قنابل الاكتئاب الموقوتة! … بقلم: مامون التلب
31 يوليو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
علينا أن نعي هذه الحقيقة جيّداً، وألا ندعها تُفلِت: إن العصر الذي نعيشه اليوم لم يحدث في تاريخ الإنسان من قبلٍ أبداً، ولن يُعاد مرةً أخرى، كما سبق في: (التاريخ يعيد نفسه)؛ إذ إن البشر، إن لم يتعلّموا من فداحةِ جحيمٍ كهذا، فإن وجودهم مهدد بالزوال تماماً.
جميع حالات الحرب الأخيرة، في كلّ مكانٍ في الكوكب، تدعو للحزن الشديد، وعليّ، قبل أن أبدأ، أن أرسل التعازي القلبيّة لكلّ شعوب العالم على ما يحدث، بسرعةٍ لم يحدث لمثلها تفوّق –أي يوميّاً- وبطاقةٍ نابعةٍ من اليأس والاكتئاب الذي اتضح، منذ زمنٍ بعيد، أنه العدو الذي سينتصر في نهاية الأمر.
إن حرب اليوم العالميّة تميّزت، مع اندلاع الثورة التكنولوجيّة بدايات القرن العشرين، وتملّك المواطنون في كل مكانٍ في العالم، تقريباً، سبل الوصول السهل، اليومي والمستمر، إلى هذا الذهن العالمي الموَحَّد؛ تميّزت وتكشّفت اليوم، أكثر وأكثر، عن تعقيدٍ أبعد من التصنيف السهل: عالم شرقي، غربي، أول، ثالث، إسلامي، مسيحي..إلخ؛ إذ ما يحدث من هجماتٍ على المواطنين العزّل في المدن الآمنة – افتراضيّاً – بلغ حدّاً يدفع لطرح تساؤلاتٍ عديدة.
هذه القنابل البشريّة الموقوتة، والتي تتفجّر في عدة مُدن أوربيّة يوميّاً، تباينت في الأهداف، مع توحّدٍ تامٍّ في أن الحالات، جميعها، حالات اكتئاب حاد، أو كراهية مفرطة للعالم والبشر! بل وحبّ رؤيتهم يُسحقون، هكذا، ودون تحمّل أية مسؤوليّة والانتهاء من (جسد القنبلة) في ذات المكان واللحظة: انتحار فوري كما تفعل أية قنبلة.
نلاحظ من إفادات الشرطة والتقارير الصحفيّة المنشورة على موقع (بي بي سي العربية)، مثلاً، أن هؤلاء المتفجّرين في المدن يعانون من اكتئابات غريبة وحادّة، ومجموعة غير هيّنة من أشكال وأنواع الهوس، ما شَذَّ منها وما صَدَم، ويبدو أن الأفكار المشجّعة على العنف والإرهاب وزيادة حرب العالم، والمنتشرة في الذهن العالميّ الموحّد – شبكة الانترنت – دائماً ما تكون مجرّد عود ثقاب لقنبلة بشريّة حقيقيّة، مهما كان نوع تلك الأفكار أو انتمائها.
في ميونخ، تغيّر الأمر ولم يرتبط فقط بالإسلام، إذ يقول تقرير بي بي سي: [تقول الشرطة الألمانية إن المسلح الذي قتل 9 أشخاص رمياً بالرصاص في مدينة ميونيخ بولاية بافاريا الجمعة كان مهووساً بهجمات إطلاق النار الجماعية، ولم تكن له أية ارتباطات بالتنظيم الذي يطلق على نفسه اسم “الدولة الإسلامية.” وأكدت أن ثمة ارتباطاً واضحاً بين المهاجم والقاتل النرويجي اندرز بيهرينغ بريفيك الذي قتل 77 شخصاً في هجمات نفّذها في العاصمة أوسلو وحولها قبل 5 أعوام بالضبط. وقالت الشرطة للصحفيين إن رجالها الذين فتشوا الغرفة التي كان يقيم فيها عثروا على قصاصات من صحف تتعلق بهجمات مماثلة، بما فيها مقال عنوانه “لماذا يقتل الطلاب؟”.
لماذا يقتل الطلاب؟ بريفيك هذا [قتل 77 شخصاً في النرويج في يوليو 2011م؛ إذ قتل 8 بتفجير قنبلة في العاصمة أوسلو قبل أن يتوجه إلى معسكر صيفي للناشطين اليساريين الشباب في جزيرة أوتويا القريبة ويقتل 69 رمياً بالرصاص. وكانت لبريفيك آراء يمينية متطرفة، وقال إن الهجوم الذي نفذه يهدف إلى وقف هجرة المسلمين إلى أوروبا] (بي بي سي).
إذاً، انفلتت الكراهيّة وأصبح القتل أسهل، بل الأرعب أن العدو لم يعد معروفاً ولا مُعرَّفاً؛ يقول الروائي التركي أورهان باموق: [ليس كافياً للغرب أن يكتشف أي معسكر أو كهف أو مدينة منعزلة تأوي أحد الإرهابيين والذي يقوم بصنع القنبلة التالية، ولا سيكون كافياً أن يقصفوه حتى يتم محوه من على وجه الأرض؛ فالتحدي الحقيقي هو أن نتفهّم أنواع الحياة الروحانية للشعوب التي تعاني من الفقر والمهانة والخزي، والتي تم استبعادها من جماعتهم].
eltlib@gmail.com