يأتي مقال “الجمعة” للدكتور أحمد عثمان بوصفه امتدادًا لكتابة راتبة لا تكتفي بتوصيف المشهد السوداني، بل تسعى إلى التأثير فيه، وإعادة تشكيل وعيه. فالكاتب ينتمي إلى ذلك التيار الفكري الذي يرى في الثورة ليس مجرد حدثٍ عابر، بل حالة تاريخية مستمرة، ومشروعًا مفتوحًا لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. ومن هنا، فإن نصه يتحرك داخل سردية ثورية مكتملة الأركان، تحمل في طياتها رؤية سياسية كثيفة، بل ومحمّلة بأعباء تفوق—في كثير من الأحيان—قدرة التيار الثوري نفسه على استيعابها أو تحويلها إلى برنامج عمل واقعي.
ويكتسب هذا الطرح وضوحًا أكبر حين نفتتح القراءة من الفقرة التي استهل بها مقاله ليوم الجمعة 10 أبريل 2026، الموسوم بـ “لا انتقال بدون هدم ثوري وبناء ديمقراطي”،
حيث يقول:
“في فترات إعادة صياغة توازن الضعف بعوامل محلية أو تحولات في الوضع الإقليمي والدولي، تبدأ إعادة تدوير برامج معطبة ومضللة جوهرها الهبوط الناعم وتعويم نظام التمكين، الذي اهتزت الأرض تحت أقدامه، لكنه لم يسقط بشكل كامل نتيجة لعدم انكشافه عسكريًا، واختطاف الجيش من قبل الحركة الإسلامية المجرمة.”
هذه الفقرة لا تمثل مجرد مدخل بلاغي، بل تكثيفًا نظريًا لموقف سياسي حاد، يقوم على رفض أي مسار إصلاحي تدريجي يُنظر إليه بوصفه إعادة إنتاج للنظام القديم. هنا يشتغل أحمد عثمان على تفكيك ما يسميه “برامج الهبوط الناعم”، معتبرًا أنها ليست حلولًا انتقالية بل آليات لإعادة تعويم بنية التمكين في شكل جديد. وهو طرح يعكس وعيًا نقديًا بطبيعة النخب السياسية وقدرتها على إعادة إنتاج نفسها عبر التسويات.
غير أن قوة هذا التشخيص تقودنا إلى سؤال تحليلي أكثر تعقيدًا:
إذا كانت كل محاولات “إعادة التوازن” تُقرأ بوصفها إعادة تدوير للأزمة، فكيف يمكن إذن فتح أفق عملي للخروج من “فخ الصراع” دون الوقوع في ذات الفخ الذي يحذّر منه الكاتب؟
إن قراءة هذه الفقرة ضمن السياق الأوسع للمقال تكشف أن أحمد عثمان يؤسس لمعادلة صارمة: لا انتقال دون هدم جذري، ولا ديمقراطية دون قطيعة كاملة مع بنية النظام السابق. وهي معادلة تحمل جاذبية أخلاقية عالية، لكنها في الوقت نفسه تصطدم بواقع معقد، حيث لم يعد الصراع مجرد ثنائية بين نظام وثورة، بل شبكة متداخلة من القوى، والمصالح، والسلاح، والتدخلات الإقليمية.
وفي موضع آخر من مقاله، يوسّع الدكتور أحمد عثمان هذه المعادلة ويمنحها بعدًا بنيويًا أكثر وضوحًا، إذ يقول:
“*فالانتقال لا يتم إلا عبر تفكيك وإزالة التمكين، وتحقيق شعار ثورة ديسمبر المجيدة لبناء دولة جميع المواطنين، باعتبار أن الثورة خيار الشعب، حرية سلام وعدالة وأن الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بفهم أن الثورة عملية هدم بشرعية ثورية، وبناء لشرعية ديمقراطية. والهدم في حالتنا الماثلة لا يتم إلا في ظل سلطة مدنية كاملة.”
هذه الفقرة تمثل قلب البنية النظرية للمقال، حيث تتحول الثورة من لحظة سياسية إلى “نسق تأسيسي” يقوم على ثنائية الهدم/البناء، أو بتعبير أدق: تفكيك الشرعية القديمة وإنتاج شرعية بديلة. هنا لا يعود الهدم مجرد فعل احتجاجي، بل يصبح وظيفة تاريخية مشروطة بوجود “سلطة مدنية كاملة” قادرة على إدارة هذا التفكيك دون الانزلاق إلى الفوضى.
لكن هذه الرؤية البنيوية تفتح بدورها على مفارقة عميقة:
فالسلطة المدنية التي يُشترط وجودها لإتمام “الهدم الثوري”، هي نفسها نتاج عملية الانتقال التي لم تكتمل بعد. أي أننا أمام معادلة دائرية: لا هدم دون سلطة مدنية، ولا سلطة مدنية دون إنجاز هذا الهدم.
وهنا تحديدًا، تتبدى الحاجة إلى كسر هذه الدائرة عبر مقاربة وسيطة، لا تنقض الفكرة بل تعيد ترتيب شروط تحققها.
وفي موضع آخر يعزز دكتور أحمد روايته كونه احد فقهاء القانون الدستوريّ فيقول : (لقيام إنتخابات تقود لإنتقال ، لا بد من وجود أجهزة عدلية مستقلة تحمي هذه الإنتخابات وتراقبها، وخصوصا من ناحية قضائية. فبدون فك إرتباط القضاء بالمنظمة الإرهابية أمريكياً وتكوين قضاء مستقل، سنصل إلى فضيحة تمرير إنتخابات نظام شمولي، وأحكام قضاء شبيهة بأحكام إلغاء قرارات لجنة ازالة التمكين بالمخالفة الإجرائية الواضحة لصريح نصوص القانون.)
تكشف هذه الفقرة عن انتقال أحمد عثمان من الخطاب الثوري إلى تأسيس حجة دستورية صلبة، حيث يربط مشروعية الانتخابات بشرط استقلال القضاء. وهي إضافة نوعية تعزز مشروعه، لكنها في الوقت ذاته تطرح تحديًا عمليًا حول كيفية تحقيق هذا الشرط في سياق دولة لم تستكمل بعد أدواتها المؤسسية.
في هذا الإطار، تبدو أطروحة أحمد عثمان إعلانًا عن أفق التحول أكثر من كونها خطة إنفاذ، إذ يظل التفكيك معلقًا على سؤال القدرة وشروطها. وهنا يتقدم “السلام من قريب” لا كنقيض، بل كشرط إمكان: تهيئة المجال، تقليل كثافة الصراع، وإنتاج حدٍّ أدنى من الاستقرار يسمح بتحويل الهدم من فعلٍ مفتوح إلى عملية مُدارة. وبين التحذير من التسوية الزائفة، والحاجة إلى واقعية التنفيذ، تتحدد مساحة العمل المشتركة—حيث لا يُختزل السلام في إدارة الأزمة، ولا تُترك الثورة بلا أدوات تحقق
في النهاية، قد نختلف في طرق الإبحار، وفي كيفية مقاومة التيارات العاتية، لكننا نلتقي عند الغاية ذاتها.
إن قال الدكتور أحمد عثمان: “قوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله”،
فنقول: “قوموا إلى سلام من قريب يرحمكم الله”.
وبين هذا وذاك، تبقى المهمة الأعمق:
أن نحول التحذير من إعادة تدوير الأزمة، وفكرة الهدم بوصفها شرطًا للبناء، إلى معرفة عملية تُنتج مسارًا ممكنًا—لا مثاليًا فقط—نحو سودانٍ لم يسقط تمامًا، لكنه لم ينهض بعد
habobsalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم