للمرة الثالثة :اليسار يتشفي في الزعيم الأزهري .. بقلم: د. إبراهيم الصديق على
5 يناير, 2021
المزيد من المقالات, منبر الرأي
41 زيارة
(1)
خلا خطاب د. عبدالله حمدوك رئيس الوزراء بمناسبة الإستقلال والذي إذاعة يوم الجمعة اول يناير ٢٠٢١م، عن أي إشارة لرواد الإستقلال وقادة النضال الوطني، وتجاهل تماما مجرد التحية العابرة، واكتفي بتمجيد الشهداء، وهذه المرة الثالثة تبدو مظاهر التشفي والإنتقام من بين ثنايا مواقف اليسار السوداني وخاصة الحزب الشيوعي من هذا الزعيم الوطني وصحبه، أما المرة الأولى، كانت وضعه في غرفة صغيرة بسجن كوبر (مايو ١٩٦٩م) بعد إنقلاب جعفر النميري بمساندة وتأييد الحزب الشيوعي، لقد وضع رائد الإستقلال ورئيس اول حزب سوداني (الأشقاء ١٩٤٧م) ومؤلف كتاب (الطريق للبرلمان ١٩٣٠م) ولم يتجاوز عمره حينها ٣٠ عاما.
اما المرة الثانية يوم وفاته حين اذاعت حكومة مايو يوم ٢٦ أغسطس ١٩٦٩م بيانا جاء فيه ( اليوم توفي اسماعيل الأزهري وكان معلما بالمدارس الثانوية) وبرزت دعوات لدفنه سرا، وبغض النظر عن تفاصيل الوفاة وما حاطها من ملابسات، فإن هذا الإعلان يعكس سلوكا متجذرا في اليسار السوداني وقواه منذ زمن بعيد، مع ان الأزهري عرف بتوجهاته الليبرالية وقربه من الزعيم جمال عبدالناصر، ولكن الحقد عند هؤلاء بلا حدود، ولا يعرفون قيمة التسامح والتعايش، فهم لا ينسون ابدا يوم ١٢ نوفمبر ١٩٦٥م حين تجمع حشد غاضب بمنزله يطالب بحل الحزب الشيوعي.
(2)
(إذا لم تحسم الجمعية التأسيسية هذا الموضوع، فسانزل للشوارع واقود التظاهرات)، تلك كانت عبارة الزعيم اسماعيل الأزهري رئيس الوزراء للجماهير الغاضبة، وتطورت الأحداث وتقدم السيد محمد احمد المحجوب زعيم الاغلبية بإقتراح قانون حل الحزب الشيوعي وجاء في مداخلاته يوم ١٦ نوفمبر ١٩٦٥م (ترى الجمعية التأسيسية ان تتقدم الحكومة بمشروع قانون بحل الحزب الشيوعي ويحرم قيام أحزاب شيوعية أو أحزاب ومنظمات أخرى، تدعو للإلحاد، أو تستهتر بقيم الناس أو تدعو لممارسة أساليب دكتاتورية).. وأنتهى الأمر بحل الحزب الشيوعي، وتلك قصة أخرى ولكن الغصة ظلت في حلق الشيوعيين واشياعهم تجاه رواد الإستقلال ورموزه وتستكثر عليهم مجرد ذكرى عابرة، وهم الذين أعلنوا الإستقلال من داخل البرلمان يوم ١٩ ديسمبر ١٩٥٥م، ورفعوا العلم صبيحة اول يناير ١٩٥٦م
(3)
إن هذا التصرف والموقف جزء من نمط التعاطي السياسي اليساري، ومن المؤسف ان الحكومة تدعي التمثيل للجميع، ويشير لحقائق مهمة:
أولا : إن منهج الإقصاء السياسي متأصل في مخيلة الجماعة الحاكمة الآن، وهو سلوك لا يفرق بين طرف دون آخر، ولا يفرق بين ماض وحاضر، ولا يملك أدنى مبدئية أخلاقية تعترف بالخلاف وتباين الآراء، ولذلك فإن حالة التشفي الراهنة والعسف والتنكيل بالعاملين والضغط على المواطنين، والحذف في المناهج والتغيير في القوانين، كلها تدبير ممنهج ومتفق عليه، ويسعى لإختطاف الوطن بتاريخه و حاضره وتطلعاته.
وثانيا: فإن هذه الجماعة ذات طابع إستعلائي، يرى ان الحياة تبدأ من حيث هم، والحضارة هي ما يمثلونه، والواقع هو ما يرونه، ولذلك يتنكرون لكل ما سوى نظرتهم، على قصورها، وقلة زادها، وقبحها.
وثالثا: فإن على الحالمين بتوسيع المواعين الوطنية واستنفار الجهود للبناء ووحدة المجتمع، إعادة كرة البصر، فهذه الجماعة لا تؤمن بذلك، و من ينتظر إنتخابات نزيهة وشفافة ومعبرة عن واقع البلاد فإن ذلك (حلم بعيد المنال) وفق معطيات الراهن وقراءته.
ورابعا: فإن هذا الموقف يشف عن تنكر للتحالفات السياسية وروح الزمالة، لإن تيارا من الإتحاديين لا زال يدعم د. حمدوك و حكومته، وعلى الأقل ومن باب المجاملة بمسايرتهم ومراعاة مواقفهم.
وخامسا: فإن مجموعة قليلة من المستشارين والكتاب تحيط برئيس الوزراء وتتحكم في كل شيء وتقدير بلادنا وفق رؤيتهم بعيدا عن الأمة والقوى الحية والوجدان الوطني.
التحية لرواد الإستقلال ورموزه، ولكل قادة الكفاح الوطني، وتحية للشعب السوداني، ولئن تسلق بعض قصار النظر سنام أمره، فحتما ستزول المحنة ويذهب الزبد.
ibrahim.sidd.ali@gmail.com