تأمُلات
كمال الهِدَي
منذ يوم فض اعتصام القيادة العامة، لم تفارقني صورة الشهيد البطل عباس فرح.
أُستشهِد عباس، رحمه الله، واقفاً كالطود. ورغم إصابته البالغة، لم يضعف ولم يستغث، وبدا كأنه أدرك أنه آخر حراس الترس، وأنه لا يستطيع إلقاء الراية إلا مع لفظ أنفاسه الأخيرة. ظل صامداً في مكانه حتى فارق الحياة، في مشهد جسد البطولة والإيمان بقضية الوطن.
وحتى يومنا هذا، لا تزال صورته عالقة في ذهني.
تألمنا جميعاً لفقدان كثير من خيرة شباب البلاد، الذين قدّموا أرواحهم رخيصة من أجل حلمهم بوطن يسع الجميع. لكنهم لم يدروا أن بعض الكبار قد يستهينون بالدماء والأرواح إلى الحد الذي تكشف لنا بعد رحيلهم.
ولهذا، كثيراً ما كنت أقسو في كلماتي على حكومة الثورة، وكتبت مراراً عن ضرورة عدم التهاون في ملف الإعلام وغيره من الملفات؛ فهذه الأرواح لم تكن رخيصة علينا، مهما بدا الأمر كذلك لدى البعض.
واليوم، ومنذ أن رأيت الشهيد اليافع الطيب الهادي، رحمه الله، وسمعت وصية الرجال التي أبلغ بها المحيطين به في لحظات احتضاره، لم ولن تفارق صورته ذهني أيضاً.
لقد ضاعف مقتله هو ومن رحلوا معه بهذه الصورة الظالمة أوجاعنا.
ومنذ اندلاع هذه الحرب اللعينة، ظللنا نردد أن الموقف منها أخلاقي في المقام الأول، وأن أي إعلامي يحرض على قتل السودانيين بعضهم بعضاً لا يستحق الاحترام. واليوم، بعد هذا الوجع المضاعف، وفي ظل المواقف المخزية لكثير من مرتزقة الإعلام، لابد من التأكيد مجدداً بأن من يحرضون على القتل، ويصفون الآخرين بالخونة والعملاء، إنما يكشفون عن جبنٍ وانعدامٍ للضمير والوازع الديني والأخلاقي، فلا يوجد في هذا السودان خونة وعملاء وعبيد للمال غيرهم.
تؤكد الأحداث والجرائم المروعة، وما يشهده السودانيون يومياً من موت مجاني، أن أي قلم داعم للحرب لا يمكن أن يحمله سوى متكسب بغيض. أما هذه الجريمة الأخيرة التي ارتكبها الأجنبي في حق مواطنين سودانيين يفترض أن تكون نقطة الحسم لدى بعض المتهاونين والمتصالحين مع المحرّضين على القتل من أجل الدولارات.
التهاون مع أي إعلامي أو ناشط يؤيد الحرب أعتبره شخصياً شكلاً من أشكال التواطؤ والتساهل في أمر لا يقبل القسمة على اثنين. ومن يحاول إيهام الناس بأن المسألة لا تعدو كونها اختلافاً في الرؤى، إنما يمارس تضليلاً واضحاً؛ فالاسم الحقيقي لما يفعله هؤلاء هو الارتزاق والتكسّب من دماء الآخرين وأرواحهم.
ولو كان الأمر مجرد اختلاف في الرؤى مع هؤلاء، لسمعنا لهم صوتاً يدافع عن الأبرياء الذين قُتلوا، وعن أولئك الذين تحمّلوا مشقة العيش وسط الجبال، سعياً إلى سد رمق أهلهم.
ولا أدري كيف يُطلق لقب “إعلاميين” على من لم تُحرك مشاعرهم صورة ذلك الصغير الطيب، ولا كلماته المؤثرة التي نطق بها وهو يحتضر. فمن لم يُحركه هذا المشهد المؤلم، فإما أنه كائنٌ بلا قلب، وإما أنه يقاوم مشاعر الإنسانية في داخله، حتى لا يُغضب أسياده ويفقد المال الذي من أجله حرّف الحقائق منذ البداية.
فكفاهم استعباطاً، وكفانا تهاوناً مع المحرّضين على قتل الناس. فلم يعد مقبولاً التعامل مع هؤلاء بوصفهم زملاء مهنة نختلف معهم في المواقف؛ فنحن لسنا سياسيين، ولا علاقة لنا بالسياسة حتى نتنازل عن مبدأ واضح أو نغض الطرف عن جرائمهم لمجرد أنهم زملاء مهنة.
