قبضة من أثر الحلم: قصة قصيرة .. بقلم: د.عمر عباس الطيب
11 مارس, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
25 زيارة
طابوووور صفاااا، اااااااااااااااااااااااااانتباه، .. (في عساكر لسة نايمة)، أتى صوت عبد الحق جهوراً قوياً؛ لم يطلق كلماته الساخرة المضحكة كما اعتاد أن يفعل، يتأهب ليرفع التمام في هذا الوقت من الليل، قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، كرر كلماته ثانيةً، طابوووور صفا اااااااانتباه، وقع الأرجل أشد هذه المرة لكنه أيضاً لم يرض ذائقة الصول العسكرية، فكر بسرعة بديهةٍ كيف يطرد النعاس الجاثم على أعينهم؟ (طابور للأمااااااااااام سر،هول ها، ها ها .. هول ها، ها ها،..خطوات تنظيم،.. للخلف دووور شمال يمين شمال، هول ها، ها ها..) دب النشاط بين الجند وهم يدكون فناء المركز بأرجلهم، ومن ثم توجهوا للمنصة في همةٍ وعزيمةٍ، عندها رفع عبد الحق التمام بثبات للضابط المتواجد على غير العادة، بعد أن ضرب بقدمه الأرض بقوة،وبحركة سريعة وضع أطراف أصابعه المفرودة على حاجبه الأيمن،وأنزلها بنفس السرعة، وبذات الطريقة حياه الضابط، وخاطبه الصول قائلاً:(تمام سيادتك)، وبكلماتٍ مقتضبةٍ أخبرهم الضابط أن البلاد تمر بمرحلةٍ دقيقةٍ، وأن هناك ثلة من أذناب الشيوعيين والمندسين من حركات التمرد؛ يريدون زعزعة أمن واستقرار الوطن؛ وتعطيل مصالح البلاد والعباد، ذكرهم بمهامهم في حماية الأرض والعرض وصيانة الأمن، أردف قائلاً: هناك مظاهرة حُدد لها اليوم باتجاه القصر الجمهوري،تستهدف رأس سيادة البلاد وعزتها، وشدد على أنهم يعرفون واجبهم جيداً في إخماد هذه الفوضى، واختتم حديثه قائلاً:(أرمو قدام ورا مأمن)(معنويات كيف؟ أجابه الجند:(حديد) كررها مرات عديدة، ألهب حماسة الجند وشحذ هممهم، تأهبوا كجنودٍ يستعدون لمعركةٍ محسومةٍ مسبقاً.
لولع السودانيين بالألقاب تفرد عبد الحق بلقب (ودقبور)، هذا اللقب لم يشنف أذن أحدٍ في القرى والحضر، فكأن ذلك اللقب فصل على مقاس قامته النحيلة ، التصق به حتى حل محل اسمه، فهو لا يغضب؛ إذا أتى أحدهم يبحث عن وكيل عريف ود قبور في ردهات شرطة مكافحة الشغب،ولا حين ينعته به أحد الضباط، لكنه يتحاشى تماماً الخوض في فك طلاسم اللقب، هو من نوع الرجال الذين تجري الطرفة على لسانهم بلا تكلف، من يتسلق خريطة وجهه؛ يسترعي انتباهه واحتا عينيه الصغيرتين ،وتدهشه هضبة أنفه الضخم، ونتوء التلال عند عظمتي وجنتيه، وسمرة معجونة من رمال كردفان ، تميل إلى الاخضرار تغلف سهول وجهه، من يرى براعة ودقبور وهو يهتز طرباً على ايقاع (الجراري) ؛ لاشك يتمنى عوداً فارعاً كعوده، نظرته السوداوية للحياة جعلت أحلامه موؤدة، عدا حلمه أن يصبح ضابطاً يوماً ما،وهو ما بات قريب المنال، عندما يداعبه أحدهم ( يا ود قبور راسك شاب ماعرست مالك؟ ما لقيت بت الحلال!؟) يجيب بدعابة:؛(والله بنات الحلال راقدات، لكن باكر يجيبو ليك شافع تطقوا ملاريا تغتس ليه حجروا، تخلي خشمك ملح ملح)تعلو بعدها الضحكات والقفشات،العسكرية تجري مجرى الدم من ودقبور، يعتبرها دستور حياة؛ تعلم منها معنى النظام والانضباط وحب الوطن، فهو يردد دائماً :(إن حياته كانت لتكون بلا طعم ولا لون ولا رائحة لو لم يكن عسكرياً)، لذا أحب الزي العسكري وتفانى في خدمته.
خيوط الفجر الأولى تحركت عربات الجند المصفحة باتجاه الهدف، تلك التي تحتضن ود قبور هي الأكثر صخباً، عادت إليه حيويته في المرح، وانتشت كلماته الساخرة المضحكة، عندما نظر إلى أحدهم وهو يغالب سطوة النوم قائلاً:(يا زول ما تفتح عيونك ديل، عامل شنبك زي شارلي شابلن) ؛ اجتاحت الجميع نوبة ضحك عارمة، تحركت أفواههم وأيديهم في نشوة غامرة، عمله السابق كجندي لحفظ الأمن بسينما الجمهورية؛ وسع مدارك عقله، زاد رصيده المعرفي والثقافي، اطلع بنهم على الثقافات الشرقية والغربية، أحب أفلام اسماعيل ياسين وشخصيته، مما حدا به أن يلقب أحد العساكر ب(ابن حميدو)، ذلك اللقب الذي طغى على اسمه،كما بقية الجند الآخرين(بت قضيم ،عمك تنقو، تور الجر،شوارزينجر،طرزان، وحتى مارلين مونرو)، رطب لسانه ببعض الجمل الانجليزية؛جعلها على قاموس مفرداته اليومية، ينطقها أحياناً بلكنةٍ أمريكيةٍ متقنةٍ، وأحياناً بلهجة (الكوكني)حتى يخيل لمن هم على دراية باللغة الانجليزية؛ أنه عاش في الجنوب الشرقي للمملكة المتحدة، لكن حين أوصدت سينما الجمهورية أبوابها؛ نتيجة التغيرات السياسية في البلاد، أصابه الحزن العميق وجعل دواخله مجدبةً موحشةً، تحول بعدها قسراً إلى شرطة مكافحة الشغب.
الشوارع تتسرب تحت عجلات المدرعة؛ التي يأكلها القلق، إلى أن وصلت وجهتها المنشودة، في دقائق معدودةٍ أفرغت جوفها على قارعة الطريق، الجند يرتدون خوذاتهم في اعتداد،يحملون بتثاقل الدروع الواقية من الهجمات، وفي جرابها غاصت الهراوات، فيما كان بعضهم يتسلح ببنادق الغاز المسيل للدموع، استرعى انتباه عبد الحق أحد المدرعات التي لم تفرغ حمولتها، اقترب منها! حيا من بداخلها لكن جاوبه الصمت، بدا الأمر غريباً، وحين دس رأسه في جوفها، كانت سحنات من بداخلها غريبة، لكنهم يرتدون (كاكي الشرطة) لم يرهم يوماً في المكافحة، أجبره صوت أحد الضباط على التراجع( يا عسكري يا وهم ارجع لي ناسك وشوف شغلك)، شعر بالمهانة من تلك العبارة، تصدع ساري العزة في دواخله، كجندي مهزوم يخلي آخر مواقعه للعدو،هذا أحد الأسباب الذي يجعله يتشبث بحلمه، عاد أدراجه وعقله محمل بعشرات الأسئلة؛ التي حار في إجابتها.
