلة بَعملية السّلامْ.
و في هذا الاطار، نؤكد القُول بأن التَحديدات و التوقِيتات الزمانية مَطلُوبة في الدسَاتير الانْتقالية، و تَضع المُوقعين عَلى الوثيقة أمام التزامْ دستوري بَتنفيذ تلك التَعهُدات كَما نَصت عَليها الوّثِيقَة، و في توقيتاتها المُحددة. و من ضمن هَذا التأكيد، أنه من الضَروري جداً وضع تلك المَواقِيت في الوثيقة الدستورية الانتقالية، وفق مَعايير مَوضُوعية و مَدرُوسَة بعد إخضاع كل الظُروف المُحيطة لتحليل دقيق يَعطِي واضِعُو الدستور الانتقالي صُورة واضحة للمُستقبل و بالتالي يُمكنهم وضع التَحديدات و المَواقِيت حسب ذلك التَحليل.
و في هذا السِياق، جاء تَحديد مُدة الفترة الانتقالية بِمُدة 39 شهراً (الفقرة 1 – المادة 7). و نذكُر في وقت المُفاوضات بين المَجلس العْسكري الانتقالي و قوى إعلان الحُرية و التَغْيير (ابريل – أغسطس 2019) ثَار خِلافْ حَول مُدة الفترة الانتقالية، بينما كان المجلس العسكري الإنتقالي يَرى بأن تكون المُدة سنتين، كانت قوى إعلان الحرية و التغيير ترى ان المُدة يجب أن تَكون أربعةُ سنواتْ، و فيما يبدو تَمتْ تّسوية الامر بِمُبادرة من مَبعُوث الاتحاد الافريقي محمد حسن اللبّاد، و تم إعتماد مُدة الفترة الانتقالية 39 شهراً. و من الواضح ان تحديد المُدة لم يكن يَستند إلى أي مَعايير. و تتجلى جُزافية إخْتيار تلك المدة، و عدم واقعيتها، حينما نُدرك أن أمام الفترة الانتقالية مهام كبيرة (أكبر من أن تستوعبها تلك المدة) حددتها المادة 8 من الوثيقة في 16 موضوع، أولها أقامة سلام دائم يُعالج جُذور النزاع المُسلح، و من ضِمنها تَفكيك الدولة الدكتاتورية و اقامَة الاصْلاح المُؤسسي و التَشريعي و إصلاح المُؤسسة العَسكرية. عدد من الموضُوعات يجب وضعها في الاعتبار عِند التفكير في وضع خَارطة زَمنية لتنفيذ مَهام المَرحلة الانْتقالِية. يجب عِند تحديد (مُدة الفترة الانتقالية) مُراعاة طبيعة مَهام الفترة الانتقالية و مَا يتطلب مِن تَحضيراتْ من موارد و كوادِر مِهَنية و تَجهيزات تَشريعية .. الخ، و بناءا عليه يتم تحديد مَواقِيت زمنية بِصورة عِلمية لكل تدبير من تدابير المرحلة الانتقالية.
المُؤسسات الانتقالية:
جاءت أحكام الوثيقة الدستورية، عُمومية و غير مُفصلة، و تُنشئ في كثير من الاحْوال مَبادئ دستورية، و لا تُنشئ مُؤسسات لتنفيذ تلك المَبادئ. و قد جاء ذِكر إنْشاء تِلك المُؤسسات و الهَيئآت و المُفَوضِياتْ فِي الوثيقة بِصورة مُعَممة، ربما بإفتراض ان القارئ يَعلم بما خَلف تِلك السُطُور. من المُهم النَص عَلى المُؤسسات التي يقع على عَاتقها تنفيذ تلك المَهام، بِمعنى ان كُل المَهام الانتقالية يجب ان تُوكَل الى مُؤسسات كُفؤة. و بالنَّظر الى المَهام الواردة في المَادة الثامنة مِن الوثيقة الدستُورية، و في غَيرها من المَواد، مِن السّهل تَعيين المُؤسسات و المُفوضِيات و الهَيئآت اللآزم إنشائها لتنفيذ مَهام الفترة الانْتقاليّة.
و لما كَانت الدَّولة السُودانية في حَوجَة كبيرة – خلال فِترة الانْتقال – لقُدرات كُل المُؤسسات الوَّطنية الرسمية و الغير رسمية، فانه كان من الاوفق إيلاء مُنظمات المجتمع المَدني دَور مَلحُوظ في تنفيذ تِلك المَهام، و ذلك تقديراً لمستوى فَعاليتها في العَمل المُجتمعي، و الاسْهام في بِناء التَحول الدِيمُقراطي. و في هذا الصَدد، لا يجب أن نَنسى أن التَجرُبة السَابقة، قد أثبتت ان بَعض مُؤسسات الادارة الاهْليَّة كان لَها دور مِحْوّري و فعال في تغيير المَوازين السِيّاسية خِلال الفِترة الانتقالية، و بالتالي سَيكُون من الاوفق وضع التَّدابِير الدستورية الانتقالية التي تُولي هذه المؤسسات القَبليّة و التَقليديّة الاهمية المُفترضَة.
وضعِيّة الجَيش في الفِترة الانْتقاليّة:
لقد وَقعَت قُوى إعلان الحُرية و التغيّير على الاتفاق السياسي في يُوليو 2019 مَع المجلس العسكري الانتقالي، و الذي فِيه تم تأسيس الشراكة في الحُكم و الادارة خِلال الفترة الانتقالية، و تم تضمِين تلك الاتفاقية في الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019.
إلا أن الوثيقة الدستورية جاءت خَالية من باَب او فَصل خَاص بتنظيم هذه الشراكة، بين قُوى اعلان الحُرية و التغيير و المَجلس العسكري الانتقالي، و إن كانت بَعض الاحْكام قد جَاءت مُتناثرة هُنا و هُناك داخِل الوثيقة الدستورية. كان من المُهم إيلاء تلك الشراكة الاهْتمام الذي تِستحق، من خِلال وضع مواد تفصيلية تنظم العلاقة بين المُكوِن العَسكري و المُكون المَدني للحكُومة.
و مَهما يَكُن الوضع الخَاصْ الذي سَيخْتَاره واضعُو الوثيقة الدستورية للمُؤسسة العَسكرية في الحُكم خِلال الفترة الانتقالية، سِواء بإشْراك المُؤسسة العَسكرية في الحُكم، او غير ذَلك، يَظلُ مِن المُهم جِداً، أبرَاز دَور الاجهزة الامنِية في الفِترة الانْتقالية، و ذلك لما للقِطاع الامني مِن دور اساسي في عَملية الاستقرار السياسي في المَرحلة الانتقالية. و في ذلك لابد من مُراعاة عدد من الاعتبارات عند وضع الاحكام الدستورية الخاصة بالقطاع الامني، من بين تلك الاعتبارات أن يَنسجم دور تِلك المُؤسسات مَع أهداف الدولة في بِناء الدِيمقراطِية و السَلام و حِماية الكَرامة الانْسانية لشعب السُودان دون تمييز. كذلك يَجب ان يَتم وضع ضَوابط دَستُورية تضمن عدم استِغلال قِيادات القِطاع الامني للقُوة الماَدية المَعْهُوده إليهم، بما يجهض الاهداف التي حَددتها الوثيقة الدستُورية، اوالانحراف بالوظيفة العَسكرية، او باي صُورة تُهدد الفِترة الانْتقالية. من المهم في كل الاوضاع التَأكِيد بالنَص على قَومِية الاجهزة الامنية و جَعلها تَعمل من اجل صِيانة وحدة البِلاد و تَحقيق الديمُقراطِية و السّلام في السُودان.
باستقراء التَجربة السَابقة، يَكُون مِن السهل تَأشير أهم المَوضُوعات التي يجب ان تناقشها أي تَعديلات على الوثيقة الدستورية، و كَذلك من المُهم الوضع في الاعْتِبار من خِلال وضع احْكام واضِحَة لمُعالجة الموضُوعات المُتصلة بوضعية القِطاع الامْني خلال الفترة الانتقالية، بما في ذلك وضعية الجَيش في المَسالة السياسية خلال الفترة الانتقالية، و ضمان سَيطَرة السُلطة التنفيذية على القِطاع الامْني، و تنظيم مَسالة الرقَابة المُتبادلة بين السُلطات الثلاثة – و مُعالجة وضعية الجَيش في سِياق الرقَابة المُتبادِلة، و اصْلاح الاجْهِزَة الامْنِيّة.
(5)
التَحديَّاتْ خِلال المُمَارسَة الدستُوريَّة
شَهِدت الفِترة التي سَبقت التَوقِيع على الاتفاق السِياسي في 21 نُوفمبر، بَين الفَريق عَبد الفتاحْ البُرهان و الدكتور عبد الله حَمدُوك، صُعوبات عَديدة، و كان مُعظمها من الموضُوعاَت المُتوقَعة، لانها بِبساطة، موضُوعات دَار حَولها جَدل دَستُوري و خِلاف سِياسي، و بِالتَالي لَم تَعُد مِن المَوضُوعَات الغَير مَعْروفَة او مَخْفيِة عن الناس، و بالتالي كَان مِن المُمكن تَوفِير آليات دَستُورية بِصورة مُبكرة لحل تلك المَشاكل و تَلافِي حِدوثها.
فيما يلي نَتطرق لبعض المَوضُوعات التي ظَلت موضُوع جَدل و سِجْال دَستُوري، دون ان تَجد اي استجابة من المُؤسسات التي تَصنع القرارات الخاصة بِمَسار التَحول الدِيمُقراطِي. من بين تلك المَوضُوعَات:
اولاً: تَعرضت الشراكة بين المَجلس العسكري الانتقالي و قُوى اعلان الحرية و التغيير لنقد واسِع و مُنظم لكونها لا تُساعد في الانتقال الى الحُكم المدني. و كان الطرفان قد وقعا في يُوليو 2019 على اتفاق سياسي بعد ان بَذل الاتحاد الافريقي مَجْهُودات مُقدرة لجعل ذلك الاتفاق مُمكناً. و مَنهجِية الاتفاق بين القوى الامنية و القوى المَدنية قائدة الثورة، أمر لا غرابة فيه، اذا نظرنا اليه في السياق الانتقالي. و دائما يكتب النجاح لمثل تلك الاتفاقات اذا ما تم احْكَام صِياغته، وعكسه في الوثيقة الدستورية، بالقدر الذي يَضمن استقرار الحَياة الدستورية من خِلال ضمان تَطبيق سياسة الرَقابة المُتبادلة (Check and Balance) بين مُؤسسات الحُكم في الفَترة الانْتقالية.
مُراجعة مَسالة تَنظيم الشَراكة بين المُكون العَسكري و المُكون المَدني في الحُكمْ، و البحث في مَدى جَدوى تلك التجربة في مَسار التحول الديمُقراطي. قد تكون من بين الخيارات، تكوين مُؤسسة او لجنة تُنظم تِلك العِلاقة و تَضمن إسْتِدَامَة الحِوار المٌشترك بين الطرفين، و إنشاء هيئة لِحل النِزاعَات و تَيسير طُرق الاتفاق بَينهما. هُناك تجربة المَجلس الدستُوري، التي طبقتها فرنسا في ظل دستور الجَمهورية الخَامِسة، بِتكوين مَجلس من رُؤساء فَرنسا السابقين و سَياسيين و قانُونيين بَارزين، يمكن الاستفادة منها مع مُواءمة الاهْداف و طَريقة التَكوين، مع الحَالة السُودانية. ان غِياب الترتيبات الدستورية المُتصلة بجوانب تنظيم العِلاقة بين مُكونات الحُكم العَسكرية و المَدنية، أسهم بشكل مُباشر في تَفاقُم المَشاكِل و استمرارها دون إيجَاد حُلُول.
ثانياً: و بصورة مُتصلة مع النُقطة (أولاً) أشارت الوثِيقة الدستورية الانْتقالية في المَادة 11 على ان يَرأس مَجلس السِيّادة في الوّاحِد و عِشرين شهراً الاولى للفِترة الانتقالية من يَختارهُ الاعْضاء العَسكريون، و يَرأسه في الثَمانِية عَشر شهراً المُتبقية من الفترة الانتقالية و التي تبدأ في السَابع عَشر مِن شَهر مَايو 2021 عُضو مَدني يَخْتاره الاعْضاء الخَمسة المَدنُيون الذين اختارتُهم قِوى اعلان الحُرية و التَغييرلِمجلس السِيادة. و هذا النَص جَاء مُعمَماً بِدون ان يَتم تَحديد أحكام إجرائية تَضْمن هذا الانتقال بِدون تَعقِيدات، مع العلم ان النَصْ نفسهُ تَعرض لاحقاً للتعديل الضِمْني، إذ ان تَاريخ السَابع عَشر من مايُو 2021 لم يَعد قابلاً للتَنفيذْ بعد ان جَاءت إتفاقية جُوبا للسَلام و عَدلت مُدة الفِترة الانتقالية في الدستُور في المَادة السَابعة بالقول ( تبدأ الفترة الانتقالية من تاريخ التوقيع على الوثيقة الدستورية، و تُمدد ليبدأ حِساب التِسعة و ثَلاثُون شهراً من تَاريخ التوقِيع على إتفاق جُوبا لسلام السُودان). و بهذا التعديل تَكون اتْفاقية جُوبا قد اضافت المَزيّد مِن التَعقيد في تَفْسِير النَصُوص المُتصلة بانتقال رئاسة مَجلس السِيادة من العًسكريين الى المَدنيين، و فتحت المَجال للنِزاع السياسي بِخُصُوص تطبيق تلك المُواد.
ثالثاً: ناقشت الوثيقة الدستورية مَوضُوع تَكوين المَجلس التَشرِيعي الانْتقالي في المَادتين 24 و 25، و لاعتِبَارات مُتصلة بِمفَاوضَات السَلام في جُوبا تم ارجاء تَكوين المَجلس التَشريعي، و ظَلت احْكام الفَقرة 3 من المَادة 25 هي التي تُنظم مُمارسة مَهامْ المَجلس التَشريعي من خِلال اجْتماع مُشترك يَضُم مَجلس السِيادة و مَجلس الوزراء. إلا ان هذا النَهْج أسهم فِي ان التَماهي مَع تأجيل تَكوين المَجلس التَشريعي، مِمَا اسهم ايضاً في إخْتلال مَبدأ الرّقابة على سُلطات الحُكم، بعد ان تَمركَزت كُل السُلطات في يدي مَجلس السّيادة و مَجلس الوزراء. و من المُفترض ان يَكُون لقُوى إعْلان الحُرية و التَغيير غَالبية مَقَاعِد السُلطة التَشريعية عِند تَكوينها، إلا أنها ظَلت المُسيطرة بِشكل كَبير على مَجلس الوُزراء، و لها نِصف عُضُوية مَجلس السِيادة، و مِنه خِلال عِضُويتِها في المَجلسين، كِانْت تَتمتع بِالحَقْ في المُشاركَة في إبْتِدَار التَشريعات و مُناقشتها و إجازتَها، و في ذلك لم تَكُن حَريصة بالقِدر الكَافي للضَغط باتْجَاه إسْتعجَال تَكْوين المَجلس التَشريعِي، و كَذلك لم يكُن المَكون العَسكَري في مَجلس السَيادة حَرِيصاً على خَلق مَنطقة نِفُوذ جَديدة لِقُوى إعلان الحُرية و التِغيير رغم حِرصها على إكْمال العَملية الدستورية و ضَرُورة إستكمال السُلطات الثَلاث لِمَصلحَة الاسْتِقرار الدستُوري لعَملية الانْتقالْ.
أسهَم تَعْطِيل تَكوين المَجلس التَشريعي في تَعطِيل إشْراك مَجموعَات مُعتبرة في عَملية إدارة التَحَوُل الديُمقْراطِي، و التَقلِيل من فُرص استِيعَاب القطاعات الشعبية الأخرى، لا سيما المَجْمُوعَات الشَبابية و النِسْويّة، التي أبدت رغْبة كَبيرة فِي المُشاركة في الفِترة الانتقالية، كذلك المُجموعات السياسية الأُخرى الغير مُوقِعة على وثيقة إعْلان الحُرية و التَغيير، التي لم تَجْد حَظها في التَمْثِيل في الفِترة الانْتقاليِة مِمَا اضعف رَغْبَتهم في العَمل من أجل إنجَاح الفِترة الانتقالية، بل أن بَعضَهُم عَمل عَلى إسنَاد المُكون العَسكري و تَشجيعه على الاطَاحة بِقُوى اعلان الحُرية و التَغيير فِي (و قَبل) 25 أُكتوبر 2021.
و بِدُون التَرتيب الدَّستُوري المُحكم و تَنظيم العِلاقَات الدَّستُورية بَين أجْهزة الحُكم بِصُورة تَفْصِيلية و دَقْيقة، كَان من المُتَصور أن يَكُون المَجلس التَشريعِي الانتقالي سَاحَة للصِراع السياسي الغَير مُجْدي الذي كَان من المُمكن ان يكُون عاَمل إضافِي في تَعطِيل إنْجاز مَهام المَرحْلة الانْتِقَالِية.
رابعاً: من المُمارسة السياسية خِلال الفِترة السِابقة للاتفَاق السياسي في نُوفَمبر 2021 إتضح أن غياب الاحْكَام الدَستُورية التي تَمنع تَغُول مَجلس السِيّادة عَلى سُلطات مَجلس الوُزراء، و ذلك المَنع كَان مُمْكِناً من خِلال تَحْديد المَهْام التَنفيذية بِشكل دَقْيق لِمجلس الوُزراء، و تَحديد آليات للطَعن في أعْمال مَجلس السِيّادة. إن المُكون العَسكري في مَجلس السَيادة، و في أكثر مِن مَرة، قَام بالعَديد من الانْشِطَة التي تَقْع ضِمن مَهام السُلطة التنفيذية، دون حَتى استِشارة رئيس مَجلس الوُزَراء، بَل حَتى دُون مُناقشة تِلك الامُور مع المُكون المِدني داخل مِجلس السِيّادة. في حَقِيقَة الامْر، إن المُكون العَسكري ظَل يَتَصرف من داخل مِجلس السيادة، كانما المِجلس هُو مُجرد لَجنة تَابعة للقِيادة العَامة للجَيش السُوداني، بعد ان تَم أغْفاَل دَور المَدنيين فِي مَجلس السِيادة. و في سِيَاق الحَديث عن سِيطرة المُكون العَسكري على المَجلس، تَجدر الاشارة إلى أن رئيس مَجلس السيادة قام بتعيين قائد قُوات الدَّعم السريع كَنائب لِرئيس المجلس، و هو مَنصِب غَير مَوجُود في أحْكَام الوثيقة الدستُوريّة.
