قضايا فكرية في الاسلام (١) .. بقلم: بروفسور معتصم سيد احمد القاضي

 

إن أول ما يفكر فيه من يريد أن يكتب عن الاسلام، في أمر خلافي أو أمر لم يعتاد عليه الناس، هو أن يكون مستعداً لهجوم الحرس التكفيري واستقبال سيل من النعوت السالبة. أقل هذه النعوت ضرراً هو إتهام الكاتب بالجهل باللغة. وهنا تبدأ محاولة نبش الأخطاء اللغوية في المقال لتقف دليلاً على عدم أهلية الكاتب لفهم القران، ناهيك عن تفسيره. وهكذا يصبح كاتب المقال هو الموضوع وتضيع الفرصة للاستفادة الكاملة من الحوار في القضية المطروحة. أما أشد النعوت ضرراً فهو إتهام الكاتب بالزندقة والإلحاد، لأن ذلك يعطل كل أشكال الحوار من أساسها فيبعث الجمود والتحجر في الفكر الاسلامي. 

والشاهد ان الاسلام ما زال يعاني من الهوس الديني والتكفير واهدار دم الكتاب والمفكرين. فقد أعدم الاستاذ محمود محمد طه صاحب “الرسالة الثانية من الاسلام” في يناير 1985 بعد أن رفض المساومة في أفكاره في محاكمة هزيلة. وهذا لعمري فعل قرون ما قبل الميلاد والقرون الوسطى. فقد أدين سقراط بالهرطقة والالحاد بآلهة أثينا واجبر على الانتحار عندما رفض التنكر لأفكاره في المحكمة عام 399ق.م. وكذلك أتهم العالم غاليليو بالهرطقة وتمت محاكمته وسجنه عام 1633م.
أما القضية التي نحن بصددها الان فهي تفسير الآية الكريمة:
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ( النساء 82)
يقول ابن كثير في شرح الآية:
“( ولو كان من عند غير الله ) أي : لو كان مفتعلا مختلقا ، كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم ( لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) أي : اضطرابا وتضادا كثيرا . أي : وهذا سالم من الاختلاف ، فهو من عند الله …” ( الخطوط من عندنا).
في هذا الشرح، والعبارات التي تحتها خطوط، نلاحظ ان عبارة “سالم من الاختلاف” لا تقابل “اضطراباً وتضادا كثيرا” تماماً، المقابل المضاد لها هو “سالم من الاختلاف الكثير”.
فالقران يقول بكل وضوح أنه لو لم يكن من عند الله لوجدوا فيه إختلافاً كثيرا. وهذا لا يعني أنه لا يوجد فيه إختلاف البتة، إنما يعني أنه يمكن أن يكون فيه إختلاف قليل. وهذه مسألة نسبية ولكنها تسمح بفتح أبواب الحوار في النص القراني لتطوير التشريع بما يناسب الوقت.
هذه الاختلافات، بالطبع، لا تقع في جوهر الدين مثل الوحدانية ونبوة محمد (ص)، وإنما تقع في آيات الشرائع، وبذلك تتيح للمسلمين اختيار التشريع الذي يناسب الوقت. وفِي هذا الإطار مثلاً يمكن فهم الفكرة المحورية عند الاستاذ محمود محمد طه في فض اشتباك التناقض أو التعارض بين الآيات المدنية والمكية ودعوته لتجديد التشريع بالانتقال من الآيات المدنية للآيات المكية.
وقد يقع الاختلاف في المصحف في مواطن أخرى لأسباب تتعلق بجمع القران نفسه. فبرغم أن القران هو تنزيل أو وحي الهي، الا أن جمعه في مصحف واحد قد تم بجهد انساني على يد عثمان بن عفان. ولذا لا غرابة في ما ورد في حديث عائشة عن الداجن الذي أكل الصحيفة التي بها آية الرجم، ان صح الحديث، أو في أن تكون هناك بعض آيات في المصاحف التي أحرقها عثمان لا يتضمنها المصحف العثماني. وهناك اختلافات اخرى تطرق لها آخرون لا يتسع لها المقال. هذه الاختلافات، وان صحت، لا تزيد ولا تنقص جوهر الاسلام في شيئ ولا تخرج عن دائرة الاختلاف الممكن الذي أقرّ به القران نفسه.
إذن، إن التسليم بوجود اختلاف في القرآن او المصحف، بموجب هذه الآية، ضروري لاستنباط التشريع المناسب لكل وقت، وكذلك للخروج من دائرة المزايدة بالدفاع عن خلاف ما أراد الله أن يودع في كتابه من اختلاف. وإذا كان هذا أمر الاختلاف في القران فما هو أمره في الأحاديث؟
والله من وراء القصد.
17/9/2017

sidahmmx@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً