كثيراً ما كرر البرهان عبارته الشهيرة بأنه زاهد في الحكم ولا نية له للترشح في الإنتخابات ، ثم تطور خطابه الإعلامي بأنه لن يسلم السلطة لحكومة منتخبة أو إلى رئيس قبل الناس به عن طريق التوافق ، وهذا الخطاب المضطرب يفضح نوايا الفريق برهان ، فهو يمارس الإستبداد ويسلك طريق العودة إلى نظام ، فهو يختار طرق وعرة وشائكة كان من أهمها:-
عودة الدولة الأمنية القديمة والتي تعتمد في قوتها على شعيرة الخوف وبث الذعر بين المواطنين ومحاربة كل شعارات الثورة وبالذات الشباب والمرأة ، وبالفعل عادت ظاهرة الإعتقالات العشوائية وزوار الفجر والإختفاء القسري وجمع المعلومات الأمنية والرصد ..
المدخل الثاني هو سيطرة الدولة على وسائل الإعلام ونشر ثقافة الإستبداد والتخوين ، وبالفعل بدأ الأجهزة الإعلامية والتي تنفست الصعداء بعد سقوط البشير ، عادت هذه الأجهزة للتطبيل للعسكر ونشر الخطاب المعادي للثورة والتغيير ، غابت البرنامج الحوارية وأصبح الإعتقال هو مصير المتحدثين الذين يظهرون في الفضائيات وهم ينتقدون المجلس العسكري .
تدارك الإنقلابيون عملية فقدان الموارد الخارجية باللجوء للداخل عن طريق زيادة الضرائب والرسوم ورفع الأسعار ، وقد احتاطوا لذلك بالإستعانة بجهاز أمن البشير ، فهم سيواجهون الإحتجاجات عن طريق العنف كما حدث في عام 2013 عندما نشبت أول إنتفاضة قوية ضد البشير ، ومهندس هذه السياسة هو الدكتور جبريل إبراهيم .
يراهن البرهان على علاقته مع إسرائيل لكسر طوق العزلة الدولية ، فهو يعتبرها شريك موثوق به ويؤمن بمقدرتها على صنع المعجزات ، فهو يعتبر أن التطبيع هو الحل للعودة للمجتمع الدولي ، لكن الفريق البرهان يجهل أن إسرائيل دولة فقيرة وبلا موارد ، وهي تسعى لتحقيق مصالحها القومية ولا تهتم لأمر عملائها كثيراً إذا ساءات تقديراتهم للأوضاع السياسية …
والملاحظ للأوضاع في السودان هو فتور الدعم الإقليمي العربي للبرهان ، فتروس الشمالية أفسدت العلاقة مع مصر ، وأما دول الخليج فأصبح ينتابها القلق ، فأصبحت تنتظر التقييم الأمريكي حت تتعامل مع الوضع الجديد ، ولذلك الحصيف يستطيع أن يكتشف غياب المنح والقروض العربية والتي طالما شكلت الترياق لإنعاش إقتصاد الإنقلابيين ، وتحفظ هذه الدول سببه عودة الإخوان وعدم الثقة في وزير المالية الجديد والذي كان يشكل جناح الصقور في حقبة حكم الإسلامية ، فهو الآن يمارس إسلام (التقية ) لإخفاء نواياه الحقيقية ، ولكن هذا الرجل هو الركن الهام في هذا الإنقلاب ولا يمكن للفريق البرهان أن يتخلص منه مهما بلغت خسائره من توقف الدعم الخليجي.
ويعتمد البرهان في دولته الناشئة على طريقة المحتل البريطاني في القرن التاسع عشر وذلك بالإعتماد على الإدارة الأهلية والطرق الصوفية ، لكن العامل المهم لكسب هذه الحرب هو العامل النفسي ، حيث يحاول الفريق البرهان توصيل صورة للعالم بأن الثورة السودانية قد إنتهت ، لذلك لعب بورقة عودة (الفلول ) للدولة حتى يحبط الشارع ، ثم سعى إلى شيطنة لجنة تفكيك التمكين فجعل الأشخاص الذين أقصتهم اللجنة هم القضاة والجلادين يحققون ويصدرون الأحكام وينشرون الإشاعات بخصوص لجنة تفكيك التمكين ، كل ذلك يدخل في أسلوب الحرب النفسية ليكسر الروح الثورية في نفوس الشباب ، فهو يصفي الثورة عن طريق إستخدام أجهزة البشير ، لكن الذي يفهم أبعاد هذه الحرب عليه أن يؤمن ان هذه الحرب طويلة الأمد وبلا سقف زمني ، وتحتاج للصبر والثبات والتماسك والوحدة الوطنية ، هذا النظام لن يصمد أمام حرب الإستنزاف وحراك الشوارع .
/////////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم