لحظة في أكتوبر .. بقلم: د. محمد عبدالرحمن أبوسبيب
9 نوفمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
37 زيارة
إلى جانب تلك الأسماء الزاهية في صفحة التاريخ التي فكرت ونظّرت وأنجزت قبل وأثناء ثورة أكتوبر، هنالك الآلاف من أفراد ذلك الجيل ممن علا صوتهم بالهتاف في صفوف المظاهرات أو إصطفوا بصلابة ضمن العصيان المدني أو جابهوا بشهامة بطش وعنف السلطة، ناهيك عن أفراد تلك الكوكبة ممن بذل الروح وهو شهيد. لكل فرد من هؤلاء “بطولته” و”ملحمته” و”حكايته” يرويها عند المناسبة، وهي رواية، كبرت أم صغرت، تظل شعلة حية في الذاكرة ما تزال ترفد الراوي والسامع بإضاءات قيمة حول الماضي والحاضر. شاءت الصدف أن أكون فرداً ضمن تلك الآلاف، لي حكايتي الصغيرة التي أجترها كلما حلت ذكرى أكتوبر فتعود تفاصيلها ناصعة في الذاكرة، تتواتر صور المكان بمعالمه وشخوصه وروائحه، ويعود الحدث في الزمان كما حدث بحذافيره، فقد شاءت الأقدار أيضاً أن أكون طالباً في الخرطوم الثانوية الحكومية الملاصقة لداخليات طلاب جامعة الخرطوم – داخليات البركس. هذه المدرسة العريقة المتميزة بزخمها السياسي والثقافي والفني والتي أتت عليها معاول الإنقاذ فأزالتها من الوجود. كانت مدرسة “مسيسة” بحكم وجودها في محيط الجامعة، ينالها مباشرةً ما يطرأ من تطور في الحركة السياسية، فطلابها دائماً مدعوون لحضور ندوات قادة العمل السياسي في دار إتحاد الطلاب، وعبدالخالق والترابي إستمعنا إليهما ونحن في تلك السن الباكرة من عمرنا. في تلك الأيام من أكتوبر 1964 إستفحلت قضية الجنوب مع تصاعد أزمة الحكم العسكري. وفي يوم الأربعاء 21 أكتوبر، أثناء اليوم الدراسي المعتاد في المدرسة، إنتشرت الدعوة من قبل التنظيمات السياسية ومن بينها الجبهة الديموقراطية لحضور ندوة كبرى عن قضية الجنوب يقيمها إتحاد طلاب جامعة الخرطوم في داره في الساعة الثامنة مساء. وكما هو معروف في سجل أحداث تلك الليلة، كيف تعذر إقامة الندوة في دار الإتحاد وكيف أقيمت في ساحة أولى الداخليات الملاصقة للمدرسة الثانوية، وكيف أدار طلاب وطالبات الندوة البواسل تلك المعركة الشرسة مع الشرطة إثر إنقضاضها عليهم مع مسيل الدموع، وكيف تسلسلت الأحداث حتى إستشهاد القرشي. ويقيناً، مثلما لكل فرد من طلاب وطالبات تلك المعركة روايته الحقة عن مجراها، أصبحت لي هذه الرواية عن لحظة كنت شاهداً عليها. وهي، على كل حال، رواية طالب ثانوي صغير كان جالساً في آخر المقاعد ( ولم يكن لطلاب المدرسة حضور كبير على ما أذكر، وليت من كان حاضراً يوافينا بتجربته). نتج عن الصدمة الأولى وردة الفعل إثر هجوم الشرطة غير المتوقع على الحضور أن إندفعت الأغلبية إلى الداخل بينما خرجت مجموعة أخرى من دائرة الإشتباك وغادرت متجهة غرباً إلى مباني الجامعة. كنت ضمن هذه المجموعة وفي نيتي التوجه إلى حيث أسكن مع أحد أقاربي في إشلاق سلاح الأسلحة القريب جداً من المدرسة. في تلك اللحظة وقد إقتربت تلك المجموعة من النفق المؤدي إلى مباني الجامعة، في تلك اللحظة جلجلت في سماوات تلك الليلة زغرودة إحدى الطالبات فحجبت صخب الإشتباك وهديره من صراخ وهتاف ونداء. وما إن إنداحت تلك الزغرودة لتصل موجاتها إلى مسامع تلك المجموعة القريبة من النفق حتى كرّت مسرعةً راجعة لا تلوي على شئ إلى ساحة الإشتباك، يصدر بعض أفرادها همهمات غاضبة. كان هذا نداء المرأة السودانية الذي لا يملك الرجل السوداني أن يرده مهما كلّف. ولقد إحتفى جيل أكتوبر في أدبياته بأمر تلك الزغرودة وصاحبتها الطالبة دينا شيخ الدين أيما إحتفاء، فقد أسهمت في حسم مسار المعركة في بدايتها عندما إختارت ذلك الجنس من زغاريد المرأة السودانية الذي يدعو إلى الصمود وتثبيت القدم عند “الحارّة”. وجاء إندفاع تلك المجموعة مسلكاً رجولياً إستجابةً لتنغيم تلك الزغرودة وشحنتها التي لا تقاوم.
abusabib51@gmail.com