أسئلة كثيرة ظلت تطرح في كل مرّة تخرُج فيها الجماهير مزلزلة الأرض تحت أقدام العسكريين من مجموعة اللجنة الأمنية للرئيس السابق عمر البشير، وأهم هذه الأسئلة بسيط وعميق: ثم ماذا بعد؟ ما العمل؟
مؤكّد أن الحراك الشعبي الثوري قد بات بعضا من تفاصيل الحياة اليومية للشارع السوداني، والمؤكّد أيضا أن هناك تقدّما وتطوّرا في عمل لجان المقاومة التي تقود عملية تنظيم الحراك وقيادته من الشباب على امتداد السودان تقريبا، فكل مدينة ولها لجانها التي تحشّد وتنظم وتقود، بيد أن المحصلة حركة أفقية، على الرغم من اقتناع الشباب والتفاف غالبية المجتمع من حولهم بمختلف فئاته، لكنها تظل عاجزةً عن إفراز قيادة شبابية متفق عليها لقيادة الحراك. الافتقار لمثل هذه القيادة السياسية الشبابية الواعية يتفق عليها، وهي ما يعيق عمليا بلوغ الحراك الشعبي أهدافه في الحكم المدني. أصبح هذا الغياب إحدى السلبيات الكبيرة التي تجعل من الحراك تائها وبعيدا عن أهدافه بكل ما يحيط بذلك من مخاوف من انصراف الناس وهزيمة الثورة، لكن اللافت أن زخم الشارع السوداني يتجاوز التوقعات في كل مرّةٍ يخرج فيها الناس، وبأعدادٍ تفوق سابقاتها، وبثبات ويقين بحتمية انتصار الثورة وتحقيق أهدافها. والثابت أن العسكريين قد سجّلوا نقاطا مهمة طوال الفترة الماضية على الشقّ المدني في الحكم، منتزعين مزيدا من صلاحيات الحكومة التنفيذية بقيادة عبدالله حمدوك، على الرغم من مفارقة ذلك لصلاحياتهم بالمطلق.
ولفهم ما يجري في السودان، لا بد من الأخذ في الاعتبار المتغيرات السياسية التي نجمت عن سيطرة نظام الجبهة الاسلامية الطويلة على مفاصل الحكم. أولا: كان المقدّم عند الجماعة القضاء على كل أشكال الأحزاب السياسية والحركة النقابية وإقامة نظام اسلامي متوّهم. ولذا، حينما انتصرت ثورة الشباب، تم ذلك بعيدا عن تأثيرات الجاذبية الحزبية، ولم يعجمها الإرث التاريخي للحركة النقابية السودانية. وقد جعل هذا الانقطاع السياسي في مجرى الثورة حراك نهر الثورة الجارف ينتهي إلى سهل منبسط، بلا حاضنة سياسية أو نقابية، فطبع الحراك بشكله الأفقي. ثانيا: أفول بريق الأحزاب الطائفية، الأمة والاتحادي بشكل خاص، وتحوّلهما إلى مجموعة متعدّدة من الأحزاب أضعف حضورها التقليدي في الحياة السياسية. ولهذا التشظّي سلبياته من حيث إضعاف الوجه التعدّدي للحكم باعتبار أهمية وجود بنية حزبية قوية وثابتة للحكم. كما كان له أيضا إيجابياته، إذ في بعدها عن المسرح السياسي فُتح الباب أمام القوى الحديثة لأول مرة إمكانية إيجاد واقع جديد يتسق وتطلعات الشباب في تغيير جذري.
قليلة من الناس تحكم دولة أو منظمة. أو وفق قاموس فئةالحكومات التي تتألف من مجموعة صغيرة تحكم الناس لأغراض فاسدة، وأنانية، فإن ما يعيشه السودان هو بالضبط حالة يمتزج فيها الفساد المالي بقوة السلاح من مجموعات صغيرة تسيطر على الشركات العسكرية، وتعمل في استخراج الذهب وتجارته، واحتكار تصدير ثروات البلاد. وعلى هذا، نشأ تحالف واسع عقب الثورة، يجمعه الفساد واحتكار تجارة الصادر والوارد، ويجد غطاء آمنا له في الرئيس عبد الفتاح البرهان ونائبه حميدتي واللجنة الأمنية، ثم انضمت إليهم مجموعات من حركات دارفور المسلّحة بعد اتفاقية جوبا، فأصبحت تشكل تحالفا سياسيا فضفاضا، تؤلفه المصالح المشتركة.
ولذلك يحرص البرهان دوما على التأكيد على نقطتين هامتين لهذا التحالف: التأكيد على القطيعة التامة مع حزب المؤتمر الوطني، بحيث لا يشمل هذا الزعم المراوغ عضوية هذا التحالف، ثم الحديث عن الانتخابات مخرجا سريعا من الأزمة يضمن للتحالف الفوز بالمال، مع إغفالٍ متعمّد لمطالب الشارع في التغيير الجذري والدولة المدنية. وإذا ما تمعنّا في مكونات هذا التحالف، نجد أن بعضا من الأحزاب والكيانات في قوى الحرية والتغيير قد ارتكبت خطأ فادحا بدعمها الشراكة مع العسكر، وضمنت مكانهم في الفترة الانتقالية، ولا تزال تتمسّك بالشراكة تحت زعم حقن الدماء.
وخلاصة الأمر، الحراك الشعبي معني بإعادة ترتيب أوضاعه سريعا وتقديم قيادة جديرة بالمضي لتسلم السلطة المدنية الخالصة، وبدونها سوف يصعب إيجاد مخرج من هذا السجال الذي يصبح مع مرور الوقت أزمة ستعصف بالجميع، إذ إن للسياسة أحكامهما إذ تأبى الفراغ. وحده الله يعلم كم سمحنا لكثير من الغثاء بالمرور تحت أعيننا معتذرين بأولويّة الثورة، المقاومة، “البَل” و تنقية الصف.
أهم الدروس المستفادة مما سَبَق من عمر الثورة هو عدم التسامح مع أخطاء الثورة و الثوريين، نعذر هذا بالمزاح، و ذاك ب “التطرف في حب الوطن” و ذاك “بالتشدد في كراهية الكيزان”، و بسبب هذه الأعذار : تخرج أخطاء كارثية فنخسر سُمّونا الأخلاقي و عدالتنا و نزوعنا لنصرة المظلوم.
نبضات أخيرة:-
• الغضب هو الرسالة الأوضح في الفضاء الإلكتروني لسودانيي المهجر في ظل الشعور بالعجز و الخوف علي مستقبل البلد و الفزع من فكرة إراقة الدماء التي أعادت ذكريات فض الاعتصام و أيامه التي مرت علينا قاتلة و بطيئة ، عندما كانت الإتصالات مقطوعة و الشوارع مستباحة. هذا الشعور بالعجز لا يبرر هذه الدعاوي الرهيبة الي الكراهية و الي قمع صاحب الرأي المخالف بدعوي تأييده للإنقلاب. ليس هذا الانقلاب الأول في تاريخ السودان و لا الحدث السياسي الوحيد الذي أُريقت فيه الدماء. مقتل الإمام وأغتيال د.جون قرنق، قصف الجزيرة أبا و إنقلاب هاشم العطا و ما تبعه من مذابح و إعدامات الي آخر قصص الدماء و الأشلاء التي رواها تاريخنا. لذا فان
محاولة تسميم العلاقات الشخصية و تجريم التسامح، مع تحويل روح الإنتقام و الغضب لمعارك محاكم تفتيش و مطاردة ضد المبتهجين بتدخل الجيش ، هو “نضال” في الإتجاه الخطأ ، و دعوي لمزيد من الإنقسام المجتمعي الذي يستغلها العسكر و استغلوه في
المعركة قد تطول ، و التضحيات قد تعظم ، و المواقف قد تتغير . و النقاش المتواصل و الجدال بالحسنى يجب أن يستمر . إنها ليست معركة يوم واحد. و لكنها حرب،و المحارب يجمع و لا يفرق ، و يتواضع و لا يتجبر.
•أيقونتي في هذه الثورة هي الثورة نفسها لأن الثورة إن لم تكن وحدة وجدان الجميع، الجميع جميعهم من ضحى ومن أصيب ومن تألم ومن تكلم ومن كتب ومن غني ومن خرج ومن آوي ومن أطعم ومن حمى ومن تم القبض عليه ومن أجتهد ومن فعل ومن هتف ومن شارك بقلقه ومن دفع من ضنكه ومن تضامن ومن أسهم في تكوين هذا الوجدان بكوب ماء أو ابتسامة أو سكوت غير المعترض لا تستحق أن تسمى ثورة، الثورة هي الجميع بلا مفارز.
•سكرتير الانقلاب بعد أن عزت عليه الحواضن والدنيا ثورة ابلغ مجموعة من الشخصيات القومية بأنه يعتزم التقدم باستقالته من منصبة وهنا مجرد سؤال هسي الاستقالة دي من ادب الاجراءات حتقدم لمنو؟!. تذكرت مباشرة المشهد المثير للجدل من مسرحية (على الرصيف) للفنانة سهير البابلي والفنان حسن عابدين عندما قالت على خشبة المسرح: ليه التشاؤوم دا .. نخلي عندنا حبة تفألوله .. تفاؤل .. تفألوله .. يلا نضحك نفسنا أحسن وتواصل سهير فتقول : سنة 80 قالوا لينا حنعبر وحننتصر ونطلع من عنق الزجاجة ،نحن ما رضيناش !! نطلع ونعبر ليه خلونا في قعر الزجاجة احسن .. الجماعة ما صدقوا نحن قعدنا قفلوا علينا الزجاجة . والسكرتير كل يوم يصيح : سنعبر .. سننتصر .. ضوء في أخر النفق جرينا وراهو قفلوا علينا !. مهما كانت نيّة الرجل و تاريخه و طهارته، لا قداسة و لا إعتذار. المخطيء يقوّم، الكذاب يُفضح، و المتلاعب بسمعة الثوار يُوقف ، لسنا بحاجة لتضييع سنواتٍ من أعمارنا و عمر الوطن لتعلّم دروس كانت لتكون مجانية و بدهية .
• بعد شهريْن، المكتب الموحد للأطباء يرفع الإضراب المعلن منذ ٢٥ أكتوبر عن الحالات و العمليات الجراحية غير الطارئة و السبب رفع لثقل المسؤولية الأخلاقية والمهنية عن كاهل الأطباء. كان إعلان الإضراب عن الحالات الباردة والعمليات الجراحية المجدولة والعيادات المحولة يهدف إلى شل مداخيل الدولة الضخمة من جيوب المرضى، النظام الانقلابي الساقط غير مكترث بصحة شعبنا ولن يُبالي بمعاناته في المستشفيات؛ فإن مشاورات الأطباء وتوصياتهم المتوازنة بين الموقفين المهني والثوري وحرصاً منها على صحة شعبنا والعمل بالحد الأدنى من الإمكانيات.
• القائد مالك عقار هو مسئول ملف الانتخابات بمجلس السيادة. و التقى بوفد مفوضية الانتخابات و ذلك في إطار البدء في الاعداد لعملية الانتخابات، نحن نرحب بتحريك مجلس السيادة لملف الانتخابات. و لكن السيد مالك عقار قد اشتهر عنه شعار “يا النجمة يا الهجمة” في آخر انتخابات خاضها في عهد البشير و في النهاية فاز بها طبعاً!
• تأثرت إقتصادات الدول – حتي الكبري منها – بأزمة الكرونا، بينما تعمّق الفقر بسبب الإغلاق الكلي. تحطمت النظم الصحية في كثير من دول العالم الثالث و عجزت الحكومات عن تخفيف الأزمات و التعامل معها. كل هذا إجتمع علينا في السودان إضافة لأزمة سياسية خانقة أهملت وضع أي خطط لتقليل أثر هذه المشاكل فضلاً عن محاولة حلّها. الصراع السياسي يلتهم البلد علي حساب الخدمة المدنية و العناية بشؤون الناس. لا أفق يلوح للحل و يبقي السؤال المُلِح : الي متي ستحتمل البلاد مزيداً من هذا الإهمال؟
الجماعة القبيل رفضوا إبادة (ثُلُث) الشعب السوداني بيفتشوا هسه في طريقة لإبادة ( كُل ) الشعب السوداني. •
mido34067@gmail.com
////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم