فِي الدَّعْوَة لاسْتِعَادَةِ نِظَامِ الخِلافَة! .. بقلم/ كمال الجزولي
17 نوفمبر, 2015
كمال الجزولي, منبر الرأي
77 زيارة
* يرى ابن المقفَّع أن الملك لا يتأسَّس على الدِّين وإنَّما على المصلحة المدركة بالعقل والسِّياسة المستمرَّة بالعدل
* رجَّح الماوردي نموذج الخلافة بعد استبعاده لدولة القوَّة القائمة على عصبيَّة العسكر ولدولة الثَّروة التي يتوسُّـل الأثرياء إليها بقوَّة المرتزقة ورشوة المتنفِّذين!
* جابه اجتماع المسلمين تحدِّيات التَّطوُّر الحضاري لشكل الدَّولة وحاجة الفقه السِّياسي القديم للتَّجديد كي يتوافق مـع مطلوبات عصـره وأسـئلته الملحـَّة
(1)
ثمَّة دعوات تنطلق، أحياناً، من بعض مواقع الفرق الإسلامويَّة التي يتلبَّس أغلبها المنهج السَّلفي، في السُّودان وفي المنطقة، تنادي باستعادة نظام “الخلافة”، باعتباره التزاماً دينيَّاً، دونما أدنى تمييز بين الإسلام وبين تاريخ الدَّولة الإسلاميَّة. غير أن جميع تلك الدَّعوات لا تختلف كثيراً عن الفتاوى التي استهدفت، خلال مختلف المراحل، وما تنفكُّ تستهدف، اصطناع مطابقة ما بين سلطة “الدُّنيا” وسلطة”الدِّين”، مثلما أنها، على كثرتها، لا تتجاوز، من ناحية الجَّوهر، محدوديَّة فهومالخوارج الذين رفعوا المصاحف على أسنَّة الرِّماح، في معركة صفين، رافضين، مبدئيَّاً، إجراء التَّحكيم بين علي ومعاوية، ما حدا بعليٍّ لدمغ ذلك الموقف بأنه محض كلمة حقِّ أريد بها باطل، وتوجيه أبي موسى الأشعري، الحَكَم من جانبه، إلى عدم مجادلة عمرو بن العاص، الحَكَم من جانب معاوية، بالقرآن، كونه حمَّال أوجه، ولا تنطق به المصاحف، بل صدور الرِّجال.
مثل هذه الدعوات لا تضيف، في أفضل الأحوال، جديداً إلى فقه الأحكام السُّلطانيَّةالذي يعود ببداياته إلى منتصف القرن الثَّاني من الهجرة، حيث لم يبدأ التأليف في فقه السِّياسة وأحوالها، أصلاً، قبل ذلك التاريخ؛ وهو فقه يقوم أغلبه على اجتهادبشري لفقهاء، وفلاسفة، ومتكلمين، ومؤرِّخين، وأدباء، وكتَّاب إداريِّين لم يكن لأيِّهم،في المبتدأ والمنتهى، أوهى حظٍّ من وحي السَّماء الذي انقطع بموت محمَّد (ص)، بلكانوا محكومين، فحسب، بما توافر لديهم من معرفة بتواريخ الملوك، والقياصرة،والأكاسرة، وخواقين العالم القديم، وما عرض لهم، في ظروف سياسيَّة مختلفةعاشوا وأنتجوا فقههم خلالها، من مشكلات العلائق مجهولة تاريخ النَّشأة بينالزرادشتيَّة وسلطة الفرس، وبين المسيحيَّة وسلطة الرُّوم. لذلك انصبَّت دروسهم، منجهة، على الاستقصاءات الحثيثة لأحوال السُّلطة في خبرات تلك الأمم، والمدى الذي تحقَّقت فيه الرَّابطة التَّأسيسيَّة بينها وبين الدِّين، والقدر الذي أثَّر به على تلك الرَّابطة كون ذلك الدِّين موحى به من السَّـماء أو وضعيَّاً، وانعكاس ذلك كله علىمفهومي “العدل” و”الظلم” في الأفق الحضاري لتلك الأمم؛ مثلما انصبَّت دروسهم،من جهة أخرى، على مباحث اجتهاديَّة وضعيَّة مقارنة، وخاضعة، بطبيعتها،لمقايسات الصَّواب والخطأ، عن ظهور الفِرَق في الإسلام، وأبرز رموزها، وآرائها العقيديَّة، والسِّياسيَّة، والفقهيَّة، وعن أصل السُّلطة/الإمامة في تاريخ المسلمين، ونظريَّتها، وشروطها العامَّة، من حيث ضرورتها، ووحدتها، وشرعيَّتها. ومِن أبرز مَنألفوا، على هذا الصَّعيد، فتباينت اجتهاداتهم، في مختلف فترات التَّاريخالإسلامي، الإمام الشَّافعي، وابن الطقطقي، وابن المقفَّع، وصاعد الأندلسيوالدَّينوري، والمسعودي، والعامري، والماوردي، وغيرهم.
(2)
ابن المقفع مثلاً (ت: 142 هـ) حصر الملوك في ثلاثة: ملك دين، وملك حزم، وملكهوى. ومع غلبة الطابع الأخلاقي على هذه الصِّياغة الأدبيَّة، إلا أنه لم يصعب، في أكثر القراءات سداداً، استنتاج أن رأى هذا الأديب والمفكِّر السِّياسي إنَّما ينصبُّ في إمكانيَّة تأسيس “الملك”، لا على “الدِّين”، بل على “المصلحة” المدركة بـ “العقل”، و”السِّياسة” المستمرَّة بـ “العدل”. وقد استندت تلك القراءات إلى حقيقة أن الرَّجلكان قد عكف، طويلاً، على ترجمة مأثورات الدَّولة الفارسيَّة التي لم تتأسَّس، أصلاً،على “الدِّين”، وإنَّما كان دوامها لآلاف السَّنوات بفضل “العدل” كأساس لـ”الشَّرعيَّة”، فاشتهرت بذلك عند المسـلمين، حتى لقد لقَّـبوا كسـرى أنو شـروانالسَّاساني (531م ـ 578م) بـ “الملك العادل”؛ مثلما اشتهرت عندهم بذلك أممأخرى، كالرُّوم، والإغريق، والهنود، والصِّينيين، مِمَّن لم تتأسس دولهم، أيضاً، على”الدِّين”، وإنَّما على “المصلحة” و”السِّياسة” القائمتين على الفطرة، مما أشار إليهالدَّينوري، والمسعودي، وصاعد الأندلسي، مثلاً، حتى لقد راج المأثور القائل: “تدومدولة الكفر مع العدل، ولا تدوم دولة الإسلام مع الظلم”!
ولئن كتب ابن الطقطقي في ذات الاتِّجاه، أيضاً، خلال القرن السَّادس الهجري(الفخري في الآداب السُّلطانيَّة)، فإن أبا الحسن العامري (ت: 381 هـ) كان قد رفض نظريَّة العدل الفارسي والرُّومي هذه، قبل ظهور كتاب ابن الطقطقي بنحو منقرنين. وكان الإمام الشَّافعي (ت: 205 هـ) قد وضع، قبل ذلك، رسالة عن أهميَّةوحدة السُّلطان، مِمَّا لا ينفصل عن ضرورته وشرعيَّته، بعد أن شهد صراع الأمينوالمأمون، وأدرك فداحة ما ترتَّب على انقسام “الخلافة” باستقلال بعض الأمويِّينبإمارة الأندلس تحت قيادة عبد الرحمن الأموي، في عقابيل الانقلاب العباسي(132 هـ). ?
(3)
أما أبو الحسن الماوردي (ت: 450 هـ)، أشهر من ألف في هذا المجال، فقد أرسىنظريَّته العامَّة حول نشأة الدولة من خلال كتابيه: (نصيحة الملوك) و(تسهيل النَّظروتعجيل الظفر)، وأسَّس، في هذا الأخير، لأطروحته حول “دولة الدِّين”، بافتراضانعقاد الإجماع، في المجتمع المعيَّن، على “دين” واحد، سواء موحى به أو لا، إذ ماأن يتَّجه هذا المجتمع لإنشاء سلطة تنظم أموره، وتحفظ كيانه، حتى يبرز، إلىجانب احتمالي “دولة القوَّة” و”دولة الثَّروة”، خيار “دولة الدِّين”، في معنى “الدَّعوةالدِّينيَّة” التي تتحوَّل، بعد استحوازها على الإجماع، إما إلى شكل السُّلطةالسِّياسيَّة بمجرَّد وفاة مؤسِّسها، بدافع حرص الأتباع، بعده، على حمايتها، أوالسُّلطة التي تعتبر أن المجتمع قد انحرف عن “دينه”، فتنهض لاستعادته إلىالجَّادَّة.
وبعد استبعاده لاحتمال استمرار “دولة القوَّة”، كونها تقوم، فقط، على “عصبيَّةالعسكر” في التَّصدِّي للعدوان الخارجي، فتنتفي مسوِّغاتها بمجرَّد انتفائه، وبعداستبعاده، كذلك، لاحتمال استمرار “دولة الثَّروة”، كونها تتأسَّس، في ظروف الانفلات، على توسُّـل الأثرياء إلى السُّلطة بقوَّة المرتزقة ورشوة المتنفِّذين، عَمَدَالماوردي إلى إعمال نظره في ما توافر لديه من معارف زمانه، فانتهى إلى ترجيحنموذج “السُّلطة/الخلافة”، باعتباره النَّموذج الأصلح، وأفرد له كتابه الثالث (الأحكامالسُّلطانيَّة) الذي درس فيه طريقة قيام هذه السُّلطة، كشكل لـ “الدَّعوة الدِّينيَّة”،وأسباب انقلابها إلى شكل “السَّلطنة”، أو “دولة القوَّة”، كطور “مؤقَّت”، حسبنظريَّته، في سياق سيرورتها وتطوُّرها (راجع، للمزيد من التَّفصيل: د. رضوانالسَّيِّد؛ “السُّلطة والدَّولة في الفكر الإسلامي” ـ ضمن: رؤى إسلاميَّة معاصرة،تقديم د. محمد سليم العوا، ط1، كتاب العربي، الكويت، يوليو 2001م، ص 59 ـ68).
(4)
هكذا نشأ وتراكم فقه الأحكام السُّلطانيَّة، ما بين القرنين الثَّاني والسَّادسالهجريَّين، وتباينت الآراء فيه. ولكن “الخلافة” نفسها، كنظام حكم (والمقصودة، بطبيعة الحال، “الخلافة” ما بعد الرَّاشدة التي تحوَّلت إلى ملك عضـود)، فقد تقلبت،أثناء ذلك وبعده، ما بين صعود وهبوط، وقوَّة وضعف؛ فشهدت القرون التَّاليةلانحلال “خلافة” الأمويِّين، ووقوع الانقلاب العبَّاسي، قيام “خلافة” الفاطميِّينالمستقلة عن بغداد، بل والمنافسة لها في مصر وتونس (351 هـ). وكان أن جرىغزو هولاكو لبغداد (358 هـ)، وآلت الأمور، لاحقاً، إلى المماليك في مصر، فما لبثالسُّلطان المملوك الظاهر بيبرس أن استتبعها مجدَّداً كـ “خلافة” رمزيـَّة لبنىالعبَّاس، ونصَّب أحد أمرائهم “خليفة” عليها، فأخذ “خلفاؤهم” يتوارثونها، من بعده،حتى دخل العثمانيُّون القاهرة (1517م)، وأجبروا “الخليفة” العبَّاسي على التَّنازللهم عنها، فتولوها، وأعادوا مجد دولتها، فازدهرت وتوسَّعت على أيديهم، قبل أنيصيبها الضَّعف والانحلال عشيَّة الحرب العالميَّة الأولى، وتصبح “رجل العالمالمريض”، فتنقضُّ عليها ضواري الإمبرياليَّة الذين احتاجوا، وقتها، لإعادة تقسيممناطق النفوذ الاستعماري من خلال ترتيبات تلك الحرب، الأمر الذي انتهى بصعودكمال أتاتورك، وإعلانه إلغاء نظام “الخلافة”، نهائيَّاً، عام 1924م.
(5)
وإذن، فـ “الخلافة” شأن دنيوي. وقد انقضت دون أن ينقضي احتياج المسلمين، مثلهم مثل غيرهم، وحيثما كانوا، لـ “الدولة” أو “السُّلطة”، وإن بكيفيَّات جديدة. وظلَّ اجتماعهم يجابه تحدِّيات التَّطوُّر الحضاري لشكل الدَّولة. لذا ترك تعاقب الأحداث، منذ عصر الماوردي، بصماته العميقة على ذلك الفقه السِّياسي القديم،فأورثه الحاجة، بدوره، للتَّجديد، كيما يتوافق مـع مطلوبات عصـره، ويجـيب علىأسـئلته الملحـَّة.
هكذا يتضح خطأ من يدعون لاستعادة نظام “الخلافة”، حيث من المستحيل استعادة ما ذاب، نهائيَّاً، في التَّاريخ، كما ولم يرد في الإسلام أمر بإقامتها كمفهوم مقدَّس. وقد أثبت التَّطوُّر اللاحق، بإقرار حتى رموز الإسلام السِّياسي، أن “.. الخلافة ليست نظاماً واحداً محدَّداً، وإنما هي .. وصف أطلق على رئاسة الدَّولة، كما أطلق على النظام السِّياسي للدَّولة التي تجمع المسلمين .. أو غالبيتهم .. (و) أن أسلوب الحكم قد اختلف اختلافات واسعة من عهد إلى عهد ، ومن رئاسة إلى رئاسة” (د. أحمد كمال أبو المجد؛ “الحركات الإسلاميَّة والحكومات” ـ ضمن: رؤى إسلاميَّة ..، مصدر سابق، ص 14). ومع كون الإسلام عقيدة وشريعة ، إلا أن “.. العقيدة ثابتة، وكذا أحكامها الشَّرعيَّة، ولكن فقه المعاملات في الشَّريعة متطوِّر. لا يوجد نظام حكم معيَّن في الإسلام، ولا يوجد نظام اقتصاد معيَّن في الإسلام. إن فقه الأحكام قائم على استنباطات قاصرة على اجتهاد أصحابها وظروفهم التَّاريخيَّة، وغير ملزمة لأحد، تستثنى من ذلك أحكام محدَّدة قطعيَّة الورود والدَّلالة” (الصادق المهدي؛ تحدِّيات التِّسعينات، ص 120).
kgizouli@gmail.com