قديرة سلطانا .. عندما تكون داعش خياراً .. بقلم: سلمى التجاني

 

كلما مر القطار بمنطقة بيثنال قرين بشرق لندن قفزت إلى ذهني حادثة ذهاب ثلاثة فتياتٍ مسلمات يدرسن بأكاديمية بيثنال قرين الثانوية إلى سوريا للأنضام لصفوف داعش ، أتلفتُّ بحثاً عن المدرسة التي درسن بها ، وعن معالم المنطقة كلها . هو حيٌ لا يميزه شيئ عن بقية احياء لندن والمدن البريطانية الأخرى ، تكاد تتطابق فيه الشوارع والمساكن وملاعب الاطفال . ثم اتساءل : ما الذي دفع قديرة سلطانا ذات الستة عشر عاماً للهرب منه ، ما الذي وجدته جاذباً في داعش وحربها حتى تقرر ان تصبح جزءٌ من جيشها ؟ 

قد أكون طرحتُ الاسئلة الخطأ ، ربما عليَّ ان تساءل عما دعى قديرة للهرب من الحياة في بريطانيا ، وقد وُلدت وترعرعت هنا حيث الحياة الآمنة المستقرة التي تتوفر فيها كل المتطلبات الضرورية لفتاةٍ في عمرها ، تكفل لها الدولة كافة حقوقها في الرعاية الصحية والدراسة وحتى القدر المعقول من الترفيه . عماذا كانت تبحث حتى قادتها خطاها للرقة بسوريا في فبراير 2015 لتلقى حتفها هناك بعد عامٍ وثلاثة اشهر في غارةٍ جوية روسية على المدينة .
قضية أبناء المهاجرين المسلمين ببريطانيا الذين يتركون حياة العالم الأول بكل مميزاتها ويختارون الهجرة ( للجهاد ) مع داعش ظلت تؤرق المجتمع البريطاني على وجه العموم ، خاصة بعد تصاعد الأحداث الإرهابية في الغرب والتي ينحدر المنفذون في غالبها من خلفياتٍ مسلمة . لا يمكننا عند النظر للصورة الكلية اغفال ما يجري من حروبات بالعالم الاسلامي وتنامي موجات التطرّف هناك ، لكن يبقى السؤال عن دوافع الشباب المسلم ، والحديث هنا عن الذين ينشأون في بريطانيا ، لأختيار التطرّف بفاعلية تدفعهم لحمل سلاحه .
قد تكون مسألة قابلية بعض المهاجرين المسلمين للاندماج في المجتمع البريطاني إحدى الجوانب التي تستدعي التوقف عندها ، فنحن نأتي إلى هنا بخلفيات ثقافية واجتماعية متعددة ، وبمفاهيم للتدين تتباين من منطقةٍ لأخرى ، وبالتالي نحمل تصورات مختلفة للطرق التي نتبعها لتنشئة ابناءنا في مجتمعٍ رغم انه يوصف بالمحافظ مقارنةً بدول غربية أخرى ، لكنه يختلف عن مجتمعاتنا التي اتينا منها .
المدرسة الابتدائية التي تدرس بها ابنتي تشكل نسبة أطفال المسلمين بها 75% من جملة الطلاب ، لكن يكاد لا يجمع بينهم الا وصف مسلمين ، فالصوماليين والنايجيرين والبنغالة والباكستان وآخرين من أصول أفريقية وآسيوية متعددة كلهم مسلمون لكن كلٌ منهم يفهم الاسلام على طريقته ويعتقد انه هو الفهم الصحيح وما عداه خطأ . وهنا اعرض مواقف علها تعطي ملمحاً أوضح .
في مرة أعلنت المدرسة عن إقامة حفل ديسكو للأطفال قبل ان يذهبوا في اجازة منتصف العام ، كل صفين مع بعضهما حتى تكون أعمار الطلاب متقاربة . وحفل الديسكو عبارة عن صالةٍ داخل المدرسة بها مكبرات للصوت تبث أغاني مأخوذة من مسلسلات وافلام الاطفال ، تُقدَّم فيه العصائر والحلوى ويرقص الاطفال والأساتذة على إيقاعات اغانٍ اختاروها بأنفسهم . سألتني والدة احد الطلاب مستغربة ، وهي صومالية ، كيف تسمح المدرسة لنفسها بإقامة حفل ديسكو وهو حرام ، بعدها وجدت إجماعاً من الأمهات الصوماليات حول مقاطعة الحفل ، وعندما احضرت ابنتي مساءً لم اجد من الاطفال المسلمين الا الاتراك .
كذلك في يوم ، أتتني ابتني متسائلة ، وهي ذات السبع سنوات، هل يجب عليها إرتداء الحجاب ، قالت ان صديقةٌ لها من أصولٍ نايجيرية أخبرتها انها لا تعتبر مسلمة الا اذا تحجبت . أما احدى زميلاتها التي تعود جذورها لبنغلاديش فقد أفتت لها عندما وجدتها تغني بان الغناء حرام في الاسلام . ولا انسى تلك السيدة التي أعطتني دروساً في الدين عندما وجدتنا ونحن نهِمُّ بالخروج من قاعة تدريب الكاراتيه ، وعظتني بان الله سيسألني عن ابنتي لأنني احضرتها لمكان يُعصى فيه الله ، استفسرتها فقالت ان التحية التي تؤدَّى للمدرب ما هي الا ركوع لغير الله . ومواقف كثيرة أجدني اسأل نفسي عندها : كيف لا تفِّرخ مثل هذه المفاهيم شباباً يجدون في داعش والشباب الصومالي وبوكو حرام ملاذاً يسد الفجوة بين مجتمعٍ منفتح يعيشون فيه ، وبين تشدُّد يواجهونه في منازلهم مبنيٌ على أحكامٍ قطعية تصنِّف كل ما لا تستطيع استيعابه في قائمة الحرام .
ثم تأتي المدارس العربية التي تدرس اللغة العربية والقرآن للأطفال ، وهي تعتبر مدارس خاصة بمناهج خاصة لكن وزارة التعليم البريطانية تتوقع منها الالتزام بمعايير المدارس الخاصة التي تشجع طلابها على احترام القيم البريطانية . في العام ٢٠١٤ وجد جهاز الرقابة على التعليم ببريطانيا ( اوفستيد ) ان عدداً من طلاب المدارس الاسلامية يعتقدون انه من الخطأ دراسة الديانات الاخرى ، وأن هناك ثقافة بهذه المدارس تقلل من أهمية هذه الديانات ، و بعض الطلاب لا يفرق بين الشريعة السلامية والقانون البريطاني . التقرير الذي نشرته بي بي سي وقتها جاء بغرض التحقيق في مزاعم بان متشددين اسلاميين يسيطرون على مدارس بمدينة بيرمنغهام .
عندما فكرنا في إرسال ابنتنا لدراسة اللغة العربية والقرآن ، كان هاجسنا الأكبر هو الابتعاد عن المدارس التي يمكن ان تكون تحت إدارة متشددين ،
لذلك استبعدنا المدارس التي يديرها مسلمون من دولٍ محددة ، وعندما وجدنا مدرسة في طاقمها اثنين من السودانيين ظننا أننا قد وجدنا ضالتنا ، لكن أول شروط الالتحاق كانت لبس الحجاب الكامل للأطفال ، ويتم تدريسهم ان الحجاب هو واجب يجب ان تلتزم به كل مسلمة وان كانت طفلة . ثم يأتي الأساتذة بطرق تعامل مع الاطفال ، ينقلونها من بلدانهم التي أتوا منها ، فمن يخطئ يجب ان يُجلد ، ما يخالف القوانين المتبعة ببريطانيا ، كذلك يمكن للأساتذة تعنيف الطلاب لفظياً وبشكلٍ قاسٍ ، وتجاهل أسئلتهم والتعريض بهم أمام بقية الطلاب ، وذلك قد يدفعهم للاعتقاد بان كل هذا من الدين وأنه يجب عليهم قبوله وان تعارض مع ما وجدوه بالمدارس البريطانية التي تتبع منهجاً لا عنفي وتحترم ذواتهم ويجدون فيها الاستجابة لاسئلتهم واستفساراتهم بكل تلطف . وهنا قد تأتي المفارقة في اذهانهم ، بين المدارس الإسلامية التي تجلد وتعاقب وتتجاهل ، ووبين مدارس وزارة التعليم التي تدرسهم عن كل الأديان وعن قواعد التهذيب واللطف مع الآخرين ، وتطلعهم على ثقافات العالم الأخرى ، بل تعلمهم كيف يجلسون للاكل وكيف يأكلون .
التعقيدات التي تخلق طفلاً متنازع بين قيمٍ مختلفة ، ومناهج تربوية متباعدة ، مع اسبابٍ أخرى ، قد تنتج شباباً وشابات مثل قديرة سلطانا ورفيقاتها . لذلك عندما اتساءل عن دوافعها للذهاب لداعش أجدني أتعاطف معها ، فربما لم تكن أمامها خيارات كثيرة .

salma_122@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً