كامل إدريس إختيار الوجه الآخر

wadrajab222@gmail.com

كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد

ألقى السيد كامل إدريس خطاباً للشعب السوداني مؤكدا توجهه نحو إعادة هيكلة الدولة. والحق أن فكرة إعادة هيكلة الدولة تتضمن فيما تتضمن إلغاء الوضع الراهن وإبداله بآخر متصور يقطع مع القديم في كل الإتجاهات. وهي مهمة مستحيلة بحد ذاتها ليس لأن الوضع الراهن وضع حرب، بل لأن كاملاً لايملك تفويضاً يؤهله لهذه المهمة المعقدة أصلاً.
فما جاء بكاملٍ لمنصب رئيس الوزراء مجموعة دوافع، أهمها الحرج الأخلاقي والمأزق السياسي الذي وجد البرهان نفسه فيه بعد قطع مسيرة التحول المدني الديمقراطي بإنقلاب الحاديه والعشرين من أكتوبر على المستويين الداخلي والخارجي. فقد كان إختيار كاملاً مدروساً ومعلوماً للذين إختاروه. فالمطلوب منه محدد بدقة. ويمكن القول أن عملية الإختيار في ذاتها بها نوع مما يمكن وصفه ب ( الشئ بالشئ quid pro quo) والمعروف من مسيرة كامل أنه سعى لهذا المنصب سعي الطامحين للمغفرة بين الصفا والمروة. ليحقق طموحات يرى نفسه جدير بها – وهذا من حقه تماما – بينما البرهان في المقابل يطمح في أن يعطي بتعيين كاملا إنقلابه طابعاً مدنياً يخرجه من الحرج والعزلة الإقليمية والدولية الذي أخذ يطوق عنقه شيئا فشيئاً.
بالنظر للظروف والواقع الإستثنائي الذي أتى فيه كامل لابد وأن يلقي بثقله عليه، وقد ظهر ذلك في الخطاب الذي أبرز أن هنالك (كاملين) ، كامل الرجل الإسبراطاني التوجه، طيب النوايا ، كثير التهذيب، ذو المواصفات التكنوقراطية، الكوسموبولتاني الذي يجيد الحديث للعالم بلسانه أو بألسنته الفصيحة. و كامل آخر المطلوب منه وفق تصور quid pro quo أن يمرر أجندات ذات طبيعة متطرفة تجاه الحرب.
فالرجل قد وصف في خطابه الحرب الدائرة الآن ب “حرب الكرامة” وهو وصف عُرف عن جماعة سياسية محددة لها تكييفها الفكري والأخلاقي والسياسي الخاص بها للحرب. وهي الحركة الإسلامية.
كان يمكن لكامل بوصفه مواطن سوداني له موقف منحاز للجيش أن يستخدم أي وصف للحرب غير هذا التوصيف ذو الصبغة الأيدولوجية عالية الدلالة الرمزية، مما يؤكد أن كاملاً ليس حراً حتى في إنتقاء المصطلحات التي يعبر بها عن قناعته، مما يشي بأن إختياره قد تم بمباركة ذات الجماعة السياسية – الإسلاميون- التي إستلف منها مصطلح وصف الحرب، فالرجل الذي يمتلك القدرة بالتحدث بأربع ألسنة فصيحة لن تعوزه القدرة بأن يصك مصطلحاً من عنده ليصف به الحرب بكيفية تبعده على أقل تقدير من دائرة النفوذ الواضح للإسلاميين، كما فعل ويفعل كلٌ من د. عبد الله علي إبراهيم ود. عزيز سليمان أكبر داعمي الجيش خارج دوائر الإسلاميين. لاسيما وأنه قد ركز في خطابه أنه سيقف على مسافة واحدة من كل الفرقاء. ثم أنه وفوق ذلك حدد موقفه مما أسماه إنهاء التمرد وهي لغة تكشف تصور عن كيفية إنهاء الحرب بالمضي قدماً في منطقها العسكري حتى النهاية، وهذا بالتأكيد يكشف أن الدور الذي جاء ليلعبه محدد سلفاً من نفس القوى الإسلامية – العسكرية المتسيدة المسرح الآن.
في ختام خطابه الذي تحدث عن السعي للسلام المستدام Durable peace ودعا المجتمعين الدولي والإقليمي أن يساهموا في هذا الإتجاه وبناء في شراكة فعالة لإعادة الإعمار غير أن هذه المناشدة وهذا التوجه قد نسفه بجملة إنهاء التمرد دون إعطاء أفق يشجع المجتمعين الإقليمي والدولي للإسهام بأفكار تحقق ذلك السلام بعيدا عن لغة الحسم والتطرف.
كان على كامل أن يختار بين (الكاملين). اللذان يتنازعانه فيُنقِص كل واحد منهما من الآخر. أن يكون صانع سلام بأفق إسبراطاني أو حاسماً للتمرد ضمن معركة الكرامة. فأختار الأخير.
على عموم الأمر هنالك ملاحظة مهمة في خطابه يجدر التوقف عندها وهي تجاهله التام للإشارة لثورة ديسمبر المجيدة والتي تُعد ثابتاً في المعادلة السياسية السودانية، بدا وكأنه يتجاهل الإرث الشعبي الذي لا يزال حياً رغم صخب الحرب. فالثورة وإن تراجع صوتها تحت قعقعة السلاح، تظل محطة لا يمكن تجاوزها. حتى في ظل الحرب التي قلبت كل الموازين رأساً على عقب، لا يمكن إغفال أن الشعب السوداني، بإرثه وتاريخه، لن يسمح بطمس طموحاته تحت وطأة خطاب الحرب. فالتاريخ يؤكد أن هذه التركة لن تُوزّع لأن صاحبها ما زال على قيد الحياة.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …