كيف اقتلع الإسلاميون السودانيون خشيةَ الله من أنصارهم ..؟!

خالد ابواحمد

ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح على كل من عاش تلك الحقبة السوداء من تاريخ السودان أو درسها عن كثب: كيف نزعت الحركة الإسلاموية من عضويتها والمتعاطفين معها خشيةَ الله ومخافته، وأبعدتهم عن القيم والتقاليد الأصيلة التي عُرف بها الشعب السوداني؟!

ربما يأتي هذا السؤال المُلحّ من كثرة الإجرام الفظيع الذي طبع مسيرةَ الإسلامويين في السودان، والذي تحدثنا عنه مراراً، والمتمثّل في انتشار الفساد المالي والأخلاقي، وممارسة القسوة إلى أبعد الحدود، وما الإبادات الجماعية وجرائم الحرب التي ارتكبوها في بلادنا العزيزة إلا تأكيد على السواد الحالك الذي طغى على حياتنا، سواء كنّا في الداخل أم في الخارج، ولعل هذا إجابةً للسؤال الرئيسي المطروح، واليوم نحن بصدد ترسيخ المعرفة للأجيال السودانية الحديثة حول النتائج الكارثية للشعارات الدينية التي رفعتها هذه الحركة المجرمة منذ تسنُّمها مقاليدَ الحُكم في البلاد بقوة السلاح وإلى هذه اللحظة، لا بقوة المنطق والحكمة ومخافة الله عز وجل.

الفساد والانحلال الأخلاقي

إن الحركة التي أفرزت هذا الكمّ الهائل من الفساد والانحلال الأخلاقي والكذب الممنهج، لم تكن في حقيقة الأمر أمرًا محيّرًا بالنسبة لنا، نحن الجيل الذي عاش التجربة في دهاليز هذه الحركة؛ بل رأى بأمّ عينيه كيف يُحوَّل الحرام إلى حلال في المأكل والمسكن والملبس، والعلاقات الخاصة والتصرّف في المال، وكيف يُوزَّع المال العام الحرام على بعض أعضاء التنظيم المقرّبين باعتباره عملًا خيريًا وإنسانيًا عظيمًا، وهم يدركون أنه مال حرام، فيفرحون به وينتفعون منه، بل يزدادون قربًا وحبًا وتعظيمًا لهذه القيادة الفاسدة.

ويحضرني في هذا المقام أحد القيادات التنظيمية الكبيرة؛ عشت معه فترة في بيته، وعملت وسافرت معه. كان يصرف أموال الدولة يمنة ويسرى، وينفق على وداع فلان وعلان، ويقيم دعوات عشاء ببوفيهات مفتوحة للمقرّبين في التنظيم، ويهدي الأموال لمن يشاء، وكل الذين كان يتفضّل عليهم ويكرمهم من الحرام هاموا حبًا فيه، وأصبحوا لا يرتضون أي رأيٍ سلبي عنه، ويصفون منتقديه بأقبح وأسوأ النعوت.

لقد رسّخت كثير من قيادات الحركة الإسلاموية، عن سابق علم وتصميم، ثقافةً مزدوجة بين الخطاب العلني المُشبَع بمفردات الورع والتقوى، والممارسة الفعلية المبنية على الكذب والمراوغة والمصلحة. وقد تجلّى هذا التشوّه بصورته الأوضح في اعتناق الكذب سلوكاً مؤسسياً راسخاً، وهو ما يصفه الحديث النبوي الشريف تحذيراً ووعيداً: “الكذب يهدي إلى الفجور”، فكان الفجور بالفعل عنوان تلك المرحلة بكل ما تحمله الكلمة من دلالات.

ولعل أكثر ما يكشف عمق هذا الخلل في منظومة القيم هو ما جرى في عالم “البزنس” الإسلاموي، ذلك الفضاء العجيب الذي أُبيح فيه لكبار قادة التنظيم وكبار مسؤولي الدولة، من وُزراء وُسفراء وأصحاب المناصب الدستورية، أن يمارسوا التجارة على نطاق واسع، بل كان ذلك مُشجَّعاً ومُرتَّباً له بعناية، والمفارقة المُرّة أن رأس المال في هذه التجارة لم يكن سوى المال العام أموال الشعب المغلوب على أمره الذي صودر ووُجِّه لخدمة منظومة الحُكم وإثراء رجالها، وفي هذه البيئة التي انعدم فيها الوازع الديني بصورة شبه كاملة، استشرت التجاوزات الإدارية والأخلاقية حتى بلغت حدوداً يَشيب لها العقل.

ولا يحتاج المرء إلى كثير من التجريد النظري ليفهم حجم الكارثة؛ يكفيه أن يستحضر صورة ذلك الشاب الذي كان يعمل في إحدى المؤسسات المرتبطة بدعم الطلاب، وينتمي إلى أسرة فقيرة لا تملك من حطام الدنيا شيئاً مُنح سبعة مليارات جنيه عام 1998 باعتباره “مستثمراً” في مشروع ما، ثم حين تعذّر السداد في الموعد المحدد انقضّ عليه الجهاز المصرفي بكل ثقله، فأُلقي في السجن ثم أُطلق سراحه، غير أن حياته لم تعد كما كانت أبداً، وانقلبت إلى جحيم لا هوادة فيه، وهذا نموذج واحد من أعداد كبيرة من الشباب في مقتبل العمر جرى توريطهم في منظومة مالية معقّدة وملتوية، فيما كان أبناء القيادات العليا في الوقت ذاته يتسلّمون مبالغ ضخمة بالدولار من المال العام دون حساب ولا رقيب ودون أي التزام بالرد، وينتقلون من بلد إلى آخر في بحبوحة عجيبة.

الكذب والغش

لا يمكن فهم كيف تحوّل هذا النهج إلى ظاهرة مجتمعية راسخة دون استحضار الدور المحوري الذي اضطلعت به الماكينة الإعلامية للتنظيم. فقد عمل صحفيو التنظيم والقنوات الفضائية التي أُسِّست ومُوِّلت من الخزينة العامة على ترسيخ قصص الإنجاز الوهمي، وتضخيم صورة النظام حتى بدا في عيون قطاعات واسعة من السودانيين كأنه يصنع المعجزات في ظروف قاسية ومجحفة، وكان هذا الخداع الإعلامي الممنهج يستهدف على وجه الخصوص الجهلاء والبسطاء والمتعاطفين مع مشروع الإسلام السياسي، فيُقنعهم بأن ما يُقدَّم إليهم من أرقام وإحصاءات وصور حقيقةٌ راسخة لا تقبل الجدل، وأن الحركة الإسلاموية وقياداتها يستحقون كل تعظيم وتقدير.

وفي سياق الكذب الممنهج ذاته، لجأ النظام إلى استثمار نظرية المؤامرة الكبرى بشكل لافت ومحسوب. ففي بداية التسعينيات، مع اشتداد أوار المعارك في جنوب السودان وتصاعد الضغوط الدولية على النظام شرعت آلة الدعاية في توجيه الاتهامات يميناً وشمالاً: المملكة العربية السعودية تدعم المتمردين، ودول الخليج متواطئة، ومصر وليبيا وتشاد طرف في المؤامرة، وكذلك إثيوبيا وإريتريا وكينيا وأوغندا، وعلى الصعيد الغربي: ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل، وخلاصة الخطاب أن العالم كله يتآمر على السودان في إطار مؤامرة صهيونية صليبية تستهدف الإسلام ذاته في عقر داره.

وقد وجد هذا الخطاب الاستئصالي المزيَّف هوىً حقيقياً في نفوس كثير من البسطاء الذين يُحرّكهم الغيرةُ على الدين أكثر مما يحركهم التفكير النقدي، وكان (الرئيس) عمر البشير يكرّر في خطاباته عبارته الشهيرة: “إنهم يستهدفون ديننا”، وقبل شهر من الآن قرأت حديثا لأحد الشباب المتحمس يقول وبنبرة جادة جدا أن 35 دولة في العالم تتآمر على السودان، فتمشي هذه الكلمات كالسكين في الزبد وتُحرّك المشاعر قبل العقول، وعلى هذه الأرضية العاطفية الملتهبة، نجحت الماكينة الإعلامية في استقطاب أعداد كبيرة من الشباب وتجنيدهم في مؤسساتها الفاسدة، ورمي الكثير منهم في محارق الصراع المسلح وقوداً لحرب لم تكن لهم فيها مصلحة ولا ناقة ولا جمل، وقد كشف القيادي علي كرتي، القائد السابق للدفاع الشعبي بولاية الخرطوم في منتصف التسعينيات، أن عدد ضحايا تلك الحرب بلغ نحو أربعين ألف شخص، وهو رقم يُجسّد حجم الثمن الفادح الذي دفعه السودانيون على مذبح سياسات نُسجت في أروقة السلطة بعيداً عن أي اعتبار لمخافة الله أو ضمير أو إنسانية.

وقد أنتجت هذه المنظومة المتكاملة من الكذب ونهب المال العام وتغييب الوازع الديني جملةً من التداعيات الكارثية التي أحكمت قبضتها على السودان، وأوصلته إلى ما هو عليه اليوم فعلى صعيد مؤسسات الدولة، شهدنا انهياراً حقيقياً وممنهجاً لأن القائمين عليها لا يخشون رقيباً ولا يخافون حساباً، وفي دواوين الحكومة تفشّت كل أمراض الفساد بأشكالها وألوانها، من الرشوة والمحسوبية إلى التزوير واختلاس المال العام وحيازات الأراضي بالجملة في مناطق ذات أفضلية اقتصادية، وهي كلها إفرازات طبيعية وحتمية لمنظومة حكم فقدت صلتها بالله ففقدت معها أي رادع حقيقي عن الحرام.

أبلغ صورة من أساليب النفاق!!

من ضمن ما رسّخته الحركة الإسلاموية في عضويتها ممارسةُ النفاق بأغرب أنواعه التي تحيّر المرء وهو ينظر إليها. ويتجسّد ذلك فيما قام به المسؤولون في الدولة من القيادات الوسيطة في التنظيم، في المجال المتعلق بالعمل البلدي المحلي والبنى التحتية في العاصمة الخرطوم، إذ خصّصوا مزارع كبيرة ومثمرة تزخر بكل ما تشتهي الأنفس من الخضروات وأشجار الفاكهة، وذلك في منطقة شرق النيل على مساحات واسعة، تتوسّطها مساكن فارهة على أحدث ما يكون. وقد خُصِّصت لهذه المزارع مضخّات حديثة تسحب المياه مباشرةً من النيل، ثم أُهديت هذه المزارع لعدد من القيادات النافذة في الحركة والتنظيم والدولة، ومن بينهم آنذاك علي عثمان محمد طه حين كان نائباً للرئيس المخلوع، فضلاً عن صلاح قوش وعوض الجاز.

المزرعة المشهورة بعبارة “مزرعة النائب الأول” كانت في الأصل لشخص نعرفه، مقيم في البحرين، فانتُزعت منه قسراً وأُهديت لعلي عثمان محمد طه، ثم أُضيف إليها من بعد ذلك كل ما يجعلها جنةً على الأرض. وقد روى صاحب المزرعة الحقيقي هذه القصة أمام حشد من الناس، قائلاً إنه حين عاد إلى مزرعته بعد فترة غياب، وجد القائم على العمل فيها فأخبره بأن المسؤولين سيعوّضونه بمزرعة أخرى، وأن لا يقلق!

وأتذكر أنه في حوار صحفي، ظهر المجرم الكبير علي عثمان محمد طه يتحدث من داخل تلك المزرعة، مصرّحاً بأن “مزرعته” تُنتج العنب والكثير من الفواكه!!

إن تخصيص هذه الهدايا من المزارع لكبار المسؤولين النافذين بالمجان يُعدّ قمةَ النفاق على حساب ممتلكات الشعب السوداني، وهذا النفاق لا يقتصر على المزارع وحدها، بل يتجاوزها بكثير، غايتُه إغداق الرضا على الكبار وشراء الولاءات، وهذا نوع مستحدث مبتكر من أنواع النفاق، وهي سمة متجذّرة في ممارسات تنظيم الحركة الإسلاموية، التي لم تتوقف عن الابتكار في كل شيء: في أساليب التعذيب والقتل، وسرقة المال العام، وممارسة الحرام، وضروب الفساد الأخلاقي.. بلا حدٍّ ولا حرج!!

الأثرياء الطفيليون

وعلى صعيد البنية الاجتماعية، نشأت طبقة جديدة من الأثرياء الطفيليين تميّزت بالجشع المفرط وانعدام الضمير، لا همَّ لها سوى الاستحواذ على المال العام وسرعة استثماره وتكديسه في حساباتها، ولو كان ذلك يدمر البنية الاقتصادية للدولة من أساسها. وقد أسهمت تجارة قيادات الدولة على حساب المواطن البسيط في انهيار قيمة الجنيه السوداني إلى قاع لم يكن في الحسبان يوماً، إذ كانت هذه الشركات ولا زالت تعمل خارج الجهاز المصرفي، بلا رقابة مالية ولا إدارية، ومُعفاةً كلياً من الجمارك والضرائب. فكان تأثير ذلك مهولاً وانعكس تلقائياً على المواطن السوداني، فأصبح يعيش على حافة الفقر المدقع فيما يتقلّب أبناء التنظيم في النعيم.

صحفيو (بنكك)

ومن أغرب ما أنتجته هذه المرحلة ظاهرة “صحفيي بنكك”، وهو تطبيق مصرفي سوداني بات اسمه مرادفاً للإعلام المأجور الذي يُسخَّر لخدمة السلطة مقابل تحويلات مالية منتظمة. إلى جانب هؤلاء، برزت ظاهرة ما يُعرف في الأوساط السودانية بـ”القونات”، اللواتي يناصرن الطبقة الحاكمة بحماس لافت ويعشن بعيداً كل البعد عن همّ الأسرة السودانية وآلام المواطن البسيط، وتجمعهن منصات تواصل اجتماعي باتت مرتبطة في الذاكرة الجمعية بالسقوط الأخلاقي.

وربما كانت أشدّ هذه التداعيات خطورةً وأعمقها أثراً هي ما جرى من تغذية ممنهجة للنعرات القبلية والعنصرية التي حرص النظام على إذكائها وتجذيرها في النسيج الاجتماعي السوداني. وقد اعترف بذلك القيادي الإسلاموي الكبير د. عبدالحليم المتعافي في حلقة تلفزيونية، إذ قال بالحرف الواحد:

” تم التركيز الشديد على القبيلة وعلى الجهوية ونشأت حركة تجميع بعض القبائل وإيجاد نفوذ سياسي للقبائل الكبرى في السودان، وكان ذلك برعاية الحركة الإسلامية في الخرطوم، وهو ما يعني التحول من القومية السودانية التي تعني أن أبناء السودان يحكمون كل السودان إلى القبلية والجهوية.”

كانت نتيجة هذا التحول شرخاً اجتماعياً عميقاً لم تُعرف له سابقة في تاريخ البلاد، وتفجّر على شكل صراعات جهوية دامية ذهب ضحيتها آلاف السودانيين وشرّد الملايين. وفي قلب هذا المشهد القاتم، عمد النظام إلى استهداف المكوّن المدني السوداني بالتحريض والتشويه، لأنه يُدرك أن هذا المكوّن هو صمام الأمان الحقيقي للدولة، وأنه الأكثر وعياً بخطورة تلك السياسات والأكثر حرصاً على الوحدة الوطنية واستقرار البلاد.

خاتمة

خلاصة القول إن ترسيخ ممارسة الكذب والنفاق داخل التنظيم، وسرقة المال العام والتحلّل من رقابته، والاهتمام بالقبلية والجهوية، ونشر الفساد والانحلال الأخلاقي، كلها عوامل مجتمعة أدت إلى نزع خشية الله من عضوية التنظيم والمتعاطفين معه، والبُعد عن التقاليد الأصيلة لقيم السودانيين. لذلك نجد الإسلامويين عموماً لا يخافون رادعاً ولا يخشون عذاب الله ولا فجأة الموت، لأن انتزاع هذه القيم الدينية والإنسانية من قلوبهم جعل الكذبَ سياسةً، والفسادَ نهجاً، والظلمَ نظاماً. وما حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الكذب الذي يهدي إلى الفجور إلا تشخيص دقيق لما جرى بالضبط: بدأوا بالكذب على الشعب، ثم على الله، فكان الفجور مآلهم الطبيعي والحتمي. وإن السودان اليوم لَيدفع ثمن تلك السنوات العجاف التي نُخر فيها جسد الدولة، وأُفسدت فيها الأرواح قبل الأموال.

مساء الجمعة 24 أبريل 2026م

khssen@gmail.com

عن خالد ابواحمد

خالد ابواحمد

شاهد أيضاً

قل جاء الحق وزهق الباطل.. إن نهج الإسلامويين كان زهوقا!!

خالد ابواحمد للحقيقة والتاريخ، أول مرة أشعر فيها بعمق مضمون الآية الكريمة في سورة الإسراء: …