د. فضل محي الدين طاهر
منذ عام 1994، حين تقدم السودان بطلب الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، ظل هذا الملف يراوح مكانه لأكثر من ثلاثة عقود، رغم أنه كان من بين أوائل الدول العربية والأفريقية التي فتحت هذا الباب. هذا التناقض بين قِدَم الطلب وتأخر الإنجاز يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا تتمسك دولة بملف انضمام لعقود طويلة دون أن تُكمله؟ الإجابة، كما تكشفها تجربة السودان، لا تكمن في تعقيدات فنية بحتة، بل في تناقض بنيوي بين رغبة النخب الحاكمة في اكتساب شرعية دولية للنظام من جهة، وحرصها على حماية منظومة مصالح اقتصادية قائمة على غياب الشفافية من جهة أخرى.
-كرت الشرعية:
الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ليس مجرد إجراء تجاري تقني؛ إنه شهادة اعتراف دولي بأن الدولة تلتزم بقواعد لعبة اقتصادية معروفة وشفافة. لهذا السبب، حرصت الحكومات السودانية المتعاقبة على الإبقاء على الملف “حياً” في الخطاب الرسمي: تصريحات متكررة عن اقتراب الإنجاز، وفود تلتقي بمسؤولي المنظمة في جنيف وغيرها، وتأكيدات على “الإرادة السياسية الكاملة” لإتمام الانضمام. في مناسبات عدة، أُعلن أن الانضمام بات وشيكاً — كان يُنتظر إنجازه في المؤتمر الوزاري بالأرجنتين نهاية عام 2017 مثلاً — لكن هذه المواعيد جاءت وذهبت دون تحقق الهدف.
هذا النمط من الإعلان المتكرر عن “القرب من الإنجاز” دون إنجاز فعلي هو بالضبط ما يمكن وصفه بـ”توظيف كرت الانضمام”: استحضار صورة السعي نحو العضوية للحصول على مكاسب سياسية ودبلوماسية آنية — كإشارة “انفتاح” للمجتمع الدولي، أو ورقة ضغط في ملفات أخرى كرفع العقوبات — دون أن يقترن ذلك بالتزام حقيقي بمتطلبات العضوية الجوهرية.
-اقتصاد التمكين وحماية الريع:
المفارقة الأعمق تكمن في أن جوهر ما تطلبه منظمة التجارة العالمية — الشفافية في السياسات التجارية، إلغاء الدعم والإعفاءات الانتقائية، فتح الأسواق أمام المنافسة، توحيد قواعد الاستيراد والتصدير — يصطدم مباشرة بمصالح شبكات نافذة استفادت من الغموض التنظيمي القائم.
ووفقاً لمتابعات عديدة لتطورات هذا الملف منذ منتصف التسعينيات، فقد كان جزءاً من الملفات الاستراتيجية التي تأثرت سلباً بضعف الحوكمة والشفافية، إذ تشير تقارير ومتابعات متفرقة إلى تخصيص ميزانيات لعملية التفاوض ومرتبات فرق العمل المعنية بها دون أن يقابل ذلك تقدم ملموس على أرض الواقع — وهي مسألة تستحق تدقيقاً وتوثيقاً رسمياً أدق.
والنتيجة أن الملف وقع في شبكة مصالح اقتصادية ارتبطت بنخبة سياسية معينة، وتغذّت من تراخيص استيراد انتقائية، وإعفاءات جمركية غير شفافة، واحتكارات محمية بغطاء سياسي. بالنسبة لهذه الشبكة، فإن الالتزام الكامل بقواعد منظمة التجارة العالمية لا يعني فقط “إصلاحاً اقتصادياً”، بل تفكيكاً مباشراً لأدوات السيطرة والريع التي تُمكّنها من الاستمرار على حساب الاقتصاد الوطني ككل.
-من التعطيل إلى الانهيار:
لم يبق ملف الانضمام في حالة “تعليق إداري” هادئ فحسب، بل تحول تدريجياً، وبفعل تراكم الأزمات، إلى ملف مهمّش كلياً. الحروب المتعاقبة — من الجنوب إلى دارفور، فالنيل الأزرق وجنوب كردفان، وصولاً إلى الحرب الحالية المندلعة منذ 2023 — استنزفت الموارد البشرية والطبيعية، وحوّلت أولويات الدولة بعيداً عن الإصلاح المؤسسي، بل وفتحت الباب أمام موجات جديدة من النهب المنظم للموارد. هكذا تحوّل ملف كان يُفترض أن يكون رافعة لتوحيد السوق، وإيجاد بيئة مؤسسية للسلام، وجذب الاستثمار، وإنهاء عزلة الصادرات، إلى مجرد “كرت” يُستحضر بين الحين والآخر لأغراض إعلامية أو دبلوماسية.
ويزيد الوضع الحالي تعقيداً أن المنظمة نفسها تشهد حالة من التعطل الجزئي بفعل التوترات الجيوسياسية الدولية، ما يجعل استئناف الملف السوداني اليوم مرهوناً بعاملين متزامنين: وقف الحرب واستقرار داخلي يسمح بإصلاح اقتصادي حقيقي، وبيئة دولية قادرة على استيعاب وتفعيل طلب الانضمام.
-الانضمام كأداة لتفكيك اقتصاد الحرب:
بالرغم من قساوة المرحلة الراهنة ومأساويتها للسودان، فهناك دائماً أمل في أن تحمل هذه الفترة فرصة نادرة. ويتمثل هذا الأمل في ربط استئناف ملف الانضمام بمشروع إعادة الإعمار والسلام، لا معالجته كملف تجاري معزول. فالالتزام بقواعد المنظمة قد يكون الضمانة الوحيدة لمنع تحول أموال إعادة الإعمار المرتقبة إلى نسخة جديدة من إخفاقات شهدتها تجارب أخرى.
فعلى سبيل المثال، تفرض قواعد المنظمة معايير شفافية في المشتريات الحكومية والمناقصات الكبرى، وإلزامية نشر الأنظمة التجارية والجمركية بشكل موحد وواضح، وآليات تسوية نزاعات معروفة. تطبيق هذه المعايير على عقود إعادة الإعمار تحديداً — من الطرق إلى الموانئ إلى المرافق العامة — يمكن أن يقلص هامش المناقصات المغلقة والعقود الممنوحة بالتراضي لشبكات نافذة، وهو ما يجعل الانضمام ليس مجرد شهادة شرعية دولية، بل أداة عملية لحماية موارد الإعمار من إعادة إنتاج اقتصاد الريع نفسه الذي ساهم في تغذية الحرب.
بل إن الانتظار حتى وضع السلاح ليس شرطاً لتحريك هذا الملف؛ إذ يمكن، بل ينبغي، مواصلة الجهود الفنية وحملات رفع الوعي العام من الآن، بحيث يكون الانضمام حاضراً ضمن أولويات أي برنامج لإعادة الإعمار والبناء، لا بنداً يُضاف إليه لاحقاً. والأهم من ذلك أن يُجعل هذا الملف أساساً تفاوضياً في صلب أي اتفاق سلام قادم، لا ملحقاً اقتصادياً هامشياً يُترك لمرحلة ما بعد التوقيع. فالسودان جرّب مراراً اتفاقيات سلام أُبرمت دون أساس اقتصادي مؤسسي راسخ، فلم تصمد ولم تُنتج سلاماً حقيقياً ومستداماً. ربط الانضمام بهندسة اتفاق السلام نفسه — بوصفه التزاماً بقواعد شفافة لإدارة الموارد وتوزيع الثروة، لا مجرد شرط تجاري منفصل — قد يكون أحد السبل لكسر هذه الحلقة المتكررة من اتفاقيات تُوقَّع ولا تصمد.
-ومجمل القول هو ان تجربة السودان مع هذا الملف تكشف عن نمط أوسع يتكرر في دول عديدة تمر بمراحل انتقالية هشة: استخدام “مسار الانضمام” كواجهة لاكتساب شرعية دولية، مقابل تعطيل جوهر الانضمام حفاظاً على منظومات فساد وريع داخلية. وبين هذين القطبين، يظل الملف عالقاً — لا هو يُنجَز فيحرر الاقتصاد من قيوده، ولا هو يُسحب فتُعلن الحكومة صراحة عن عدم رغبتها الحقيقية في الإصلاح. وهذا التعليق المستمر، في جوهره، ليس عجزاً فنياً بقدر ما هو خيار سياسي متعمد.
