لقد فشلت يا دكتور كامل إدريس!

لقد بدأت فشلك بتكرار ذات الغزل السياسي الرثّ، ونسج الخيوط البالية في نفس المنول المعطوب والذي جعل من السودان دولة لا تعرف سوى الحروب وتتفنن في تنميتها وتطويرها. لم نكن ننتظر أن تعيد علينا خطاب المركز البالي، ولا أن تدعو لإحياء فكرة الحكومة المركزية من جديد، وكأنك لم ترَ هذا الوطن وهو يحترق من أطرافه إلى قلبه بسبب الجهل والفشل السلطوي والسقوط الأخلاقي المستديم وادعاءات مظالم لا أساس لها من الصحة

كان الأجدر بك أن تكون أذكى، وأن تبدأ بوقف الحرب أولًا، لا أن تنخرط في أوهام تشكيل حكومة مركزية تقوم على المحاصصة، والترضيات، والتمثيل الجهوي والعرقي. ومن البديهي أن مثل هذه الحكومة لن تُبنى على الكفاءة والمشروع الوطني الحقيقي، لأن الأكفاء في هذا الوطن أصبحوا خارج دوائر الثقة لدى الكثير من شعوبه العاجزة لأسباب عنصرية مؤسفة.

تلك الحرب اللعينة لم تنشأ من فراغ، بل كانت نتيجة مباشرة لذلك التنافر العرقي، وتلك الكراهية المطلقة بين مكونات شعوبٍ فُرضت عليها وحدة قسرية دون وعي ولا إرادة، فلم تكن حرباً بين جيش وجنجويد، بل كانت حرب تحرر ضد مجموعات غازية، توفرت لها القوة في غفلة من الزمن، فقررت طرد أهل الشريط النيلي من بيوتهم واحتلالها عنوة. فهبّ الناس للدفاع عن أرضهم وأعراضهم، وقد نجحوا في ذلك، وتطهّرت أرضهم من دنس الجنجويد، وانتهى الأمر، ولم يكن هدفهم مواصلة الحرب لإبادة الحواضن العربية للجنجويد في دارفور.

ولهذا، كان الأجدر بك، يا دكتور، أن تبدأ بإطلاق مبادرة شجاعة بطابع عالمي، تُشرك فيها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والإقليمي والأفريقي، وتدعو بصراحة إلى عودة كل الحركات المسلحة الدارفورية، للجلوس مع كافة مكوناتهم للوصول إلى “اتفاقية الفاشر للسلام الدائم” ومنح دارفور الإستقلالية الذاتية النوعية للإنكفاء على نفسها وترك شماعة المركز والتهميش وإدعاءات المظالم الوهمية الباطلة وبذلك تُجتث الحروب من جذورها تماماً كما حدث في حالة الجنوب الذي أصبح في منأي من غارات المركز الغاشم والجهاديين والدبابين وغيرهم.

إنني أقترح، وبوضوح، اتفاقية الفاشر لتكون البديل الحقيقي لاتفاقية جوبا المشوّهة والمُعيبة، التي لم تُعْنَ مطلقاً بالإصلاح التاريخي المطلوب بصنع السلام في دارفور، ما بين عرب وزرقة، كأصل للحروب، ولم تضع في حساباتها تحقيق السلام على امتداد الجغرافيا السودانية، بل كانت منصّة لتوزيع المناصب الدستورية والثروة القومية لصالح حملة البندقية ومن أجل تثبيت المليشيات وتعدد الجيوش كأمر واقع، وإعادة تدوير الأزمة بوجهٍ أكثر فجاجةً وبشاعة

ثم بعد ذلك تبدأ في عملية الإصلاح من القاعدة لا من القمة، بأن تتجه لكل ولاية، واحدةً تلو الأخرى، وتحثها على عقد مؤتمرها الجامع، واختيار برلمانها الانتقالي، وصياغة دستورها المحلي، وتطهير نفسها من أدران النظام الإنقاذي الكيزاني الإرهابي البائد وتشكيل حكومتها، دون تدخل من المركز الوهمي. ثم ترسل كل ولاية ممثليها إلى المجلس القومي ومن خلاله يتم تشكيل حكومة اتحادية تُجسّد إرادة الولايات وشعوبها، لا المحاصصة العرقية

د. شهاب طه

stmtaha@msn.com

عن شهاب طه

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …