قرارات لجنة إزالة التمكين ومشروعية استرداد العائدات الإجرامية دون إدانة جنائية .. بقلم: عبد الرحيم خلف الله محمد علي
لإستجلاء الجدل القانوني حول ممارسة لجنة إزالة التمكين سلطة إسترداد العائدات الإجرامية إستعرض فيما يلي الممارسات العالمية المتعلقة بإسترداد العائدات الإجرامية ومن ثم أتطرق إلى التطور التشريعي السوداني فيما يتعلق بإسترداد العائدات الإجرامية ، فعلى الصعيد العالمي هناك بصفة عامة نوعان من مصادرة العائدات الاجرامية – وأشير هنا أن المصادرة confiscation على الصعيد العالمي ترادف مصطلح ” الإسترداد” asset recovery وفق التعريف الذي تضمنته تعديلات قانون إزالة التمكين- وهذان النوعان هما المصادرة التقليدية التي تتبناها الآراء القانونية السودانية المعارضة لصلاحية لجنة إزالة التمكين في الإسترداد و يتم تأسيسها بناءاً على إدانة جنائية (المصادرة الجنائية) Conviction Based Confiscation والنوع الثاني الذي استحدثته الممارسات العالميةالمعاصرة يتمثل في مصادرة الأصول دون الإستناد إلى حكم إدانة Non-Conviction Based Confiscation كما تعرف هذه المصادرة أيضاً في بعض الأنظمة القانونية بالمصادرة المدنية Civil Forfeiture او In rem forfeiture وهو إجراء مصادرة منفصل عن أي إجراءات قضائية جنائية ويتطلب إثبات أن الأصول محل المصادرة هي عائدات إجرامية ، و تهدف هذه المصادرة بنوعيها إلى حرمان من يقترف نشاطاً إجرامياً من الإستفادة من جريمته crime does not pay ، كما يساهم هذا الحرمان في ردع النشاط الإجرامي ، ويكمن الفرق الرئيس بين نوعي المصادرة أعلاه في أن المصادرة الجنائية تتطلب محاكمة جنائية وحكماً بالإدانة بجريمة معينة ، في حين أن المصادرة المدنية لا تتطلب حكماً بالإدانة ، ويترتب على هذا الإختلاف تباين معيار ومستوى الإثبات الذي يتعين توافره في كل حالة، ففي حالة المصادرة الجنائية والتي تتطلب الإدانة يكون عبء الإثبات أكثر تشدداً إستناداً إلى إفتراض البراءة presumption of innocence الذي يعد من حقوق الإنسان الأساسية حيث ينص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكذلك الوثيقة الدستورية للفترة الإنتقالية لسنة 2019م و ايضا قانون الإثبات لسنة 1994م ويقضي إفتراض البراءة ببراءة المتهم حتى تثبت إدانته دون شك معقولaccused is innocent until his guilty is proved beyond any reasonable doubt ، بينما في المصادرة المدنية يجب إثبات السلوك الإجرامي بمعيار إثبات قائم على موازنة أو ترجيح البيناتa balance of probabilities standard of proof وهو ما يرجح أن يكون صحيحاً أكثر من أن يكون غير صحيح ، وبالتالي فإنه من شأن المصادرة المدنية أن تخفف عبء الإثبات عن الحكومة ، بما في ذلك جواز قلب عبء الإثبات Reversal Of Burden OF Proof والذي سيتم التعرض له لاحقاً بشيء من التفصيل، و بالتالي فان معيار ترجيح البينات يتسنى معه مصادرة العائدات الإجرامية حتى في حالة عدم وجود دليل يكفي لتأسيس الإدانة الجنائية ، و في هذا الصدد أشير الى انه لن يكون من المستغرب ان تتم تبرئة اي من الذين قامت لجنة ازالة التمكين باسترداد بعض ممتلكاتهم في حال خضوعه لمحاكمة جنائية استنادا الى ذات الافعال التي استندت اليها اللجنة في قرار الاسترداد، و ذلك لاختلاف معيار الاثبات بين الحالتين. وتأسيساً على هذا فإن المصادرة دون الإستناد إلى حكم بالإدانة تصبح تدبيراً فعالاً في حرمان الفساد السياسي من ثمار جرائمه وإسترداد الأموال المسروقة لمواطني الدولة ضحية الفساد السياسي ، على ألا تكون المصادرة المدنية بديلاً البتة للمحاكمة الجنائية ، وتأسيساً على فعالية المصادرة المدنية في إسترداد العائدات الإجرامية ، تجد هذه المصادرة دعماً من المنظمات متعددة الأطراف والمنظمات الحكومية الدولية ومنها الأمم المتحدة ومجموعة العمل الماليFATF والإتحاد الأوربي ، كما تجد دعما من “مبادرة إسترداد الأصول المسروقة” The Stolen Asset Recovery ( StAR) Initiative وهي مبادرة مشتركة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة لمراقبة المخدرات ومنع الجريمة ، حيث تهدف هذه المبادرة ضمن أمور أخرى ، إلى مساعدة الدول النامية في إسترداد الأصول التي يسرقها القادة الفاسدون ، وقد أصدرت هذه المبادرة دليلاً للممارسات الحسنة بشأن مصادرة الأصول دون الإستناد إلى حكم إدانة بعنوان:
لا توجد تعليقات