الوقت ما زال مبكراً، ضوء الشمس يتسرب باستحياء؛ يعانق الأبنية العالية في حنو، فيما كانت الحياة تدب في برندات السوق العربي، بعض الطلبة والعمال يتحلقون في هدوء حول بائعات الشاي، وهن يتمترسن خلف الكوانين يلبين رغبات الزبائن، فيما كانت رائحة الزلابية المقلية تعبق في المكان، أخذت عجلة الحياة بالتسارع، البشر والمركبات يرفدون الشوارع شيئاً فشيئاً، الجند يقتلهم الانتظار والترقب،أعداد من الشباب تتوافد بشكل ملحوظ ، أضحت الأجواء ملبدة بالتوتر، الكتلة البشرية يتزايد حجمها في تلك البقعة، بعد دلوك الشمس بقليل ارتفع بغتةً دويٌ اهتزت له الجدران(حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب)، إستعد الجند وكونوا تشكيلات صفوف على هيئة أقواس؛ سدوا بها جميع المنافذ التي توصل المخربين إلى مبتغاهم،الصف الأول لأصحاب الدروع البلاستيكية، والذي يليه لمن عمروا بنادق الغاز وغدو على أهبة الاستعداد، موجة تسونامي البشرية تتحرك باتجاه الجند وهي تهتف؛(سلمية سلمية، يا بوليس ماهيتك كم؟ورطل السكر بقى بي كم؟)(نحنا مرقنا مرقنا ضد الناس السرقوا عرقنا)، امتزجت في الموجة كل الفئات، أطفالاً ونساءاً، شباباً وشيوخاً،عندما رأى عبد الحق هذا الزخم، وسمع تلك العبارات وفكر فيها بتمعن؛ تضعضعت قناعاته الراسخة بشأن الاحتجاجات، وفي النقطة صفر تساقطت قنابل الغازالغاضبة على مقدمتها، ساد هرج ومرج وسط الدخان الكثيف، فيما كان مد الموجة يتبدد؛ يتسرب إلى الشوارع الجانبية بصورة فوضوية، ومن ثم أعقبت هذه الفوضى زخات من الرصاص الحي، عندما اخترق صوتها أذن عبد الحق ألجمته الدهشة، إذ لم يكن مع الجند أي أسلحة للرصاص الحي، وعندما عاد ببصره للوراء ليرى مصدر النيران، امتقع وجهه وفغر فمه دهشة، حين رأى تلك المدرعة بعينها وقد اعتلاها بعض القناصة الملثمين.
بعد أن انقشعت علالة الدخان، ما يزال هناك بعض المحتجين الملثمين، كانوا يصرخون في غضب بعد ان تحلقوا حول مصابين، قدماه تحملانه بلا شعور تجاه بقعتهم ، تقدم وكيل العريف رغم تلك الصيحات التي تأمره بالتراجع ، وعندما وصل إلى المكان، كان أحد الشباب المحتجين قد فارق الحياة برصاصة في الرأس،نعم في الرأس تماماً، تمتم وكيل عريف في غضب(لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) وحين التفت إلى المصاب الآخر، أصابه الفزع أحس أن شيئاً ما ربط لسانه، تسلق دواخله، عندما رأى شيبة احد الشيوخ وهو ينازع، بعد أن أسند رأسه بوهن على فخذ أحد الشباب؛ يصرخ بلا شعوروهو يحاول جاهداً وقف الدماء الثائرة من جانب صدره الأيمن،الشيخ يحشرج بلفظ الجلالة وبعبارات أخرى بعضها واضحة وبعضها مبهمة(تسقط بس) ..، ما يزال يقبض على مسبحته العتيقة حين هزته تلك الرعشات المتسارعة، عندها هجم الماضي بكل عنفوانه على ذاكرة عبد الحق، ها هو ابن السبع سنوات يرى كهولة والده وهي تصارع سكرات الموت، وكيف قاومت أطرافه تلك التشنجات،حتى هدأت تماماً،فيما شُخص بصره، كان في الزمان والمكان الخاطئين، لم يستطع حينها من الذهول أن يذرف دمعة واحدة، ولأيام اجتاحته حمى الملاريا، ولسنوات عديدة لاحقة يفزع من ذكر الموت حتى لقب (بود قبور)،هاهو وكيل عريف عبد الحق يجثو على ركبتيه،وعبرة مرة تلتصق بحنجرته تأبى النزول، أحس أن حياته بلا طعم، ولا لون، ولا رائحة، تبددت آخر أحلامه وهو يحتضن الكهل برفق، وبنواح ونشيج مسموع يبكي شيبة والده.
umeraltayb248@hotmail.com
//////////////