عِند التَفكير في عَمل اي مُراجعَات دَستُورية – كما مُتوقع في القَريب العَاجِل – لاعادة تنظيم العِلاقَات خِلال الفِترة المُتبقيّة من الفِترة الانتقالية، لابد من إستعادة تلِك التَجرية و عَرضها للنِقاش و إخّضَاعِها للمُعالجة الدَّستُورية، إذ لا يُمكن إنْكار إن أغفال مُعالجة هذا الجَانب اسهم بِصُورة واضِحة في ارباك الفِترة الانْتقالية و الانحراف بِها عن أهدافها المَوضُوعة في الوثيقة الدَّستُوريَّة.
خَامْسَاً: يَقُودنا الحَديث عن الاصْلاح الدستُوري و الشُروع في رسم مَسار التحول الديُمقراطِي في السُودان، إلى امْعَان النَّظر الى وضعِية السُلطة القَضائية خِلال الفِترة الانْتقالية. حَسُناً فَعلت المَادة 30 من الوثِيقة الدستورية حِين اسمتها (السُلطة) القَضائية، و لم تستخدم عبارة (الهَيئة – كما فَعل قانُون الهيئة القضائية لسنة 1986) في اطار تأكِيد أنها أحد اعْمدة السُلطات الثلاث في النَظام الديمُقراطِي الجَديد، و ليست هَيئة تابعة لواحدة من السُلطات الأُخرى. من المُهم في سِياق تَصميم النَظام الدستُوري الانتقالي، الذي يَستَهْدف بالضَرورة بِناء الدِيمقراطِية و العَدالة و كَفالة حِقُوق الانْسان، و إيلاءْ دور فَعال و قَوِى للسُلطة القَضائِية في الاضْلاع بِدورها في حِماية التِحوُل الدِيمُقراطي و إقرار العَدالة و ضَمان الوفاء بِمبادئ حُقوق الانْسان. لقد تَعرضت السُلطة القَضائية الى حَالة من التَجْريف المُتعمد خِلال الحُكم الدكْتَاتُوري السَابق، فَافْتَقرت للكَفاءة و القُدرة المِهنية لِمُواجَهة تَحديات الانْتقال و الاسْهَام بِصُورة فَعَّالة فِي تَحقِيق أهْداف الامَة السُودانِية.
إن الوثَيقة الدستُورية لم تُقدم مُعالجَات إستثنائية لِمسألة إصْلاح السُلطة القَضائية، و تَأهيلها بِصورة عَاجِلة للقِيام بِدورها المَطلُوب. و بالنظر للاحُكام الخَاصة بِهذا الجَانِب، نَجْد ان الوثيقة الدستورية قد جاءت بنصُوص مُكررة و مَنقُولة من سِياقَات دستورية مُستقرة (اي انها لم تِستَوعَب الحَالة الانتقالية). بالنتيجة، ووفقاُ لِما هُو مَشهُود، تَعطلت العَدالة بِسبب ذلك القُصور في فَهم و استيعاب الدور المَطلوب من السُلطة القَضائية في هذه المَرحلة الحَرجة من تَاريخ السُودان، و بالتَالي لم تَعطِي الوثيقة أي أحكام خَاصة بإعادة هَيكلة السُلطة القَضائية، و تَدريب العَاملين في السُلطة القَضائية وفقاً للاهْداف الانْتِقالية.
و الحَديث عَن السُلطة القَضائية يقُود الى الحَديث عن مُؤسسات العَدالة كُلها، النِيابة العَامة و بِقية أجْهزة إنْفَاذ القَانُون. و فِي هَذا الصَّعيد كَان مَن المُهم تَنظيم و تَفعيل دَور أجْهزة العَدالة الانتقالية، و توسِيع نِطاقِها، إذ بَسبب ضُعف أجْهزة العَدالة و عَدم إيلائها المُعالجة الدَّستُورية التي تَستَحِق، بَرزت النَّداءات بِدعم لَجنة ازالة التَمكين و تَفكِيك نَظَام الثلاثين من يُونيو، بِوصفها آلية إنتقالية عَملت عَلى اتْباع وسَائل عَاجلة لِضمان وقف الفِساد و تِفكيك مُؤسسات الدَولة الدكتاتورية، و وجدت مَجهُوداتها تَرحِيباً لَدى اوسَاط واسِعة، و كَان من المُمكن تَفْعيل دَورها بَعمل الَمزيد من الاصلاحات في قَانُونها و اجراءاتها، إلا ان اضطراب المَسار الديمُقراطي و حُدوث انْقلاب اكتُوبر 2021 اوقف اي حَديث مُمكن عَن إعادة تَنظِيم العَدالة بِصُورة تنسجم مَع مُتطلبات التَحَوُل الديمُقراطِي في السُودان.
و رُبما من أهم ما يَجب الاشارة اليه هُو غِياب دَور المَحكمة الدستُورية، بِسبب تَأخير تَكوينها. و في الواقِع مَا كان يَجب ان يتأخر تَكوين المَحكمة الدستُورية، حِين كَان من المُفترض ان تَكُون هِي الحَارسة للدستُور الانْتقالي، و بالتَالي كان يَجب ان تكُون المَحكمة مَوجُودة مُباشرة بَعد التَوقيِع على الوثِيقة الدَّستورية. المَادة 31 من الوثيقة نَصت على تَكوِين مَحكمة دستوريَّة بَعد إجازة قّانونها، و لم تّقدم بديلاً يَقوم بِمهَام المَحكمة الدستُورية الى حِين اجْازة قَانون المَحكمة و تَكوينها و تَعيين اعْضائِها. و مَا كَان مُمكناً انْجازهُ في اول ايام الفِترة الانْتقاليّة حِياّل تَكوين المَحكمة الدستُورية، اصبح عَسيراً بَعد تَفاقُم الخِلافَات السياسية بين مُكَونَات و مُؤسسات الحُكم، في فِترة لآحِقة. و بِغياب المَحكمة الدستُورية اصْبحت الرقَابة عَلى دستورية القَوانِين و التَصرفَات الدستُورية غَائبة تَماماً، و صارت النِزاعات الدستورية بِدون حَل، مِما جَعل المُكون العَسكري يقَوم باستِغلال القُوة العَسكرية و اسْتخدامها لِصَالح الحِلُول و الخِيارات التي يَراها مُناسبة وِفق مَنظُوره.
كَان من الاوفَقْ – وفق السِّياق الانْتقالي – ان يتم الابْقَاء على قَانون المَحكمة الدستُورية لِسنة 2005 دُون تَغيير، و الذي لا يُوجد خِلاف دستُوري مُتميز بِخُصُوص أحْكامه، و كَان مِثل هذا التَرتِيب سَاعد لاحِقاً في إجْراء اي تَعديلات مُمكنة في قَانونها و في تَكوينها دون ان يَسهِم في تَعطِيل الدور الذي تَقُوم به المَحكمة في حِماية التحَول الديمُقراطي و تَساعد في تفْسير الاحْكام الدستُورية و تَفصل فِي المُنازعَات الدَّستُوريّة.
سادساً: كُنت انوي هُنا الحديث عن إصْلاح المُؤسسة العَسكرية كأحد أهم التَحديات المُتوقَعة خِلال الفِترة الانْتقالية، و لم تَفلح الوثيقة الدستُورية في مُعالجة هَذا التَحدي، اذ أولت الفقرة 12 من المَادة الثَامِنة مَسالة اصْلاح المُؤسسة العِسكرية للمُؤسسة العَسكرية نَفسها، و هذا لم يَحدث و لم يَتم رسم استراتيجية خَاصة بِهذا الاصْلاح، و تَعطِيل هذا الاصْلاح سَيظل سَبباً قَوياً في تَعطِيل تَحقِيق مُتطلبات التَحول الديُمقراطِي في السُودان. من الانْسب ان نَتحدث عن هَذا الجَانب بِصُورة اوسع في سِلسلة مَقالات أُخرى رُبما.
في الخِتامْ:
من المُهم القول أن صِناعة الدستور الانْتقالي او إعْادة صِياغتِه، سَتظل من المَوضُوعات المُعَقْدة و الحَساسة جداً في مَسار الانْتقال الديِمُقراطِي في السُودان، و تعقيدات صناعة الدستور الانتقالي فِي كُل الدول التي مَرت بمثل هذا الانتقال، كَانْت بِسبب الاضطَراب السِياسي و الاجْتماعي الذي خَلفته الدِكْتاتُورية و الحُروبات الاهلية، و بالتالي إن قراءة الاوضاع الدستورية و تَحليلها من المَناظير السِياسية و الاجْتماعية و الاقتصادية، أمر في غَاية الاهمية، و يساعد في إعتماد فلسفة و إستراتيجية في صناعة دستور إنتقالي. هذا المَنهج يَستدعي الانْتباه إلى كل العَناصر و الموضُوعات المُهمة و إستيعَابها في إطار التَفكير الاستراتيجي و في إطار صِياغة أحكام دستُورية تُنظم مَوضُوعات الحُكم و الحُريات في فِترة ما بَعد الدِكْتَاتُورية.
إن التَّحديات الكَبيرة التي واجهت مَسار التحُول الديمُقراطِي، كَانت مُتوقعة بَعد ثلاثين عَاماً مِن الدكْتَاتُوريّة التي دمَرت مُؤسسات الحُكم و رَسْخت للعَديد من المُؤسسات القَائمة عَلى العَديد مِن القِيم و المَفاهِيم الدكتاتُورية و الفَاسدة. بالتالي كَان من الصَعب ان نُتوقع ان تَكون مَسألة الَتنظيم الدستُوري للمَرحلة الانتقالية عَملية سَهلة او من المُمكن ان تَكُون مُستعجِلة و مُبتسرة مُثلما تَمت بِه عَملية صِياغَة الوثيقة الدستُورية لَعَام 2019. كذلك كان كان من المتوقع ان تسقرئ الوثيقة الدستورية تلك التحديات بصورة استباقية و ان تضع لها الحلول استناداً على تحليل دقيق للاوضاع السياسية و الاجتماعية.
من الواضِح أن عَملية صِناعة الدستُور تعني اقْامة القيِم الجَديّدة في مَسائل الحُكم و الحُريات و الرعَاية و السَلام. و الذين يُسيطرون على إجراءات صِناعة الدستُور، يَضَعُون المَبادئ و القِيم التي يُؤمنون بها، او تلك التي تؤثر على تفكيرهم، و هذا امر خطير، على مَسار صِناعة الدساتير الانْتقالية، و في سِياقات ما بعد الدكتاتورية و الحَرب و انتهاكات حُقوق الانْسان. و بالتالي من المهم إختيار أنسب الاجراءات و الطرائق التي تُساعد في صِناعة دستُور ديمُقراطِي. إن مَسالة صِناعة دستُور انتقالي يُسهم في الانْتقال الديمقراطِي، تستلزم ان تتم وفق مَنظور ديمقراطي تَشاركي شَفافْ، و ان ينأى عن النَخْبوية و الصَفويّة، و يسعى لجعل مَسالة صناعة الدستور حالة (ثورية) من زاوية توسيع مُشاركة الشَعب في اجراءات صِناعته و في مُناقشة مَوضوعَاته، و ان يُسهم بِصُورة فَعالة في إنشاء قيم الديمقراطية و السلام و العدالة، و في دحر قيم و مَبادئ الدكتاتورية و الاقْصاء و التَمييز. هذه الحالة يجب فهمها بصورة شُمولية وتَكامُلية، بحيث ان لا تكون الموضوعات و المبادئ، جزر مَعْزولة عن ما يُحيط بها من الاجراءات و التدابير و العمليات الاخرى المُصاحبة.

///////////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً